واشنطن: بين السياسة والفلسفة والسخرية

بقلم زكية لعروسي, باريس

واشنطن، 21 أبريل … ليس سهلا أن تكون لوري تشافيز دريمر. ولا سهلا أن تكون أي وزير في حكومة لا تهدأ. لكن ما حدث صباح الاثنين الماضي، حين أعلن البيت الأبيض استقالة ثالث وزيرة في ستة أسابيع، لم يكن مجرد خبر عابر في وكالة أسوشيتد برس. كان عرضا سياسيا كاملا، ورواية نصف مكتملة، وكوميديا سوداء على طريقة دوستويفسكي، وسخرية لاذعة كما لو أنه كان يكتب سيناريو لواشنطن العاصمة. هذا المقال لا يشبه ما يكتب عادة. لأنه في زمن يصبح فيه الاتهام يساوي الإدانة، والاستقالة تساوي الترقية، والفضيلة تساوي الخطيئة, لا يمكن فهم السياسة دون فلسفة، ولا الفلسفة دون ساخر يراقب من بعيد.

“وزيرة العمل لوري تشافيز ديريمر ستترك الحكومة لتأخذ منصبا في القطاع الخاص.” هكذا كتب ستيفن تشيونغ، مدير الاتصال في البيت الأبيض، على منصة X. بيان أنيق، خال من أي ذكر للفضائح التي ملأت الصحف في الأسابيع الأخيرة: تحقيق في علاقة “غير لائقة” مع مرؤوس، اتهامات بشرب الخمر في المكتب خلال ساعات الدوام، بل وشبهات احتيال في نفقات السفر تحولت فيها رحلات عمل إلى عطل عائلية في منتجعات لا علاقة لها بواجبات الوزارة. هذه الاتهامات – التي نفاها البيت الأبيض في يناير الماضي ووصفتها بـ”غير المؤسسة” – لم تمنع الإسم من أن يصبح ثقيلا. وفي ثقافة واشنطن، الإسم الثقيل يُستبدل. خاصة إذا كانت المرأة الثالثة التي تغادر الإدارة في زمن وجيز، بعد كريستي نوم وبام بوندي.

ما الذي يجمع هؤلاء الثلاث؟ لست متأكدة قارئي العزيز. لكن ما يجمع خروجهن هو أن الإدارة لم تبكي أيا منهن طويلا. الحكومة عند ترامب، كما يبدو، ليست عائلة ولا شراكة. إنها محطة قطار: تنزل هنا، تصعد هناك. و”القطاع الخاص” هو دائما الوجهة المشرقة في بيان الاستقالة، وكأن الخدمة العامة مجرد حجرة انتظا, وهنا تبدأ السخرية العميقة. لوري تشافيز ديريمر، الجمهورية المعتدلة من ولاية أوريغون، كانت أقرب وزيرة عمل في التاريخ الحديث إلى النقابات العمالية. لقد أيّدت قانون “حماية حق التنظيم” الذي يراه رجال الأعمال كابوسا. وعندما عينها ترامب في مارس 2025، اندهش الجميع. هل الرئيس الجمهوري الأكثر ولاء للشركات الكبرى يُقرّب نقابيا من قلعة الأعمال؟

ربما كانت محاولة لتهدئة الطبقة العاملة البيضاء. ربما كانت خطوة تكتيكية. لكن الأكيد أنها أوقعت الوزيرة في فخ: قريبة جدا من العمال فتصبح هدفاً لرجال المال داخل الإدارة، ومتشابكة مع الإدارة فتصبح خائنة في عين النقابات التي تريد وزيرا يقف مع الإضرابات لا مع البيت الأبيض. في رواية دوستويفسكي “الأبله”، الشخصية الوحيدة الطيبة تماما – الأمير ميشكين – ينتهي به الأمر مجنونا. ليس لأن الطيبة جنون، بل لأن المجتمع لا يحتمل نقاء كاملا. تشافيز دريمر ليست طيبة تماما بالطبع، لكنها كانت مختلفة.  وهذا الاختلاف كلفه. يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورجتاون، مايكل فرانكلين، في محادثة خاصة: “الفضيحة ليست ما حدث، بل ما قيل إنه حدث. في واشنطن، الاتهام يساوي الإدانة إذا تخلت عنك الإدارة. اللحظة التي يشعر فيها البيت الأبيض أنك أصبحت عبئا، أي اتهام – حتى لو سخيف – يصبح كافيا لرحيلك.”

تشافيز دريمر لم تُطرد. قيل إنها استقالت. والفرق بين الاثنين في قاموس البيت الأبيض هو الفرق بين “طُلقت” و”قررت الرحيل لأسباب شخصية”. النتيجة واحدة: الحقيبة تُسلم، والمكتب يُفرغ. لنقف هنا قليلا قارئي. ما الذي يحدث للسلطة حين تصبح أدواتها قابلة للاستبدال بهذه السرعة؟ وكيف يمكن بناء مؤسسات دائمة في مناخ من “الحكومة الواقعية” التي تعيد تعريف نفسها كل بضعة أسابيع؟

أفلاطون في “الجمهورية” قال: “ليس العقاب هو ما يخيف الأشرار، بل أن يصبحوا أشرارا دون أن يعرفوا.” في قصة تشافيز ديريمر، لا أحد يبدو خائفا من أن يكون شريرا. الكل مشغول بإدارة السردية: البيت الأبيض يريد قصة “استقالة طوعية لفرصة أفضل”، والصحف تريد قصة “فضائح تطيح بوزيرة”، والنقابات تريد قصة “تضحية بكبش فداء”. الحقيقة الحقيقية – ماذا حدث بالضبط في مكاتب وزارة العمل؟ – لا أحد يريدها. لأن الحقيقة، في زمن ما بعد الحقيقة، ليست مربحة لأي طرف.

نيتشه رأى أن “الأخلاق مجرد تفسير، وظواهر القوة وحدها حقيقية.” لو كانت تشافيز ديريمر قريبة من رجال المال بدلا من النقابات، لكانت اتهاماتها “افتراءات سياسية” وليس “تحقيقا داخليا”. من يملك القوة يملك تعريف  “الفضيحة”. ومن يملك تعريف الفضيحة يملك القدرة على تدمير أي خصم دون محاكمة. ميشيل فوكو يذكرنا بأن السلطة لا تُمارس فقط عبر القوانين، بل عبر “تشكيل الخطاب”: ما يقال، وما لا يقال، ومن يسمح له بالكلام. البيت الأبيض لم يقل: “أقيلت بسبب الفساد.” قال: “استقالت لفرصة أفضل.” هذا تحويل الخطاب من “عقاب” إلى “ترقية”، ومن “أخلاق” إلى “سوق عمل”. في ثانية واحدة، يختفي الوزير كشخص، ويظهر كمنتج في سوق الوظائف التنفيذية.

والسؤال الأعمق: هل يمكن لأي وزير أن يحتفظ بأخلاقه في نظام كهذا؟ أم أن النظام يصنع أخلاقه الخاصة، حيث “الفضيلة” هي البقاء في المنصب أطول من غيرك، و”الرذيلة” هي أن تصبح عبئا؟ وهنا يأتي دور السخرية على طريقة سليم بركات، الشاعر والروائي الكردي السوري الذي تميزت كتابته بقدرة فريدة على قلب الأمور رأسا على عقب، وجعل المقدس عاديا واليومي ملحميا. في روايات بركات، غالبا ما يكون “المذنب” أخلاقيا أكثر من “القاضي”، لأن القاضي يمارس الأخلاق بوصفها سلطة، بينما المتهم يعيشها بوصفها مصيرا. لوري تشافيز ديريمر، سواء كانت مذنبة أم بريئة، هي الآن وجه جديد لهذه الظاهرة العالمية: سياسي يدفع ثمن جريرة القرب من العمال في زمن يقدس رأس المال.

تخيلوا قرائي الأعزاء لو كتبنا مشهد استقالتها بسخرية روائية, فتكون كالتالي: “خرجت لوري من الباب الزجاجي الكبير، وحقيبتها الورقية تحتوي على نصف كأس لم تُكمله، واتهام لم تثبته، وعلاقة لم تحدث. قال لها الحارس: ‘مع السلامة يا وزيرة.’ قالت له: ‘أنا لست وزيرة. الوزارة كانت رداء. الآن أنا امرأة تبحث عن قطاع خاص.’ ضحك الحارس. لم تعرف لماذا ضحك. لكنها شعرت فجأة أنها لم تفهم واشنطن أبدا. وأن واشنطن لم تفهمها. وأن الفهم بينهما كان كذبة جميلة استمرت ثلاثة عشر شهرا.”

هذه السخرية ليست تهكما مجانيا. إنها اعتراف بأن السياسة الأميركية اليوم أقرب إلى الرواية منها إلى العلم. الشخصيات ترحل وتأتي، الاتهامات تُنسج وتُفك، والجمهور يتفرج كما يتفرج على مسلسل طويل لا يعرف متى تنتهي حلقته. دوستويفسكي كان أساتذا في وصف اللحظة التي تنهار فيها الحدود بين الخير والشر، ويصبح البطل بطلا لأنه ارتكب جريمة وليس لأنه نجا منها. ففي “الجريمة والعقاب”، راسكولينكوف يقتل امرأة عجوز لأنه يعتقد أن الأقوياء فوق القانون. لكنه لا يستطيع تحمل وزنه. الجريمة تبقى فيه، تأكله من الداخل. في واشنطن اليوم، يبدو أن لا أحد يأكله شيء. الفضائح تمر كالسحب، والوزراء يتعاقبون كالممثلين في مسرحية طويلة، والجمهور يصفق أو يصفر دون أن يعرف بالضبط ما حدث.

في “الشياطين”، يكتب سيرجي فيرخوفينسكي مخاطبا ستافروجين: “أنت جميل لكنك فاسد، وأنت عبقري لكنك مجرم.” الالتباس الأخلاقي هو جوهر الرواية. تشافيز ديريمر ليست ستافروجين بالطبع، لكن الالتباس نفسه حاضر: هل هي ضحية نظام لا يرحم؟ أم هي وزيرة فاسدة اكتُشف فسادها؟ أم هي الاثنان معا؟ دوستويفسكي لن يخبرك بالإجابة. لأنه يعرف أن الإجابة ليست مهمة. المهم هو السؤال نفسه. والمهم هو أن القارئ يظل حائرا. لأن الحيرة هي بداية التفكير.

في نهاية هذا الممشى الطويل بين السياسة والفلسفة والرواية، نعود إلى سؤال بسيط: من ربح من استقالة لوري تشافيز ديريمر؟ البنتاغون؟ لا. الحزب الديمقراطي؟ ربما قليلا. رجال الأعمال؟ نعم، هم الرابح الأكبر. فقد تخلصوا من وزيرة كانت قريبة جدا من النقابات، واستبدلوها برجل – كيث سوندرلينغ، نائب الوزير الحالي – لن يزعجهم كثيرا. وخسرت من؟ خسرت الوزيرة نفسها وظيفتها وسمعتها. وخسرت النقابات صوتا حليفا في غرفة القرار. وخسر الشعب الأميركي – كما يخسر دائما – فرصة نادرة لرؤية حكومة تستمع للعمال بقدر ما تستمع لأصحاب العمل.

أما السخرية الكبرى فهذه: لن نعرف أبدا الحقيقة, لأن الأخلاق في زمن السلطة لم تعد بحثا عن الحقيقة، بل فنّا من فنون إدارة السمعة. تشافيز دريمر ستكتب مذكراتها بعد سنتين، وستقول إنها بريئة. والبيت الأبيض سينشر بيانا في الذكرى يقول إنها “خدمت بإخلاص”. والصحف ستنقل روايتين دون أن تحسم أي منهما. وقارئي العزيز – أنت – ستظل حائرا. وهذه هي بالضبط نهاية دوستويفسكية حقيقية: لا عدالة، لا حقيقة، لا نهاية سعيدة. فقط سؤال معلق في الهواء، ينتظر من يجيب عليه. ولكن ربما هذا هو المطلوب: أن نبقى حائرين. لأن الحيرة، كما قال الفيلسوف، هي بداية الحكمة. وفي زمن فقدت فيه السياسة حكمتها، تبقى الحيرة فضيلة نادرة.

a href=”https://wa.me/?text=Regarde cet article” target=”_blank”> 📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *