بقلم زكية لعروسي، باريس
ليس سهلا أن نكتب عن حرب تعلن ثم تُلغى، عن تهديد يُطلق ثم يُجمّد، عن عدو يُقال عنه إنه على حافة الهاوية ثم يُمدّ له حبل نجاة «بدون موعد نهائي». ولكن هذه هي لعبة الشرق الأوسط الجديدة، وهذه هي بصمة دونالد ترامب في فن إدارة الصراع: لا حرب ولا سلم، بل تعليق دائم بين الحالتين، كمن يرفع قدمه ليخطو خطوة ثم يبقى معلقا في الهواء إلى الأبد. ما حدث في 22 أبريل 2026، حين قرّر ترامب تمديد الهدنة مع إيران «sine die» (أي دون يوم محدد)، لم يكن مجرد قرار عسكري أو دبلوماسي. بل كان منعطفا وجوديا في فلسفة الحرب نفسها. فجأة، لم يعد العدو من تُباد، بل من تُعلّق إبادته إلى أجل غير مسمى. لم يعد السلام إلاّ فاصلة مطاطية في جملة مفتوحة على كل الاحتمالات.
في التاريخ ، اعتدنا على قادة يعلنون الحرب بقناعة، أو يوقعون السلام بإرهاق. أما ترامب، فيبدو كما لو أنه يستمتع بأن يكون ضد المنطقين معا: حرب بلا حرب، سلام بلا سلام. إنه أشبه بشخصية من روايات دوستويفسكي: رجل تحت الأرض، ساخر، متناقض، يحكم بغريزة لا بمنطق، ويستمتع بأن يوقع الجميع – أصدقاءه وأعداءه – في متاهة لا مخرج منها سوى متابعته. فهو يبدأ يومه مهددا: «لن أمدّد الهدنة». ثم في المساء يعلن تمديدها «بسبب انقسامات إيران وطلب باكستان». وكأن القرارات العظمى تتغير بناء على نزوة أو بريد إلكتروني عابر.
هنا، يتدخل مبدأ البيروقراطية العبثية. فالحرب تصبح إجراء شكليا معلقا في أروقة المجهول. لا أحد يعرف متى تنتهي الهدنة، ولا أحد يفهم شروطها. وحين يسأل الإيرانيون عن موعد انتهائها، يجيب البيت الأبيض: «مساء الأربعاء بتوقيت واشنطن»، بينما يقول الإيرانيون: «منتصف ليل الثلاثاء». الفرق الزمني هو فراغ سياسي متعمد يسمح للجميع بتفسير ما يريدون. في الفلسفة السياسية الكلاسيكية، الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى (كلوزفيتز). أما في عالم ترامب، فتصبح الحرب استمرارا للتلفزيون الواقعي بوسائل الدمار الشامل. الهدنة ليست استراحة محارب، بل حلقة جديدة من مسلسل التشويق.

لكن الأعمق من ذلك: هذه الهدنة الممددة إلى ما لا نهاية تعيد إنتاج نموذج “الغريب” الكافكاوي في رواية “المحاكمة” (Der Process). هناك، يُعتقل البطل “يوزيف ك.” دون أن يعرف تهمته، وتستمر المحاكمة دون أن تنتهي. هنا، تُفرض الهدنة على إيران دون شروط واضحة، وتُهدد بالبومب دون تاريخ محدد. الكيان الإيراني يصبح “المتهم الأبدي” في محكمة أمريكية لا تجتمع ولا تصدر حكما، لكنها لا تبرئ أبدا. هذا الوضع ينتج رعبا وجوديا جديدا: ليس رعب القنبلة التي تسقط، بل رعب القنبلة التي قد تسقط في أي لحظة، أو لا تسقط أبدا. وهنا يتفوق العبث الفلسفي على المنطق العسكري: لأن الجيش الذي لا يعرف إن كان سيحارب أم لا، يتحول إلى جثة تنتظر الدفن أو القيامة.
في التراث الإسلامي، هناك مفهوم “الهدنة المؤقتة” أو “الصلح على ألاّ حرب”. الفقهاء اختلفوا: هل تجوز مهادنة العدو بلا أمد؟ بعضهم قال نعم إذا كانت المصلحة تقتضي ذلك (كقول الإمام الشافعي في الجديد). لكنهم جميعا اشترطوا ألا تؤدي الهدنة إلى نسيان حالة الحرب، بل تكون مجرد تنفس. أما ما يفعله ترامب، فهو هدنة بلا نية سلام، ترفيه عسكري بلا هدف. إنه يحوّل الشرق الأوسط إلى مسرح تمثله شخصياته المفضلة: إيران كـ”الشرير المراوغ”، وباكستان كـ”الوسيط المسكين”، والخليج كـ”الضحية المستباحة” التي يهددها الإيرانيون بأن “يدمروا نفطها” بينما يهددها الأمريكيون بأن “يفجروا مفاعلاتها”. وهنا يظهر دوستويفسكي من جديد: في رواية “الشياطين”، يكتب عن ثوار لا يعرفون ماذا يريدون، يحرقون ويقتلون بدافع العبث. أحدهم يقول: «دعونا نحرق نصف المدينة، ثم نرى». ترامب ليس ثائرا، لكنه مهرج السلطة العظمى، يحرّك الجيوش كما يُحرّك الأوراق في لعبة لا يعرف قواعدها سواه، وربما لا يعرفها هو أيضا.

اللافت أن إيران، في هذه الرواية، ليست خصما كلاسيكيا، بل شريكا في العبث. فهي تهدد بتدمير النفط الخليجي، وتتهم أمريكا بالكذب في موعد الهدنة، لكنها في النهاية تقبل بالتمديد. لماذا؟ لأنها أدركت أن حربا لا تنتهي أبدا أفضل لها من حرب تنتهي بخسارتها أو سلام يفرض عليها الاستسلام. هنا نصل إلى ذروة السريالية: العدو يحب الحرب المعلقة بقدر ما يحبها الخصم. كلاهما يخاف من السلام الحقيقي، لأنه سيكشف عجزهما. كلاهما يخاف من الحرب الحقيقية، لأنه سيدمرهما. فلم يبق سوى الهدنة الأبدية، حيث تستمر التهديدات، وتُشحن الصواريخ، وتُهدد المحادثات، لكن لا أحد يطلق الرصاص. هذا هو جوهر الدبلوماسية الكافكاوية: أن تصنع من الحرب سرابا، ومن السلام كابوسا، ومن الهدنة سجنا مفتوحا لا يُغلق بابه أبدا.
لو كتب دوستويفسكي هذه القصة، لسمّاها “المعلقون” أو “الشياطين في واشنطن”. ولو كتبها كافكا، لسمّاها “القرار” أو “أمام القانون”. ولكن بما أننا نعيشها اليوم، فلنسمّها حرب ترامب الصامتة، حيث القنابل لم تسقط بعد، لكن الخوف منها سقط في كل القلوب. لا يسعنا إلا أن نقتبس من “الكوميديا الإلهية” لدانتي، الذي رسم جحيما من دوائر، كل دائرة أشد عذابا من سابقتها. وجحيم الشرق الأوسط الجديد ليس في نار القنابل، بل في غرفة الانتظار اللانهائية، حيث ينتظر الفلسطيني والإسرائيلي والإيراني والأمريكي قرارا لا يأتي، وحربا لا تبدأ، وسلاما لا يتحقق. ترامب، في حكمته المقلوبة، يمنحنا هدنة بلا أمل، وحربا بلا موعد، وسؤالا بلا جواب: أيهما أسوأ، قنبلة تسقط الآن، أم تهديد لا يسقط أبدا؟
📲 Partager sur WhatsApp