حوار بين طفل نياندرتالي وطفل الألفية الثالثة

بقلم زكية لعروسي, باريس

في متحف لا يُذكر اسمه ليست الجمجمة مجرد عظم. الجمجمة بيت الأرواح قبل أن تصير هوامش. وفي أحد متاحف إسرائيل الزجاجية، خلف واجهة لا تحمي من الفضول أكثر مما تحمي من الغبار، ترقد جمجمة طفل مات قبل 55 ألف عام. تسمى “عمود 7” لأنها السابعة في كهف عمود. لا اسم لها. ولا جنس. فقط أسنان تخبر أنها كانت في الشهر السادس، وعظام طويلة تخبر أنها كانت بحجم طفل اليوم في عامه الثاني. في ليلة أبريل الباردة من عام 2026، وبينما كانت أخبار ترامب تتصدر كل شاشة، وبينما كان طفل في غزة يحاول النوم على صوت طائرة، وبينما كان طفل في واشنطن يلعب بآيباد يعرض له فيديوهات عن الفضاء، فتحت الجمجمة فمها العظمي وتكلمت. لم يكن حوارا. كان نداء.

الجمجمة (بصوت يشبه حفيف الريح في كهف مهجور): هل تعرف كم كانت السماء صافية حين كنت صغيرا؟ لم تكن هناك أضواء مدينة تحجب النجوم. لم تكن هناك طائرات تزأر. كان البرد هو الصوت الوحيد. وكانت أمي هي البطانية. أنا في السادسة من عمري – أعني ستة أشهر – لكن جسدي كان بحجم طفل عمره سنة. هكذا قالوا لي قبل قليل. العلماء. أولئك الذين ينظرون إلي من خلف الزجاج بعيون لا تراني، بل ترى بياناتي. يقولون إن دماغي كان ينمو أسرع من أسناني. إنني كنت أتضخم كالوحش الصغير لأن الجو كان باردا. لأن أمي كانت بحاجة لأن أنمو سريعا كي لا أموت. وأنا لم أمت بسبب البرد. متّ بسبب شيء آخر لا يتذكره العلماء. ماتت أمي أولا. ثم أتت الذئاب. هذا كل ما أتذكره: فرو أمي يبرد، وأنياب بيضاء تقترب. أنتم أيها الأطفال في زمنكم، هل تنمون بهذه السرعة؟ هل يخاف أحد عليكم من البرد؟

طفل في الثامنة من عمره، جالس في غرفة مكيفة في مدينة نيويورك، يحدق في هاتف والديه. لا يعلم أن جمجمة تتحدث إليه عبر الخيال. لكنه يشعر فجأة برغبة في رفع رأسه. الطفل المعاصر (يدعى وليام، أو أحمد، أو دافيد … لا فرق): أنا لا أعرف معنى البرد الحقيقي. لكنني أعرف معنى الخوف. أبي يشاهد التلفزيون طوال الوقت. يصرخ على رجل إسمه ترامب. ثم يصرخ على رجل إسمه بايدن. ثم يغلق التلفزيون ويفتح هاتفه ويقرأ أخبارا عن حرب في مكان إسمه أوكرانيا وحرب في مكان إسمه غزة وحرب في مكان إسمه السودان. أمي تطلب مني ألا أكبر بسرعة. تقول: “تمهل، الدنيا صعبة.” لكن الدنيا  تريدني أن أكبر بسرعة. المدرسة تريدني أن أقرأ في الخامسة. الاختبارات تريدني أن أنافس في الثامنة. الآيباد يريدني أن أشاهد فيديوهات عن أطفال يصنعون الروبورتاجات في العاشرة. أنا في الثامنة من عمري، لكن عمري النفسي – كما تقول أمي- يشبه عمر الرجال الذين خاضوا حروبا. هل هذا ما تسمونه نموا سريعا؟ مثلك تماما؟ أم أنكم كنتم أكثر حظا لأن سرعتكم كانت جسدية فقط؟ لأن سرعتنا اليوم: في الخوف، في القلق، في رؤية الموت على الشاشة قبل أن نتعلم ركوب الدرّاجة.

تتحرك الجمجمة قليلا في علبتها الزجاجية. حارس المتحف يشرب قهوته ولا يلاحظ. الجمجمة: سرعة الجسد أفضل من سرعة الروح. نعم، كنا ننمو بسرعة لأن الأرض كانت تأكل الضعيف. كنا بحاجة لأن نكون كبارا في ستة أشهر كي نركض، كي نصطاد، كي لا نُلتهم. لكننا لم نكن نعرف ما هي “الأخبار”. لم نكن نعرف أن هناك بشرا آخرين يموتون على بعد ثلاثة أيام سيرا على الأقدام. عالمنا كان الكهف فقط. والغابة فقط. والقبيلة فقط. أما أنتم… يا صغيري، أنت تعرف طفلا في الصين يبكي، وطفلا في الكونغو يجوع، وطفلا في أوهايو يطلق عليه رصاص في مدرسته. أنت تعرف كل هذا ولا تعرف كيف تمنعه. هذا النوع من السرعة – سرعة المعرفة بدون قدرة على التغيير – هذا لم نعرفه نحن. لذلك أنا لا أحسدك. أنت أكبر مني في ستة أشهر لكن روحك أكبر من عمري كله. 55 ألف عام. أنا مت منذ 55 ألف عام. وأنت تموت كل يوم قليلا أمام الشاشة.

على بعد آلاف الكيلومترات، في غرفة لا نوافذ لها في مكان إسمه غزة أو خاركيف أو دمشق، طفل آخر يسمع الحوار عبر الخيال أيضا. لا يشارك. فقط يهمس.طفل الحرب (لا نعرف اسمه، سنّه 7 سنوات لكنه يبدو في الرابعة لأن الجوع أوقف نموه): أما أنا فأعرف البرد الذي كنتم تعرفونه. أعرف أن أسناني تتأخر لأن الحليب نادر. أعرف أن جسدي لا ينمو لأن القصف يمنع النوم. العلماء الذين يدرسونكم، لو درسوني، لقالوا: “هذا الطفل في السابعة لكن عظامه كعظام طفل في الرابعة. تأخر في النمو بسبب الحروب.” أنا عكسك أيها النياندرتالي الصغير. أنت كبرت بسرعة خوفا من الطبيعة. أنا صغرت بسرعة خوفا من البشر. أي النوعين أسوأ؟(لا أحد يجيب. الجمجمة تصمت. الطفل في نيويورك يصمت. الجميع يصمتون لأن السؤال ثقيل جدا على عظام 55 ألف عام أن تحمله.)

وهنا، تخرج الراوية – ليست عالمة، ولا صحفية، ولا سياسية – تخرج من ظل النص كما كان يفعل الكبار : بورخيس، وكافكا، وماركيز. يخرج ليشرح ما لا تستطيع الجمجمة ولا الطفل قوله. في عصر العولمة، صار الجسد أبطأ من الخبر. وأنت أيها النياندرتالي الصغير، كنت محظوظا لأن سرعتك الجسدية سبقت أسنانك. أما أطفال اليوم، فسرعة أخبارهم تسبق عقولهم. يرون القمر يهبط عليه صاروخ صيني، ويرون رئيس أميركا يطرد وزيرته الثالثة، ويرون طفلا يغرق في البحر المتوسط، وطفلا يولد في محطة فضاء -كل هذا في نفس الدقيقة التي يتعلمون فيها أن 2+2=4. ترامب يغرد. الحرب تندلع. الوزيرة تشرب الخمر في مكتبها. الوزير يسرق أموال الضرائب. والنظام المدرسي يريدهم أن يحفظوا جدول الضرب. أي سرعة هذه؟ النياندرتالي نما سريعا ليعيش. أطفال اليوم يكبرون سريعا ليموتوا – ليس موت الجسد، بل موت الطفولة.

و قبل أن يغلق المتحف أبوابه، رأى الحارس شيئا غريبا: جمجمة الطفل النياندرتالي كانت تبتسم. ليس ابتسام أسنان عارية. بل ابتسام عظام عرفت حقيقتها: أنها ماتت صغيرة لكنها عاشت طفولة حقيقية. بينما أطفال اليوم يعيشون طويلا لكن طفولتهم ماتت منذ اللحظة التي فتحوا فيها أول تطبيق أخبار.

أنت أيها القارئ العزيز, لست طفلا نياندرتاليا. ولست طفلا في غزة أو نيويورك ربما. لكنك تحمل جمجمتك على كتفيك، وفي داخلها دماغ ينمو…ليس أسرع من أسنانك، بل أسرع من قدرتك على الحلم. تذكر: النياندرتالي الصغير كان كبير الجسد صغير الأسنان. وأنت صغير الروح كبير الشاشة. أي النموين أسرع؟ وأيهما أبطأ؟ الجواب لن تجده في مجلة Current Biology. ولن تجده في تغريدة ترامب. ولن تجده في مؤتمر صحفي للبيت الأبيض. الجواب في عظامك أنت. افحصها. فقط لا تنتظر 55 ألف عام كي تفعل.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “حوار بين طفل نياندرتالي وطفل الألفية الثالثة

  1. إنه الوضع الذي صنعه برنامج عصر التقنية ل- نا. من كاءنات معتدة بملكاتها وذاكرتها، إلى كاءنات امست تعيش بما فوضه حفيد النيوندرطال للآلة. مسوخ في مسوخ. والآتي يعلمه الله.
    ليس هذا ضد او مع ما يحدث، فقط مجرد انفتاح على ما ينكشف بالسرعة القصوى كنمط وجود تزداد غربة أهل الذاكرة الورقية ، اغترابا أمام زحف الرقمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *