بقلم زكية لعروسي ، باريس
في صباح مشمس من أبريل 2026، دخل مدير مشتريات في مستشفى جامعة بباريس إلى مكتبه، فتح بريده الإلكتروني، وقرأ رسالة مختصرة من أحد كبار الموردين: “بعد التسليم الأخير، لن تكون هناك شحنات أخرى حتى إشعار آخر. نعتذر عن الإزعاج.” لم يذكر المورد السبب. لم يذكر متى سيعود. فقط تلك الجملة القصيرة التي تشبه نعشا صغيرا مغلقا بإحكام. كانت الرسالة تتعلق بمنتج طبي بسيط، متواضع، غير مثير: حاوية بلاستيكية لنقل الأعضاء البشرية. تلك الحاوية التي لا يراها أحد، ولا يفكر فيها جراحو زراعة الكلى إلا عندما لا تكون موجودة. وعندما لا تكون موجودة، لا ينتقل العضو من مكان إلى آخر. وعندما لا ينتقل العضو، يموت مريض في قائمة الانتظار. كل ذلك لأن قطعة من البلاستيك الطبي، التي كانت بالأمس تكلف بضعة يوروات، أصبحت اليوم عملة نادرة كالماس في زمن الحصار.

على بعد آلاف الكيلومترات من أسرة المستشفيات الفرنسية، في مياه الخليج العربي الضيقة، تمر ناقلات النفط العملاقة بصعوبة بالغة. مضيق هرمز، ذلك الممر المائي الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقطة خمسين كيلومترا، يمر عبره خمس إمدادات النفط العالمية. وخلال الأسابيع الماضية، تحول هذا المضيق إلى ساحة حرب غير معلنة بين إيران من جهة، وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى. القوارض السريعة، الألغام البحرية، الطائرات المسيرة، والتهديدات المتبادلة… جعلت من عبور المضيق مقامرة باهظة الثمن. شركات الشحن رفعت أسعار التأمين إلى عنان السماء، والناقلات تبحث عن طرق بديلة أطول بعشرات الأيام، وأسعار النفط قفزت كما لم تقفز منذ حرب أكتوبر.
لكن القصة لا تنتهي عند البنزين الذي نضخه في سياراتنا. فالخيو تمتد من النفط إلى البلاستيك، ومن البلاستيك إلى المستشفى، ومن المستشفى إلى حياتنا. البلاستيك الطبي ليس بلاستيكا عاديا. إنه درجة خاصة من البوليمرات والبولي بروبيلين، نقية كالماء المقطر، خالية من أي شوائب قد تسبب التهابات أو تفاعلات سامة داخل جسم الإنسان. صناعته تتطلب النفط كمادة خام أولية، ثم عمليات تكرير معقدة، ثم تصنيع دقيق في مصانع متخصصة.
تنتج الصين الجزء الأكبر من هذه المواد. المصانع الصينية تشتري النفط، تحوله إلى حبيبات بلاستيكية شفافة، ثم تصنع منها المحاقن والقسطرة وأكياس المحاليل والأقنعة الجراحية. ثم تشحنها إلى كل مستشفى في أوروبا وأمريكا وأفريقيا. ولكن عندما ارتفع سعر النفط إلى ثلاثة أضعاف بسبب أزمة هرمز، وعندما تضاعفت تكاليف الشحن، وعندما أصبح التأمين على البضائع يساوي قيمة البضائع نفسها، قررت المصانع الصينية شيئا بسيطا ولكن مدمّرا: سنخفض الإنتاج. سنوفر المواد الخام لسوقنا الداخلية أولا. العالم الخارجي يمكنه الانتظار. وهكذا، وفي ليلة باردة من فبراير، توقفت خطوط الإنتاج في خمسة مصانع كبرى بمقاطعة قوانغدونغ. توقف إنتاج المحاقن. توقف إنتاج القسطرة. توقف إنتاج الأكياس البلاستيكية للمحاليل الوريدية. وبعدها بثلاثة أسابيع، بدأت المستشفيات الفرنسية تشعر بالفراغ.

في ممرات المستشفيات، لا أحد يتحدث عن البلاستيك. يتحدث الأطباء عن العمليات الجراحية، عن التشخيصات، عن الأدوية الجديدة. أما الممرضات يتحدثن عن جدول المناوبات، عن المرضى صعبي المراس، عن ساعات العمل الإضافية. لكن في غرف المشتريات، وفي مكاتب إدارة المخزون، وفي اجتماعات مديري المستشفيات، أصبح سؤال واحد يتردد كل صباح كأنه نشيد وطني حزين: كم أسبوعا من المحاقن تبقى لدينا؟ لا أحد يجرؤ على إضافة كلمة “فقط” بعد الرقم. لأن الرقم يتناقص كل يوم. الأسبوع الماضي كان الجواب: ثمانية أسابيع. هذا الأسبوع أصبح: خمسة أسابيع. الأسبوع القادم قد يكون: أسبوعين. وبعدها… لا أحد يعرف.
جوزيف تايبيه، الأمين العام لتحالف البلاستيك الفرنسي، قال ما لم يقله مسؤول حكومي: “غياب الإجابات أو الغموض فيها يعني عادة أن الأمور تسير نحو الأسوأ. كم أسبوعا من المحاقن يبقى لدينا حقا؟ كم قسطرة لدينا؟ هل لدينا مخزون كاف لمواصلة العلاج؟” الوزارة تجيب بهدوء دبلوماسي: “حتى الآن، لم نحدد أي انقطاع في التوريد.” لكنها تعترف بـ”مخاطر محتملة على المدى الطويل”. هذا الأسلوب في الكلام يشبه طيارا يقول للركاب: “حتى الآن، لم نحدد أي عطل في المحرك”، بينما الدخان يتصاعد من النافذة.
في عام 1973، خلال حرب أكتوبر، فرضت الدول العربية حظرًا نفطيًا على الدول الداعمة لإسرائيل. توقفت المصانع في أوروبا وأمريكا، وأغلقت محطات الوقود أبوابها يوم الأحد، واصطف السائقون في طوابير تمتد لكيلومترات. لكن لم يمت أحد بسبب نقص الوقود. تذمر الناس، لكنهم عاشوا. أما اليوم، فحصار هرمز لا يهدد راحتنا فقط، بل يهدد حياتنا مباشرة. لأن نقص المحاقن يعني عدم إمكانية إعطاء الأدوية الوريدية. نقص القسطرة يعني عدم إمكانية إجراء عمليات القلب المفتوح. نقص الأكياس البلاستيكية يعني أن مريض الفشل الكلوي لن يجد من يحل محل دمه.
لحسن الحظ، ليست كل المنتجات الطبية مصنوعة في الصين. أوروبا لا تزال تنتج بعض المعدات المتطورة. لكن المنتجات البسيطة، ذات الاستخدام الواحد، تلك التي تستخدم بمئات الملايين كل عام، أصبحت تعتمد بشكل شبه كامل على الواردات الصينية. والأرقام مخيفة: أكثر من 80% من المحاقن العالمية، و70% من القسطرة، و90% من أكياس المحاليل، تأتي من الصين. نحن أمام فلسفة النقص: لماذا نعتمد على أعدائنا المحتملين؟
هذا السؤال يتردد في أروقة البرلمان الأوروبي، وفي اجتماعات منظمة الصحة العالمية، وفي ندوات الاقتصاد السياسي. لماذا سمحت أوروبا لنفسها بأن تصبح رهينة لسلسلة توريد طويلة وهشة؟ لماذا لم تستثمر في مصانع محلية تنتج المحاقن والقسطرة؟ لماذا فضلنا الربح السريع على الأمان البطيء؟ الجواب، كالعادة، هو المال. إنتاج البلاستيك الطبي في الصين أرخص بخمس مرات من إنتاجه في أوروبا. والعمالة الصينية تعمل بجهد أكبر وبأجر أقل. والبيئة التنظيمية الصينية أقل تعقيدا. لذلك، على مدى عشرين عاما، أغلقت المصانع الأوروبية واحدة تلو الأخرى، وتحولت أوروبا إلى مستورد صاف للمنتجات الطبية البلاستيكية. واليوم، ندفع ثمن هذا القرار. لا ندفع باليورو فقط، بل بدماء المرضى الذين قد يموتون لأن المحاقن لم تصل في الوقت المحدد. ليس لأن أحدا يريد قتلهم، بل لأن باخرة علقت في مضيق هرمز، أو لأن المصنع الصيني قرر تلبية الطلب المحلي أولا.

دعنا نتخيل معا, قارئي العزيز, مشهدا ليس بخيالي علمي بقدر ما هو احتمال قريب. في شهر يوليو 2026، يدخل مريض يبلغ من العمر خمسة وخمسين عاما إلى قسم الطوارئ مصابا بنوبة قلبية حادة. يحتاج إلى قسطرة عاجلة لفتح الشرايين المسدودة. لكن المستشفى ليس لديه قسطرة. استخدمت آخر قسطرة قبل ثلاث ساعات في عملية مماثلة. والمورد الصيني يقول إن الشحنة القادمة ستتأخر أسبوعين آخرين بسبب أزمة هرمز. الطبيب يقف حائرا. يمكنه محاولة استخدام دواء مذيب للجلطات بدلا من القسطرة، لكن فعاليته أقل وخطورته أعلى. يمكنه نقل المريض إلى مستشفى آخر، لكن الوقت يضيع، وكل دقيقة تفقد فيها عضلة القلب حيويتها. أو يمكنه الانتظار والمراقبة، لكن الانتظار يعني موت جزء من القلب.
في مكان آخر من المستشفى، طفلة مصابة بالجفاف الشديد بسبب الإسهال تحتاج إلى محلول وريدي عاجل. لكن أكياس المحاليل البلاستيكية نفدت. الممرضات يحاولن إعادة استخدام الأكياس بعد تعقيمها، وهو أمر محفوف بالمخاطر لأن البلاستيك قد يتلف أثناء التعقيم، وقد تدخل البكتيريا إلى الدم. وفي قسم الغسيل الكلوي، عشرون مريضا يعانون من الفشل الكلوي المزمن يحتاجون إلى جلسات غسيل كل أسبوع. لكن أنابيب الغسيل البلاستيكية أصبحت سلعة نادرة. سيتم تقليل عدد الجلسات إلى النصف. بعضهم قد لا يتحمل. هذا ليس فيلما مرعبا. هذا هو السيناريو الذي يحاول جوزيف تايفيه ورفاقه في تحالف البلاستيك تحذير العالم منه. لكن هل يستمع أحد؟وما العمل؟
في الأيام القادمة، ستعقد وزارة الصحة الفرنسية اجتماعا طارئا مع ممثلي المستشفيات والمصنعين. سيتم مناقشة إمكانية ترشيد استهلاك المحاقن والقسطرة. سيتم البحث عن موردين بديلين في الهند أو تركيا. سيتم استكشاف إمكانية إعادة تشغيل بعض خطوط الإنتاج المحلية. لكن كل هذه الحلول تحتاج إلى وقت، والوقت هو الشيء الوحيد الذي لا نملكه. في غضون ذلك، يمكننا، كمواطنين، أن نفعل شيئا واحدا: أن نتذكر أن صحتنا ليست مجرد خدمة نشتريها، بل هي نظام معقد وهش يعتمد على خيوط غير مرئية تمتد من مضيق هرمز إلى غرفة العمليات. وكلما نسينا ذلك، قارئي, كلما أصبحنا أكثر عرضة للخطر.
لعل الحكمة القديمة، التي تقول إن البساطة هي أعلى درجات التعقيد، تنطبق هنا أيضا. نحن نبني أنظمة صحية معقدة تعتمد على تكنولوجيا متطورة وسلاسل توريد عالمية، لكننا ننسى أن الأساس هو تلك القطعة البلاستيكية الصغيرة التي لا يزيد ثمنها عن بضعة سنتيمات. وعندما تختفي تلك القطعة، يختفي معها كل شيء. في الأثناء، في مستشفيات فرنسا، يستمر السؤال بالتردد: كم أسبوعا من المحاقن يبقى لدينا؟ والأجوبة تصبح أقصر كل يوم. والأمل يبقى معلقا على باخرة لم تصل بعد، أو على مصنع صيني لم يقرر بعد تصدير إنتاجه. ونحن ننتظر، كما ينتظر الجياع الخبز، وكما ينتظر العطشى الماء، وكما ينتظر المرضى الشفاء.
📲 Partager sur WhatsApp