سيكولوجية الخطاب الانتخابي

بقلم زكية لعروسي، باريس

في ركن من نانتير، حيث تتراقص أشعة الشمس الخافتة على واجهات برج «بابلو بيكاسو» المتآكلة، وقف برونو ريتاييو ليرسم لوحة أبوكاليبسية. ليس عن الحرب أو المجاعة، بل عن «فرنسا المنحرفين» التي يراها تغرق في «طوفان البودرة البيضاء». الرجل الذي يطمح لكرسي الإليزيه عام 2027 لم يأت حاملا وردا، بل حاملا خططا لتطويق الأحياء «24 ساعة»، وقطع الاتصالات، وإعلان حالة الطوارئ في أحياء بأكملها. لكن ما يثير السخرية – الممزوجة بالدهشة – هو ذلك الانقسام المنوي الذي يعيد إنتاجه ريتاييو: فرنسا الأبطال وفرنسا المنحرفين. يا للروعة! لقد نجح في تبسيط التعقيد الإنساني لبلد متناقض إلى معركة بين الخير المطلق والشرير المطلق. كأننا في فيلم أبطاله يرتدون أردية بيضاء وأشرارهم يسعلون دخانا أبيض أيضا.

في قلب هذا الخطاب ثنائية بارعة. إنها لعبة المرايا القديمة: لكي تبني بطلا، يجب أن تصنع وغدا. فرنسا «المنحرفين» هي تلك البقعة الجغرافية السحرية حيث يتحول المراهقون إلى عصابات، وحيث تصبح المدارس ساحات معارك، وحيث تتدفق الكوكايين كالأنهار. أما فرنسا «الأبطال» فتقطن خارج تلك الدائرة المفترسة… إنها الضواحي النائمة، القرى التي لا تعرف سوى رنين أجراس الكنائس. السخرية تكمن في أن ريتاييو يتحدث عن «البلشفية البيضاء» كما لو كانت قوة طبيعية غامضة، إعصارا يأتي من لا مكان. لا يتساءل لماذا تنمو هذه التجارة كالفطر في أراض مهمشة اقتصاديا. لا يتحدث عن تآكل الخدمات العامة، عن الشرطة التي تصل متأخرة، عن المدارس التي تتفكك. كلا! الأسهل هو استدعاء «أشرار» يحتاجون إلى طوق حديدي.

إذا سمحتم لي باستحضار شبح فوكو: ماذا نرى هنا سوى «المجتمع التأديبي» بصورته الأكثر بدائية؟ ريتاييو لا يريد إعادة التأهيل، يريد العزلة. يريد «تطويق» الأحياء 24 ساعة كما تطوَّق الحمى. المنطق جنائزي: هؤلاء خارجو القانون، إذن نفصلهم. لكنهم ليسوا سجناء، بل مواطنون فرنسيون يحملون بطاقات هوية ويعيشون تحت نفس السماء الرمادية. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الرجال الذين يوزعون الكوكايين في شوارع نانتير هم أيضا منتوج فرنسا. ربما لم يجدوا طريقا آخر في بلد تقلصت فيه الأحلام. لكن السياسي يفضل إخضاع المشهد لعدسة مبسطة: هنا الضوء، هناك الظل. يا لروعة السينما، لكنها لا تصنع سياسة.

مع اقتراب موعد الاقتراع، يبدو أن ريتاييو اكتشف صيغة سحرية: أيقظ الوحش الداخلي في الناخب، أظهر له عدوا ملموسا. الأحياء الفقيرة تصبح شخصيات شريرة، تجار المخدرات يصبحون أبطال أسطورة مروعة. والبطل الحقيقي؟ بالطبع هو من يعد بـ«التطويق» و«قطع الاتصالات». لكن هذا ليس جديدا. كل انتخابات رئاسية تعيد إنتاج «فرنسا الخائفة» التي تبحث عن فكاه أسطوري. في 2002 كان الخطر من «الجبهة الوطنية»، في 2017 من «الإرهاب»، والآن من «المخدرات». الموضة تتغير، لكن الآلية ثابتة: ابحث عن عدو، صغه في جسد مادي (حي شعبي، مهاجر، تاجر)، ثم قاتله, على الأقل في الخطاب.

دعني قارئي آخذك في جولة على طريقة برونو ريتاييو: في الصباح، تستيقظ فرنسا «الأبطال» على كرواسون طازج وقصة في «لوموند» عن انهيار الأخلاق. تتوجه إلى عملها حيث تنتج ثروة الوطن. في المساء، تسمع عن فرنسا «المنحرفين» عبر التلفزيون، فتلمس تميمة الخوف وتشكر السماء أنها ليست هناك. أما فرنسا «المنحرفين» فتبدأ يومها بهدوء مختلف: طفل يذهب إلى مدرسة قد تتحول إلى ساحة معركة. أم تخشى على ابنها من رصاصة طائشة. شاب يرى مستقبله مقفلا كصندوق حديدي. وفجأة، يصبح بيع الكيس الأبيض «خيارا» – خيارا لعله الأخير. لكن المسافة بين هاتين فرنسا هائلة. وكأنهما دولتان مختلفتان، يفصل بينهما خندق عميق حفره الفقر والإهمال والرياء.

عزيزي القارئ، لن نخدع أنفسنا: هذه الثنائية لن تختفي قريباً. فالسياسيون يحتاجونها كما يحتاج صياد السمك إلى شبكة. لكن الفلسفة تقول لنا: الواقع الإنساني لا ينقسم إلى أبيض وأسود، بل هو طيف من ظلال رمادية مذهلة. ربما المشكلة الحقيقية ليست في تجار نانتير، ولا في فرنسا «المنحرفين» الغامضة، بل في نظام انتخابي يكافئ من يبسط العالم أكثر، ويطرد من يقدمه بكل تعقيداته. في هذه اللعبة، يخسر الجميع: فرنسا الأوهام تتصارع مع فرنسا الحقيقية، ولا يخرج فائز سوى التجار الحقيقيون, وأعني بهم تجار الخوف في حملات انتخابية. ريتاييو يعد بـ«تطويق الأحياء».. لكن من سيطوّق خوفنا من مواجهة حقيقة بسيطة: فرنسا ليست أبطالا ومنحرفين، بل هي مجموعة بشرية معقدة، متعبة، خائفة، طامحة، متناقضة. وهذه الروعة الإنسانية يصعب اختزالها في خطاب انتخابي.. ولهذا بالتحديد لن نسمعه أبدا من فم سياسي قبل كرسي الإليزيه.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “  سيكولوجية الخطاب الانتخابي

  1. خطاب مكرور محكوم بنزعة مانوية منذ زمن ذاك الذي في صلب المحاكمة، منذ ان صرح بأن على فرنسا ان تعمل على كنس نفسها من من اتت فرنسا نفسها بآباءهم لبناء فرنسا وصناعاتها ! الأبناء بالأجيال وجدوا أنفسهم بدون موقع تحت شمس بلد الأنوار سابقا. تهميش متعدد: في المدرسة، العمل، السكن، تجديد وثائق الإقامة، وضعهم تحت المراقبة، الرمي بهم في السجون
    هذا الذي يتكلم اليوم هو عينه شارك في التسيير وشاهد على زمن فرنسا الراهن….إنه فعلا خطاب السردية الانتخابية، صوتوا انا المنقذ من الضلال….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *