كفاءات المهجر: لماذا لا يعودون؟

بقلم البروفيسور عبد الرحمان مشراوي, أخصائي في أمراض القلب, بوخوم-ألمانيا

ظاهرة هجرة الكفاءات تُقرأ بين سطور الصمت. خلف كل رقم حكاية إنسان، وخلف كل حكاية قرار ثقيل لا يتّخذ بخفة. تشير التقديرات غير الرسمية إلى أن عدد المغاربة المقيمين في الخارج يتجاوز خمسة ملايين نسمة…مغاربة قادرين على الحلم داخل الوطن. ومن بين هؤلاء، تبرز نخبة من أصحاب الشهادات العليا، ممن صقلوا عقولهم في مجالات دقيقة كالهندسة والطب والذكاء الاصطناعي، ثم حملوا كفاءاتهم إلى حيث تجد طريقها أسرع إلى التحقق. في فرنسا وحدها، يقدّر عدد الأطباء المغاربة بالآلاف، فيما تتسابق دول ككندا وألمانيا لاستقطاب مزيد من المهندسين والباحثين عاما بعد عام. لكن السؤال الذي يتردد بإلحاح، وإن بدا بسيطا في صياغته، عميق في جوهره: لماذا لا يعودون؟

لأن القرار، في حقيقته، ليس اندفاعا عاطفيا، بل معادلة دقيقة تُوزن فيها الخسائر بالمكاسب. ليس الفارق في الدخل وحده هو ما يرجّح الكفة، بل ما هو أبعد من ذلك: الفارق في الشروط التي تجعل من الكفاءة قيمة مُنتجة أو مجرد طاقة مُهدرة. في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يتجاوز الإنفاق على البحث العلمي في الغالب 2% من الناتج الداخلي الخام، بينما لا يزال في المغرب يحوم حول 0.7%. غير أن هذا الفارق، في جوهره، ليس رقما جامدا، إنّما هو منظومة كاملة: مختبرات مجهّزة، فرق بحث متكاملة، وتمويل مستقر يحوّل الفكرة إلى مشروع، والمشروع إلى أثر.

ثم تأتي الحياة اليومية، بثقلها الذي لا يُختزل في الإحصاءات. أسرة تفكر في مستقبل أبنائها لا تنظر فقط إلى الحاضر، بل إلى أفق يمتد لسنوات. هناك، في الخارج، نظام تعليمي مستقر، تصنيفات عالمية، وانفتاح لغوي وثقافي واسع. وهنا، في الداخل، مسار يتحسن، لكنه لا يزال مثقلا بتفاوتات تُربك الاختيار. وفي الصحة، ورغم التقدم الملحوظ، يظل عامل الولوج السريع والموثوق إلى العلاج حاسما في ترجيح كفة البقاء. لكن الأرقام، مهما بلغت دقتها، تعجز عن التقاط عامل خفي، أشد تأثيرا من كل ما سبق: الإحساس بالفعالية. الكفاءة التي اعتادت بيئة تُكافئ المبادرة وتُيسر الإنجاز، قد تجد نفسها، عند العودة، في مواجهة بطء إداري أو تعقيد إجرائي يُفرغ الحماس من مضمونه. عندها، لا يكون التردد ضعفا، بل استجابة عقلانية لواقع لا يواكب الطموح.

فمؤسف، بل مما يبعث في النفس غصّة لا تخفُت، أن تتكاثر الشواهد وتتعاقب الأمثلة دالّة على أن ميزان العدالة -ذلك الذي ينبغي أن يكون قِبلة الاستثمار وعماد الثقة- ما يزال مضطرب الكفّتين في عدد من المبادرات المرتبطة بالمشاريع الخاصة والمتخصصة. فبدل أن ينهض سياجا حصينا يحفظ الحقوق ويصون المعاملات، نراه في مواضع يتخلخل كجدار أكلت أطرافَه الرطوبة، لا يصدُ ريحا ولا يقي مطرا. وحين تفتقد العدالة صرامتها المطمئنة ووضوحها الشفّاف، يبهت وهج الثقة في صدور أبناء الوطن المقيمين وراء الحدود؛ أولئك الذين يحملون المغرب في حقائب الذاكرة كما يحملون نبضه في عروق الحنين. كانوا يرجون أن يجدوا في أرضهم مرسى آمنا لاستثماراتهم، ومجالا رحبا تتحقق فيه أحلام العودة والبناء، فإذا بالتردّد يتسلّل إليهم تسلّل الضباب في فجر بارد، يطمس الرؤية ويثقل الخطى.

إن الاستثمار ليس أرقاما تُرصَف ولا عقودا توقَّع فحسب، بل هو قبل ذلك وبعده عِقد ثقة غير مكتوب بين المستثمر ومحيطه، قوامُه عدالة ناجزة، وحقوق مصونة، وإجراءات لا تُراوغ ولا تؤخَّر. فإذا اختلّ هذا العقد، انفرطت حبات الطموح كما ينفرط عقد لؤلؤ في يد مرتجفة، وتبدّد العزم الذي كان يمكن أن يتحوّل إلى جسور من النماء تربط المهاجر بوطنه. من هنا، لا تبدو المسألة مجرد ملاحظة عابرة، بل قضية تمسّ صميم العلاقة بين مغاربة العالم ووطنهم الأم؛ علاقة تحتاج إلى يقين قانونيّ راسخ، وعدالة لا تميل مع الأهواء، حتى يعود الحنين فعلا، ويتحوّل الشوق إلى مشاريعَ حيّة تنبض على تراب الوطن، بدل أن يظلّ حلما معلّقا على أفق الانتظار.

ومع ذلك، فالصورة ليست معتمة بالكامل. تحويلات مغاربة العالم، التي تتجاوز في بعض السنوات مائة مليار درهم، ليست مجرد تدفق مالي، بل تعبير صامت عن ارتباط لم ينقطع. كما أن بوادر التغيير بدأت تلوح: مبادرات لاستقطاب الكفاءات، وبرامج لتيسير نقل المعرفة، ومساع لفتح مسارات استثمار تعيد وصل ما انقطع.

الهجرة، في هذا السياق، ليست قطيعة بقدر ما هي إعادة تموضع. فالكفاءات لا تغادر الوطن بقدر ما تعيد تعريف علاقتها به: من الداخل حين تتاح الشروط، ومن الخارج حين تضيق. وفي الحالتين، يبقى خيط الانتماء ممتدا، وإن بدا خفيا. إن الرهان الحقيقي لا يكمن في استعادة العقول بوصفها غنيمة مؤجلة، بل في بناء بيئة تجعل العودة خيارا طبيعيا لا فعلا بطوليا، وتجعل البقاء استمرارا لا اضطرارا. هناك فقط، تتحول الهجرة من نزيف إلى دورة، ومن فقد إلى استثمار، ومن سؤال مؤلم إلى جواب مُطمئن.

📲 Partager sur WhatsApp

2 thoughts on “كفاءات المهجر: لماذا لا يعودون؟

  1. إنه مشكل البيئة الحاضنة والعقل الإداري المتحكم في دواليب تدبير الأمور، تلك التي تتحكم فيها العلاقات الدموية والزبونية والقبلية اولا واساسا ، لا القانون. لقد انهك البلد بهذا العقل. آخر مظاهرها هؤلاء الذين نسميهم الفراقشية…..

  2. لماذا لا يعودون ؟ ربما يحتاج إلى إعادة صياغة أعمق: ماذا ينقص بيئة العودة لتكون خيارًا عقلانيًا، لا مجرد حنين؟ فالكفاءة، كما أشرت، لا تبحث فقط عن دخل أعلى، بل عن نظام يحتضنها ويُحوّل جهدها إلى أثر ملموس. حين يشعر الطبيب أو المهندس أن مجهوده سيصطدم بالبيروقراطية، أو أن البحث العلمي سيبقى حبيس الرفوف، يصبح البقاء في الخارج ليس ترفًا بل امتدادًا منطقيًا لمساره

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *