الأضحية التي تحولت إلى سلعة

بقلم زكية لعروسي، باريس

كل عام، وقبل حلول عيد الأضحى بأسابيع، يشتعل المغرب بسؤال واحد: كم ثمن الخروف؟ تتزين الصفحات الأولى للجرائد بأرقام الأسعار، وتتعبى القنوات التلفزية بخبراء الأغنام، وتشتعل المنصات بنقاشات حامية بين “الكسّاب” والمستهلكين والوزارة. لكن ثمَّة سؤال لا يُسأل: كيف تحوّلت الأضحية – تلك الشعيرة التي تأسست على روح التوحيد والقرب والمساواة – إلى مادة ساخنة في تجارة الوسطاء، وسلعة تفصل بين المغردين في “الفايسبوك” وبين من لا يملكون ثمنا لنعل خروف؟

يكشف عبد الرحمان المجدوبي، رئيس الجمعية الوطنية لمربي الأغنام والماعز، عن هيكل من الوسطاء قد يصل إلى خمسة أشخاص بين “الكسّاب” والمستهلك. خمس حلقات. كل حلقة تأكل. وفي النهاية، يجد صاحب الأضحية البسيط نفسه أمام خيارين: إما أن يدفع ثمنا خياليا، وإما أن يعود إلى بيته دون أضحية، وإما – وهو الأسوأ – أن يستدين. هذا ليس حديثا في اقتصاد السوق فحسب، بل هو حديث في فقه النص، وفلسفة الشعائر، وعلم نفس الفقراء الذين يريدون أن يُروا الله من أنفسهم خيرا، ولا يجدون. يقول الله تعالى: “لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ” (الحج: 37). النص القرآني هنا يحرر الأضحية من منطق السلعة: ليست لحوما تُباع، ولا دما يُراق من أجل نفسه، بل هي شعيرة تقرب وتذكير بقصة إبراهيم  عليه السلام حين افتدى الله إسماعيل بكبش عظيم. تلك القصة مؤسسة على مبدأين: التسليم لله، والرحمة بالعباد (أن يُفدى الإبن بحيوان). وإذا كان الله قد افتدى إسماعيل بكبش، فإن المسلم اليوم يذبح أضحيته ليذكِّر نفسه بمعنى الفداء، لا ليصنع سوقا.

المشكلة أن ما يحدث في الأسواق المغربية قبل كل عيد هو تفريغ النص من روحه. تحوّلت الأضحية من “فداء” إلى “ثمن”، ومن “تقوى” إلى “منافسة استهلاكية”، ومن “شعيرة اجتماعية موحدة” إلى “طبقية علنية”: من يملك خروفا كبيرا يرفع رأسه، ومن لا يملك يخفض رأسه، ومن يستدين لأجل كبش هزيل يمكن أن يمرض في ليلة العيد يخفض رأسه أكثر. يخبرنا المجدوبي أن الوسطاء قد يصل عددهم إلى خمسة. خمسة أشخاص كل واحد منهم يقتطع جزءا من ثمن الأضحية دون أن يكون قد سهر الليالي في البرد القارس لتربية الخروف، أو حمل الماء إلى الحظيرة، أو مرض في غياب الطبيب البيطري. الكسّاب (المربي) سهر. الوسطاء لم يسهر. لكن في نهاية المطاف، الكسّاب يحصل على هامش ربح متواضع، بينما الوسطاء يتقاسمون الأرباح.

هذا المشهد ليس حكرا على الأضاحي. إنه النموذج الاقتصادي المهيمن في بلادنا: اقتصاد الوساطة، حيث لا قيمة لمن ينتج أو يكد، بل لمن يملك “النافذة” أو “العلاقة” أو “المال السريع”. الفلاح يكدح سنة كاملة، لكن بعض الوسطاء لا يزالون في مكاتبهم المكيفة يرفعون الأسعار وهم يضحكون. الأسوأ أن هذا النموذج ينقل العدوى إلى أكثر لحظات العام قداسة. العيد الذي يفترض أن يكون فرصة لتوزيع اللحم على الجيران والفقراء (كما في السنة النبوية: “وأطعموا القانع والمعتر”) يصبح فرصة لاستنزاف ميزانية الأسرة، وأحيانا لتفريغ شهور من الادّخار في دقائق. الفقير، الذي يعد نفسه طوال العام بأنه سيضحّي هذا العام ويشبع أطفاله من لحم العيد، يفاجأ بأن ثمن الخروف قفز وهو لا يدري.

نتذكر أيام “المجاعة الكبرى” في تاريخ المغرب (القرن 17-18)، حين كانت الأضاحي تختفي من الأسواق تماما، وحين كان الفقراء يذبحون ما ليس عندهم، أي كانت المجاعة تذبحهم قبل الأضحية. لكن هذا ليس درسا في التاريخ القديم فحسب، بل هو مرآة للحاضر. اليوم، الحديث عن ارتفاع الأسعار عالميا، وعن ضعف الدعم الحكومي. لكن الجفاف لم يخلق الوسطاء، والجفاف لم يخلق ثقافة “الربح السريع” على حساب العباد. لقد أمطرت, ولله الحمد، وهذا لا يفسرمشكلة الغلاء با يعقدها. الجوهر هو منظومة إنتاج وتوزيع مهترئة، وهشاشة سياسة الدعم الزراعي، وغياب رقابة حقيقية على الأسواق، والأهم: ثقافة استباحة المواسم الدينية من طرف بعض “رجال الأعمال الصغار” الذين لا يرون في العيد إلا موسم أرباح، لا موسم رحمة. الفقراء – وكأن الأمر لم يكن صعبا بما يكفي – يضطرون هذه الأيام إلى الاختيار بين الأضحية والكسوة، بين الأضحية وتدريس الأبناء، بين الأضحية والدواء.

ينتشر في بعض المناطق ظاهرة لم نعد نسمعها بالصوت العالي: شراء الأضحية بالتقسيط، أو بالاستدانة من الأهل والجيران والمقرضين غير الرسميين (الذين يمارسون ربا مقنعا). أسرة بسيطة، دخلها الشهري لا يتجاوز ثلاثة أو أربعة آلاف درهم، تشتري خروفا بخمسة آلاف، تدفع ثلثه مقدما، و تستدين الباقي. في المساء، تجلس الأسرة حول صحن اللحم، والأطفال يضحكون، والأم تبتسم، والأب يشكر الله أن قضى الأضحية هذا العام. لكن في قلبه جرحا آخر: السّلف الذي ينتظره بعد العيد. إنها أضحية مديونة، فهل تقبل؟ النص يقول: “لن ينال الله لحومها ولا دماؤها”، وكان قصد السلف أن يضحي المسلم مما يفضل عن قوته، لا أن يرتهن مستقبله لأجل كبش. هل ذهب الفقهاء إلى القرى ليسألوا الناس: من ضحّى بقرض؟ الجواب سيكون مفجعا. لكن أحدا لا يسأل.

:لسنا بحاجة إلى ثورة فقهية، بل إلى إرادة سياسية وتنظيمية حقيقية

تطويق الوسطاء: تقليص حلقات الوساطة بين “الكسّاب” والمستهلك، عبر إنشاء أسواق موازية مباشرة تديرها التعاونيات الفلاحية، أو البلديات، أو حتى وزارة الفلاحة نفسها.

الدعم قبل العيد بشهور: كما قال المجدوبي، المهنيون طالبوا بصرف دعم 300-400 درهم للرأس منذ ديسمبر. فلماذا التأخير؟ لماذا يصل الدعم متأخرا، في الوقت الذي تتشكل فيه الأسعار وتستحيل فيه المراجعة؟

رقابة صارمة على أسواق الأضاحي: لجنة مشتركة بين الداخلية والفلاحة وحماية المستهلك، تُنزل إلى الأسواق، لا لترفع تقارير، بل لتحرر محاضر وتغرم المحتكرين والمضاربين. هناك نصوص قانونية موجودة، فقط نحتاج إلى تطبيق.

جلسات توعية في المساجد قبل العيد بأسبوعين: خطباء الجمعة قادرون على تذكير الناس بأن الأضحية سنة مؤكدة، لكنها ليست فريضة، وأن الله لا يريد بالعسر، وأن الاستدانة لأجل أضحية ليست من الهدي النبوي (فالنبي لم يستدن لأضحيته قط، وكان يختار أفضل ما يجد مع قدرته).

إحياء فكرة “الأضحية الجماعية”: في بعض القرى، يتشارك عدة جيران في خروف واحد، أو تذبح الجماعة أضحية واحدة على نفقتها وتوزعها على أفقر الأسر. هذه ممارسة تراثية وتحتاج إلى عودة وتنظيم، لا إلى خجل.

كان هناك – في إحدى القرى النائية – رجل فقير يدعى مولاي علي. لم يضحِّ منذ سبع سنوات. كل عيد، يخرج أطفاله الصغار ليروا أضاحي الجيران، ثم يعودون إلى بيتهم الفارغ، حيث رائحة الطاجين بالزيتون لا اللحم. في العام الثامن، ادّخر الرجل قرشا قرشا. كان يأكل الخبز الجاف والزيتون، ويمتنع عن الدواء، ويقول لزوجته: “هذا العام سنضحّي”. جاء العيد. ذهب إلى السوق باكرا. فوجئ أن الخروف الذي كان بثلاثة آلاف قبل شهر، صار بخمسة آلاف.وهو لا يملك إلا أربعة. عاد أدراجه، والدموع في عينيه. وفي الطريق، صادف جاره الذي اشترى خروفين كبيرين – مع أنه لا يحتاج إلا واحدا – وقال له مازحا: “يا سي مولاي علي، تخيل أنني اشتريت اثنين، واحد لي وواحد للشوفة”. مولاي علي لم يضحك. تلك الليلة، نام وهو يتلو آية “لن ينال الله لحومها ولا دماؤها” مائة مرة. لم يَنَم أحد في البيت. كان الجيران يذبحون في الصباح، ورائحة الدم والشواء تملأ الدرب. أطفاله الأربعة جلوس ينظرون من النافذة بصمت. هؤلاء الأربعة لم يسألوا عن الوسطاء. لم يسألوا عن المطر أو الجفاف. لم يسألوا عن الدعم. سألوا سؤالا واحدا: “بابا، لماذا لا نضحّي مثلهم؟” لم يجبهم. لكن أجابتهم الأسواق من بعيد: لأن الوسطاء يعرفون كيف يجعلون من الشعيرة ديونا، ومن العيد مأساة.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “الأضحية التي تحولت إلى سلعة

  1. مقال جميل لكن فيه بعض الأفكار لا أتفق معا. مثلا الوسطاء هم الدين يجعلون الثمن مرتفع… أعتقد ان لو كان الوسيط يربح كثيرا ف كل المغاربة سيصبحون وسطاء… فمتلا تجد صاحب ضيعة كبيرة يملك مئات الخرفان يبيع بثمن نفسه او اقل ب 100 درهم من ثمن الرحبة… يعني ليس هناك فرق كبير… و كدلك فكرة الدعم لا اتفق معها… هده اموال دافعي الضرائب عوض ان تدهب الى قطاعات حيوية… سوف يستفيد منها كبار الكسابة و يبيعون الكبش ب نفس تمن السوق… و تانيا الا معييدتيش مغتموتش ولكن إلا ناقسك سبيطار ولا دوا ف تقدر تموت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *