حين تتكلم الأرض… وتُلغى الرحلات

بقلم زكية لعروسي, باريس

في لحظة بدت عابرة، لكنها مثقلة بالدلالات، أعلنت شركة Transavia إلغاء عدد من رحلاتها، فاهتزّت برامج السفر، وتبعثرت أحلام كانت معلّقة بين سماء مؤجَّلة وأرض لم تعد كما كانت. غير أن هذه الحادثة، في عمقها، ليست مجرّد خلل تقني أو أزمة وقود عابرة… هي مرآة لخلل أوسع: خلل في علاقتنا بالسفر، بالاستهلاك، وبالعالم نفسه.

يقول المثل الشعبي المغربي: “اللي ما عندوش، ما يعطيش”. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل فعلا لم يعد لدى شركات الطيران ما “تعطيه”؟ أم أن المنظومة برمّتها بنيت على افتراضات هشّة، بحيث يكفي اضطراب واحد في أسعار الطاقة حتى تتعطّل العجلة؟ لقد اعتدنا على وهم الوفرة: رحلات رخيصة، تنقّل سريع، وعالم مفتوح بلا حدود. لكن الحقيقة، كما تذكّرنا بها الأزمات، أن هذا اليسر كان قائما على توازن دقيق، أشبه ببيت “مبني على جناح نملة” جميل في الظاهر، لكنه هشّ في الجوهر.

العالم اليوم مترابط إلى حدّ يجعل من أي شرارة في مكان ما حريقا عابرا للقارات. توترات جيوسياسية، اضطراب في أسواق .الطاقة، قرارات سيادية… كلها تتسلّل إلى حياة الفرد البسيط، لتترجَم في النهاية إلى: تذكرة أغلى, رحلة مؤجَّلة أو حلم ملغى هنا يستعيد مثل إخواننا المصريين معناه الكامل: “اللّي في نار، إن ما حرقك ولّع عليك”,فحتى إن لم تكن في قلب الأزمة، فإن حرارتها ستصلك لا محالة.

في خضم هذه الفوضى، يبدو الإنسان المعاصر وكأنه يدور في حلقة مفرغة. يعمل طوال العام ليحصل على إجازة، ثم يجد نفسه رهينة لعوامل لا يملك فيها قرارا. أليس في هذا شيء من العبث؟ كأننا، كما يقول المثل، “خبزوا بدمهم وكسوه بجلدهم”نستثمر جهدنا ووقتنا ومالنا، لنصطدم في النهاية بجدار غير مرئي من التعقيدات الاقتصادية والسياسية. هنا يبرز سؤال جوهري: هل حان وقت المراجعة؟هل ينبغي أن نعيد التفكير في طريقتنا في السفر والعطلات؟

ربما آن الأوان لنصغي إلى حكمة شعبية أخرى: “اللي قرّب لدارو، ما يضيع مشوارو”. ليس المقصود هنا الانغلاق أو التخلي عن الانفتاح، بل إعادة التوازن:

– استكشاف المحلي بدل الارتهان للبعيد

– تبسيط العطلة بدل تعقيدها

– جعل السفر تجربة إنسانية لا سباقا استهلاكيا

– ففي القرب أحيانا ما يغنينا عن البعد، وفي البساطة ما يحمينا من خيبات الترف الزائف.

ثمة قراءة أعمق، تكاد تكون فلسفية أو حتى وجودية: ماذا لو لم تكن هذه الأزمات مجرد صدفة؟
ماذا لو كانت الأرض نفسها ترسل إشارات؟ ارتفاع الأسعار، اضطراب الموارد، اختلال المناخ…كلها قد تُقرأ كأن الأرض تقول:
“كفى… لقد ضقت صدرا”. لقد حوّلنا الكوكب إلى فضاء للاستهلاك المفرط، والسفر إلى عادة شبه يومية، والطاقة إلى حقّ مكتسب بلا حدود. لكن لكل نظام حدوده، ولكل صبر نهاية. ورغم قتامة المشهد، لا يخلو الأفق من بصيص أمل. فالأزمات، كما تعلّمنا الأمثال، ليست نهاية الطريق بل بدايته:

“في كل عتمة، قنديل”, وقد يكون هذا القنديل هو:

– وعي جديد بطريقة عيشنا

– إعادة تعريف لمعنى الراحة والسفر

– أو حتى مصالحة مع القريب والبسيط

بين طائرة لا تقلع، وأرض تئنّ، يقف الإنسان أمام مفترق طرق. إما أن يستمر في نفس النمط، معرّضا نفسه لمزيد من الصدمات، أو أن يعيد النظر، مستلهما من الحكمة الشعبية ما يعيد إليه توازنه. فكما يقول المثل: “اللي ما يبني على الصخر، يهدم بالتراب”. وربما… فقط ربما…ليست المشكلة في الرحلات التي ألغيت، بل في الرحلة التي لم نحسن اختيار مسارها منذ البداية.

📲 Partager sur WhatsApp

2 thoughts on “حين تتكلم الأرض… وتُلغى الرحلات

  1. وكأن للبشر ذاكرة السمكة، التاريخ علم بني البشر الذي يفكر ، أن تاريخ الشعوب محكوم سلفا بالمفاجآت والأحداث التي تعرقل سيرك من حيث لا تحتسب. في ال من الراهن تتأكد هذه الفرضية: بما ان الاقتصاد أمسى معولما، ومربوطا الكترونيا وتواصليا بالشبكة العنكبوتية العابرة للقارات، وخاصه لسوق الذهب والدولار، فأي نكسة حصلت لهذا العالم في جهة ما ، فصيصاب الجسد ككل بالعطالة. ما العمل؟ التفكير في السياسات العامة بفرضية المخاطر والاستشراف.

  2. :

    إن ما حدث لا ينبغي قراءته فقط كخلل تقني أو أزمة عابرة، بل كإشارة إلى هشاشة نموذج اقتصادي قائم على “السفر الرخيص بأي ثمن”. فشركات الطيران منخفضة التكلفة بنت توسّعها على معادلة دقيقة: أسعار منخفضة مقابل هوامش ربح ضيقة جدًا، ما يجعلها شديدة التأثر بأي ارتفاع في الوقود أو اضطراب في سلاسل الإمداد. وبالتالي، لسنا أمام عجز في “العطاء” بقدر ما نحن أمام نموذج بلغ حدوده القصوى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *