نتنياهو والسياسة على جثث الانتخابات

بقلم زكية لعروسي, باريس


“أنا وأنت ضد ابن عمي… أنا وابو عمي ضد الغريب” هكذا تقول السياسة الإسرائيلية، وهكذا يفسرها الفلاسفة. بينيت ولابيد، عدوان الأمس، حليفا اليوم. تأمل هذه اللوحة المدهشة: رجل كان رئيس وزراء لمدة عامين (بينيت) يلتقي بآخر كان رئيسا للحكومة ليوم واحد (لابيد)، ليكونا معا ضد رجل حكم إسرائيل أكثر من أي شخص آخر في التاريخ. باسكال يحلل النفس البشرية: “القلب له أسبابه التي لا يعرفها العقل”

يقول بليز باسكال: “إن القلب له أسبابه التي لا يعقلها العقل”. ماذا يعني ذلك هنا؟ يعني أن الكراهية لنتنياهو أكبر من أي عداوة شخصية. بينيت، الذي وصف لابيد ذات يوم بأنه “ساذج وخطير”، يمد يده اليوم. لابيد، الذي قال عن بينيت إنه “يميني متطرف لا يمكن الوثوق به”، يحتضنه اليوم على المسرح. القلب السياسي الإسرائيلي يكره نتنياهو حد الجنون. وهذا العشق المشترك لكراهية “بيبي” جعل المتناقضين يتصالحان. مثلما قال فرويد: “في بعض الأحيان، يكون الصديق المشترك هو العدو المشترك”.

مكيافيللي يصف المشهد: “الغاية تبرر الوسيلة” نعم، نيكولو مكيافيلي سيكون فخورا بهذه اللحظة.في كتاب “الأمير”: “يجب على الحكيم أن يبني على ما يجمع الناس، وليس على ما يفرقهم”. ماذا يجمع بينيت (الصهيوني الديني المتطرف) ولبيد (العلماني الوسطي)؟ شيئان فقط:

1- كراهيتهما المشتركة لنتنياهو

2- خوفهما المشترك من السجن السياسي (فنتنياهو يهدد القضاء ويحاكم، وهو ما جعل النظام السياسي كله يرتجف)

المفارقة الميكيافيلية الظريفة: بينيت يدعو إلى “وحدة المعسكر الوطني” بينما هو الرجل الذي قال قبل سنوات: “لابيد يريد تسليم الأرض للفلسطينيين!” واليوم… ماذا قال؟ “نحن نتفق على إنقاذ إسرائيل من دكتاتورية نتنياهو” – كأن نتنياهو ديكتاتور زراعي! ألم يقل مكيافيلي: “من يريد أن يغتصب السلطة، يلبس ثوب الفضيلة”؟

“ما لا يقتلني يجعلني أكثر انتهازية” فريدريك نيتشه قال هذه العبارة الشهيرة. لكنه لو عاش في إسرائيل 2026، لتغيرت المقولة: “ما لا يقتلني في السجن السياسي، يجعلني أتحالف مع من كان يريد قتلي بالأمس!” لنتأمل: بينيت يخاطر. حزبه (“يمينا” سابقا، والآن أي شيء جديد) لم يتجاوز أصلا عتبة 4% في آخر استطلاع. لابيد يرتفع إلى 15-17 مقعدا. بينهما حاجز نفسي شاسع كوادي عربة. لكن نيتشه يتدخل: “إن الإنسان كائن لا يقاس، شيء يمتد بين الوحش والإنسان الخارق” – أو في حالتنا هذه: “بين الوحش (نتنياهو) والإنسان الخارق (رئيس وزراء جديد)”.

“الديمقراطية  تتحول إلى استبداد… ثم إلى تحالفات غريبة” في الجمهورية، يحذر أفلاطون: “الديمقراطية تلد الطغيان كما يلد الأب ابنا”. هل نتنياهو طاغية؟ لا… لكنه يستخدم القضاء، ويطارد خصومه، ويحكم بائتلاف متطرف يضم أحزاب الحريديم والمتطرفين اليمينيين. النظام الذي كان ديمقراطيا (إسرائيل 1990-2020) تحول إلى ما يشبه “الديمقراطية الهشة”. رد الفعل: تحالفات غريبة. بينيت-لابيد ليسا مختلفين في الرأي فقط، بل في الجينات السياسية. لكن أفلاطون سيقول: “الخوف من الطاغية  أقوى من الاختلافات الفلسفية”.

نتنياهو كأب مزيف لكن، السبب العميق: نتنياهو أصبح أبا سياسيا ملتبسا. فرويد يتحدث عن “عقدة الأب”: الأب الذي يحتاج لأن يُقتل (رمزيا) حتى يكبر الأبناء. بينيت (54 عاما) و لابيد (63 عاما) كلاهما كانا “تحت ظل الأب نتنياهو” سنوات طويلة. اليوم، يحاولان قتله رمزيا في الانتخابات. يقول فرويد في “طفولة الأمم”: “إن الأمة تتعامل مع قائدها كما يتعامل الطفل مع أبيه: خوف، حب، تمرد” – ماذا لو خرج هذا التمرد عن السيطرة؟

التفسير الساخر: “السياسة مثل الحب… يلتقي من لا يتوقع”النكتة ليست ميكافيلية ولكن إسكندرية:  عندما يريد بينيت تدمير نتنياهو، يستعين بمن وصفه بالأحمق.  عندما يريد لابيد الوصول للسلطة، يستعين بمن وصفه بالإرهابي الداخلي. يسألك أحدهم: ماذا يريد التحالف الجديد؟ نقول: يريد شيئا واحدا: إقالة نتنياهو. وثانيا: لنتحدث بعدها. كما قال الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور: “الزواج هو أن تلتصق نصفين مكسورين  معا” – زواج سياسي فريد. نصف متشدد ديني (بينيت)، نصف علماني هزلي (لابيد). وسرير الزواج واحد: القضاء.

هؤلاء السادة متورطون في سباق. من سيخون الآخر أولا؟ الإجابة: من يصل إلى السلطة أولا. بينيت ليس رجلا هينا. لابيد ليس رجلا أهلا للثقة. وهذا هو ما يسميه عالم النفس إريك إريكسون “أزمة الثقة مقابل الريبة” – فهل هذا التحالف يبني دولة أم يبني القصور على رمال؟ كما قال الفيلسوف الإغريقي هيراقليطس: “القتال هو أبو كل الأشياء”. لكن هنا ليس القتال بين اليمين واليسار، بل بين من يمسك السلطة ومن يريدها. نتنياهو يضحك من بعيد. يعرف معنى المثل العربي: “كلب ينبح على كلب”. وهؤلاء الثلاثة (بينيت, لابيد, نتنياهو) سيبقون في الحلبة. لكن: “من يحفر حفرة لأخيه”… لا نعرف من سيسقط فيها.

الفلسفة تتلخص في جملة واحدة من فريدريك نيتشه: “الحب والسياسة هما الوحيدان اللذان يسامحك فيهما الناس على كذبك”. فليخبرنا بينيت ولبيد بعد الانتخابات: أين كان كذبكما؟ والنتيجة الحتمية: السياسة لعبة أذكياء، إسرائيل بلد يضج بالذكاء… والغباء الانتخابي في آن واحد. “لا غالب إلا الله” – أما الإنسان فسيبقى حزينا… متفائلا… ساخرا. تماما كما قال ألبير كامو: “العبث هو مواجهة رغبتنا في المعنى مع اللاعقلانية في العالم” – تحالف بينيت – لابيد هو العبث السياسي الأكثر إسرائيلية على الإطلاق. اللهم إنا لا نقول إلا كما يقول الحكماء: “عظم الله أجركم على هذه المهزلة”.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *