بقلم زكية لعروسي, باريس
لم يكن النهر مجرّد ماء يسيل، بل كان ذاكرة حيّة، شريانا من الضوء البارد يمتدّ بين الجبال والبحر، يحمل في أعماقه حكاية كائن فضّيّ يشبه الحلم: السلمون. كان السلمون، منذ فجر الأزمنة، يعرف الطريق. يولد في المياه العذبة، ثم يغادرها كمن يترك الطفولة، يسبح في المحيطات اللامتناهية، قبل أن يعود-بحدس يشبه النبوءة- إلى النهر ذاته الذي ولد فيه. كأن الأرض كتبت له عنوانه في دمه، وكأن الماء يهمس له باسمه كلما اقترب. لكن الإنسان… قرر أن يعيد كتابة الجغرافيا.
لم تكن البداية صاخبة. لم يأت الإنسان بسلاح لقتل السلمون مباشرة، بل جاء بفكرة: “تنظيم النهر”. سدّ هنا، قناة هناك، توربين يدور، وطاقة تستخرَج من اندفاع الماء. بدا الأمر وكأنه انتصار للعقل، ترتيب للفوضى، إخضاع للطبيعة. لكن النهر لم يعد نهرا. تحوّل إلى متاهة من الجدران الصامتة، إلى سلالم إسمنتية لا يفهمها جسد خلق ليقفز ضد التيار، لا ليفاوض الخرسانة. صار السلمون، ذلك الكائن الذي كان يعبر القارات المائية، عاجزا أمام حاجز واحد. أي مفارقة هذه؟
ثم جاء الصيد، لا كحاجة، بل كهواية، ثم كصناعة، ثم كجشع منظم. لم يعد السلمون مجرد غذاء، بل صار رقما، سلعة، “مخزونا”. ومع كل شبكة تلقى في الماء، كان جزء من الأسطورة يسحب إلى اليابسة. لكن الكارثة الحقيقية لم تكن هنا فقط. كانت في التراكم. في تلك الطبقات غير المرئية من الأذى: مياه تسخن ببطء تحت وطأة مناخ مختل، أنهار تستنزف، تلوث يختبئ في التفاصيل، وذاكرة بيولوجية تبدأ بالتشوش.

السلمون لم ينس الطريق… الطريق هو الذي اختفى. اليوم، يقف الإنسان أمام النهر، ليس كسيّد، بل كمتهم. يقول العلماء: يمكن إنقاذ السلمون. لكن بشروط. ليس بإيقاف الصيد فقط -فذلك أشبه بإغلاق نافذة في بيت يحترق- بل بإعادة النهر إلى نفسه. بإزالة السدود التي لم تعد ضرورية، بترك الماء يتنفس، بالسماح للرحلة القديمة أن تستأنف. الفكرة بسيطة… لكنها مرعبة. لأنها تتطلب من الإنسان أن يتراجع. أن يعترف أن “التقدم” لم يكن دائما تقدما، وأن بعض ما بناه… يجب أن يمحى.
في قلب هذه القصة، مفارقة أعظم: نحن نحارب التغير المناخي ببناء مزيد من السدود والطاقة “النظيفة”، لكننا بذلك… نخنق الكائنات التي تحتاج إلى أنهار حرة لتعيش. كأننا نطفئ حريقا… بإغراق الغابة. السلمون ليس مجرد سمكة. إنه اختبار. اختبار لقدرتنا على التوازن بين ما نأخذه وما نتركه، بين حاجتنا للطاقة وحاجة الطبيعة للحياة، بين السيطرة… والانسجام. إذا اختفى السلمون من أنهار فرنسا، فلن يكون ذلك مجرد انقراض نوع. سيكون إعلانا صامتا بأن الإنسان اختار طريقا لا عودة منه: طريقا تصبح فيه الطبيعة ذكرى… لا شريكا. لكن، ربما… في مكان ما، في نهر لم يقيد بعد، يقف سلمون صغير عند بداية رحلته. يشعر بنداء غامض، لا يعرفه، لكنه يثق به. يسبح، يقفز، يخطئ، ينجو. إذا وصل… فربما لا يزال هناك أمل.
