بقلم زكية لعروسي, باريس
في قاعة الرقص الفخمة بفندق واشنطن هيلتون، حيث تتدلى الثريات كدموع كريستالية متجمدة، اجتمعت نخبة الإمبراطورية لتقيم طقسها السنوي الأقدس… عشاء مراسلي البيت الأبيض. مكان تلتقي فيه السلطة بالصحافة، وتتعانق الذئاب مع النسور على موائد مذهبة. ثم… حدث ما لم يكن في السيناريو. انفجرت المزامير فجأة. لا، لم تكن مزامير أورفيوس لترويض الوحوش. كانت مزامير الرصاص. الجميع سقطوا. رجال الدولة، نجوم الإعلام، حتى دونالد ترامب نفسه – ذلك الرجل الذي يظن أن الجاذبية لا تسري عليه – أخرج على عجل، وربما تمنى لحظة أن يمتلك قبعة أكثر أناقة ليختبئ تحتها. كانت الفوضى. صرخات. زجاج يتكسر. دقات قلوب تتسارع كخيول مرعبة. وفي وسط هذا التخوم… هناك. جالسا. وحيدا. يأكل سلاطته… إنّه: مايكل غانتز.
إسم لن يخبرك التاريخ عنه شيئا قبل هذه الليلة. وكيل نفوذ في فضاء الإعلام. لكن في تلك الثواني التي فصلت بين الحياة والموت، بين أن تكون بطلا أو جثة، اختار غانتز الخيار الأكثر استفزازا للعقل الجمعي:لم يفعل شيئا. الصور انتشرت كالنار في عشب جاف. رجل ببدلة أنيقة، شوكته لا تهتز، عيناه على الطبق، بينما خلفه جسم الرئيس الأمريكي يختفي وسط بحر من الأجساد المتضاربة. قالوا: “استمر في أكل سلاطته”. لكن السؤال الحقيقي ليس ماذا فعل. بل من كان في تلك اللحظة؟

رأى فيه البعض قديسا. بطلا لا يخاف. دفستويكيا يتحدى القدر. لكن دعني أخبرك الحقيقة المرّة التي يعرفها قراصنة بطرسبورغ وفلاسفة الأزقة المظلمة: قد يكون الرجل… ميتا بالفعل. قبل أن ترمقني بنظرة الازدراء، تعال معي إلى شوارع سانت بطرسبرغ الافتراضية. راسكولنيكوف قتل العجوز لكي يثبت أنه “رجل فوق العادة”. لكن غانتز أذهلنا بالعكس تماما. لم يقتل أحدا. لكنه تخلى عن غريزة البقاء.
في قاعة مليئة بأغنى وأقوى البشر على الأرض، حيث كل غريزة تصرخ “اختبأ! اهرب! ارتم! تظاهر بالموت!”، هذا الرجل يقرر أن سُلطته – أيها القراء العزاء – ليست في العضلات، ولا في المال، ولا حتى في علاقاته. سُلطتُه… في السّلاطة. فهم غانتز ما لم يفهمه غيره: عندما تكون أنت من يتحكم في الرواية، لا يمكن أن تكون ضحية لها. ولأنه وكيل نفوذ إعلامي، يعرف سرا لا يعرفه إلا الميتافيزيقيون: “ليس المهم ما يحدث، بل من يروي ما حدث”. وبينما كانت الجثث تتصارع افتراضيا تحت الطاولات، كان جالسا… يكتب مشهد الفصل التالي بفرشاته الصغيرة.
في المقابلات اللاحقة، سئل: لماذا؟ أجاب بهدوء قاتل: “آلام الظهر حالت دون انحنائي تحت الطاولة”. آلام الظهر! هل سمعتم بأعظم هراء في التاريخ؟ إنه يعادل قول المسيح للتلاميذ: “لم أمش على الماء لأن ركبتي تؤلمني”. يعيدنا غانتز إلى فلسفة إيفان كارامازوف: “إذا لم يكن الله موجودا، فكل شيء مباح”. هنا، إذا كانت آلام الظهر موجودة، فكل بقاء مباح. العذر الفيزيائي يتفوق على غريزة النفس. لكن في الحقيقة، آلام الظهر رمز. جسده هو عائق للروح. الجسد الجبان يهرب. الجسد الواعي يبقى. لكن أي جسد؟

لم يكن جسده – في تلك اللحظة – جسد خائف. بل جسد معتاد على سقوط الإمبراطوريات. في زمن الحرب، يركض الفقراء. لا، ليس لأنهم جبناء. بل لأنهم يمتلكون شيئا يخسرونه: حياتهم المتواضعة، أطفالهم، أحلامهم الصغيرة. أما من لا شيء يخسره سوى سعر سهمه؟ إنه يبقى جالسا. غانتز ليس بطلا. وليس مجنونا. غانتز هو نتاج طبقة تعرف أن الرصاص لا يستهدفها. الرصاص في أمريكا، كما في روسيا القيصرية، مخصص للآخرين. لمن ليسوا في القائمة. لمن يظهرون في كاميرات المراقبة وليس على قنوات الأخبار.
أتذكر , قارئي, بطل “الجريمة والعقاب”؟ كان فقيرا، فشعر بالخوف. أما غانتز، فلن يشعر بالخوف أبدا. لماذا؟ لأن الفقر موجود في أجسادنا، أما الغنى فيجعل حتى الخطر يبدو… مبتذلا. في الأدب، هناك نافذة روزنباخ الفلسفية: “إذا كانت السلطة مطلقة، فالواقع نسبي”. غانتز لم يأكل سلاطة. لقد مارس السلطة بواسطة السّلاطة. فهو لم يقل: “أنا شجاع”. بل قال: “هذا المشهد لا يستحق مني رد فعل”. بينما الأرض تهتز والرصاص يصفّر، يكون رد فعلك: “السّلاطة تستحق أن أظل جالسا.
وهكذا، تحول من مجرد ضيف إلى رمز. ليس رمز الشجاعة، بل رمز ما بعد الحداثة في أقصى حالاتها: عندما لا تعرف إن كنت في حقيقة أم في فيلم، فلا تهتم. أكمل طبقك. فربما المخرج سيصلح الأمر في المونتاج. ماذا كان سيقول الكتاب الروس لو رأوا غانتز؟ لو رأوا رجلا في عاصفة الخوف، وأمامه صحن سلاطة يحتوي على خس وفجل وحبّات ذرة صفراء كأسنان ميتة؟ كانوا ليبتسموا. ثم يكتبون رواية جديدة: “الجائع الجالس”. ليست عن جائع يريد خبزا. بل عن جائع… للاعتراف. غانتز يجلس ليقال عنه: “انظروا! إنه مختلف! إنه لا يخاف!”. وكأن الخوف عار. وكأن البقاء عار؟ لا. لكن في عالم الإعلام، حتى الخوف مسرحي. وغالبا ما يكون المتفرج أفضل حالا من الممثل.
الآن وقد انتهى العنف، ووضع المسؤولون نظاراتهم الثقيلة مجددا، وارتفعت صورة مايكل غانتز إلى مرتبة “أسطورة الإنترنت”، يبقى سؤال واحد لم يُجب عليه: هل كان يأكل حقا؟ أم أنه كان يمثل مشهدا من مسرحية عبثية أخرجها القدر؟ هل كان هادئا حقا؟ أم أن قدميه كانت ترتجفان تحت الطاولة كما ترتجف أوراق الشجر قبل الزلزال؟ لا يهم. لأن الصورة التي بقيت ليست صورة خائف. بل صورة من تحدى أدب الخوف الذي يمارسه البشر. غانتز لم يثبت أنه شجاع. لقد أثبت أنه يعرف أن هذه الإمبراطورية… لن تسقط الليلة. فالرصاص كان خطأ. والذعر كان مبالغا فيه. والسلطة… بقيت جالسة، تأكل سلاطتها الباردة، مبتسمة للكاميرا، وتقول للعالم:” أنا لست خائفا… ليس لأنني قوي… بل لأن هذا ليس فيلمي.”
عندما ينتهي كل شيء، سيصافح ترامب مايكل غانتز كبطل. سيتساءل المحللون عن شجاعته. وستوزع الجوائز. لكن في مكان ما في موسكو أو نيويورك، سيبكي رجل فقير في سريره لأنه علم أن من لا يركضون هم من يملكون الأرض. وربما… كان على حق. لأنه كما قال دوستويفسكي في “الأبله”: “الجمال سيخلّص العالم”. لكن غانتز يعرف سرا آخر: “السلطة… التي لا تخاف… هي من ستخلّص المائدة”. والسلطة لا تخاف أبدا. فقط من يحلمون بالسلطة… يركضون.
📲 Partager sur WhatsApp