مغادرة الإمارات الأوبك: ثقب آخر في السفين 

بقلم زكية لعروسي، باريس

في مشهد يليق بالمآسي السياسية الكبرى، أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة، فجأة وبدون سابق إنذار، انسحابها من منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك)، اعتبارا من الأول من مايو 2026، مبررة خطوتها بـ”المصلحة الوطنية” ورؤيتها الاستراتيجية طويلة المدى. إنه ليس قرارا فنيا، ولا هو مجرد خلاف تقني على حصص الإنتاج؛ إنّه إعلان بلوغ مرحلة جديدة في تاريخ النفط، حيث تتفكك التحالفات التي قامت عليها السياسة العالمية طيلة ستة عقود، وتولد شرق أوسط جديد… ليس على خرائط الجغرافيا فقط، بل على جداول الإنتاج وميزان القوى أيضا. النفط في الأمس كان سلاحا، واليوم صار هو نفسه ساحة حرب.

 – أولا: لماذا غادرت الإمارات؟

لفهم الفعل، ينبغي فك رموز السياق. الإمارات ليست عضوا فقط في الأوبك؛ بل هي ثالث أكبر منتج داخل المنظمة بعد السعودية والعراق، وتطمح إلى رفع طاقتها الإنتاجية إلى 5 ملايين برميل يوميا بحلول 2030. لكن الأوبك – وبخاصة تحالف “أوبك+” الذي يضم روسيا – ظلّ لعامين يكبّل الإمارات بحصص إنتاج صارمة، وسط رؤية إماراتية ترى في كل برميل غير مصدَّر فرصة ضائعة لتجويد الاقتصاد وتمويل مشاريع الطاقة النظيفة وتحول ما بعد النفط. لهذا، حين تعلن الإمارات انسحابها، فإنها تقول بصوت عال: “استراتيجيتنا أوسع من استراتيجيتكم، ومصالحنا لا تتسع لها جداول الحصص”. وتكشف الوكالة الرسمية “وام” أن القرار جاء لتسريع الاستثمارات في قطاع الطاقة الوطني، ولتطويع النفط كجزء من خطة انتقالية لا كغاية في حد ذاتها.

ثانيا: الأوبك المريضة: رحيل يفضح هشاشة التحالف –

منذ تأسيسها عام 1960، كانت الأوبك “كارتلاً مقدساً” لا يخرج عنه  عضو. خرجت إندونيسيا (2008) وقطر (2019) وأنجولا (2023) لأسباب متفاوتة، لكن رحيل الإمارات مختلف تماما: إنه رحيل الوزن الثقيل، رحيل الرقم الصعب، رحيل الذي يستطيع – إذا أراد – أن يحدث فجوة في قلب المنظمة ويشجع دولا أخرى على الاقتداء به. وما يزيد الطين بلَّة أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، والخلافات الخليجية الخليجية غير المعلنة، والضغوط الأميركية لزيادة الإنتاج لخفض الأسعار، جعلت منظمة الأوبك تبدو كسفينة تتقاذفها أمواج السياسات المتضاربة. وصار السؤال الذي يطرق الأبواب المغلقة في فيينا (مقر الأوبك) عاصفا وقلقا: من التالي؟ هل تبقى الكويت؟ هل تصمد السعودية وحدها كـ”عمود الخيمة” وخلفها روسيا مثقلة بالعقوبات والحرب؟ أم نكون أمام انفراط فعلي لعقد التحالف النفطي الأعظم في التاريخ؟

ثالثا: التفكك الاستراتيجي: ما وراء النفط؟ – 

في الإمارات، ليست القضية نفطا خالصا، بل فلسفة دولة تتجه بثبات نحو ما بعد النفط. إن انسحابها من الأوبك هو تأكيد على:

1- أن الإمارات لم تعد بحاجة إلى “حلفاء الحصص”، بقدر حاجتها إلى مرونة مطلقة في تحديد إنتاجها وسياساتها البيئية.

2- أن اقتصادات الخليج أصبحت أكثر تمايزاً؛ فما يناسب الرياض (حاجة لأسعار مرتفعة لتمويل رؤية 2030) قد لا يناسب أبوظبي (التي تريد توسيع حصتها السوقية قبل حلول عصر ما بعد النفط).

3- أن محور الطاقة العالمي يتغير: مع صعود الصين والهند كأكبر المستوردين، ومع تسارع التحول الطاقي، تقل فاعلية الأدوات التقليدية لكارتلات النفط. لقد أدركت الإمارات أن البقاء في سفينة الأوبك قد يُغرق مشاريعها المستقبلية، فاختارت أن تبني قاربها الخاص.

رابعا: تداعيات الزلزال: من الرابح ومن الخاسر؟ –

الخاسر الأكبر:

– منظمة الأوبك التي تفقد هيبتها ومصداقيتها وربما تعجل بنهايتها التدريجية.

– روسيا التي كانت ترى في أوبك+ واجهة لتأكيد دورها العالمي رغم العقوبات.

– المستهلك العالمي الذي قد يواجه تقلبات أعنف في الأسعار دون التنسيق الإماراتي داخل المنظمة.

الرابح المحتمل:

– الإمارات التي كسبت حريتها الإنتاجية، وإن خسرت بعض النفوذ الجماعي.

– الصين والهند اللتان يمكنهما توقيع صفقات ثنائية منفردة مع أبوظبي بلا قيود حصص الأوبك.

– أميركا التي طالما ناهضت احتكار الأوبك للسوق.

لكن، وسط كل حسابات الربح والخسارة، يظل السؤال المعلق في الهواء:

هل سينجح النظام الهجين الحالي (أسواق حرة + تحالفات ناعمة) في ضبط إيقاع النفط، أم نعود إلى أيام الفوضى السعرية؟

 خامسا: قراءة عربية تأملية: رحيل وليس خيانة-

لطالما تغنى الشعراء العرب بالنفط كـ”ذهب أسود” و”درة الصحراء”. كتب شاعر عراقي ذات يوم:

يا نفط أرضي، يا عرين الأسود~~~~في كفّ أوبك كنتَ مثل العُوَّدِ

أما اليوم، فإن رحيل الإمارات ليس خيانة للعرب كما قد يظن البعض، بل هو – برؤية موضوعية – إعلان عن نموذج جديد من السيادة الوطنية: سيادة تمليها المصالح المتطورة، لا الرواسب القديمة. الإمارات تقول للعالم: “كنا معكم حين كنا صغارا، ونحن اليوم أكبر من أن نحبَس في جداول أحد، أو نقيَّد باتفاق لا يتسع لطموحنا.” هو انتصار للدولة القومية العاقلة، وليس هزيمة للعمل الجماعي.

عندما سُئل أحد الدبلوماسيين النفطيين في فيينا عن تأثير رحيل الإمارات، قال بهدوء قاتل: “الأوبك تموت موتا بطيئا. لم تعد تصلح لزمن التحالفات المرنة، وما حدث اليوم هو مجرد ثقب آخر في السفينة.” وإذا كانت الأوبك ستظل حاضرة كجسد بلا روح، أو كمتحف سياسي يُزار للعبرة، فذلك هو مصير كل الكيانات التي تظن أن الخريطة الجيوسياسية جامدة. أما الإمارات، فقد اختارت أن تكتب تاريخها بنفسها، بلا توقيع جماعي، وبدون وصاية من فيينا أو الرياض أو موسكو.

وبين هذا وذاك، يبقى النفط سلعة، والمصالح هي الباقية. وكل التحالفات – مهما قدّسناها – ستنهار أمام أول عاصفة من “المصلحة الوطنية”. ليرحل من شاء… فالأرض تدور، والطاقة تتحول، والإمارات تمضي حيث تريد. وهل كان النفط إلا مرحلة؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *