البركة التي ظنّها بحرا، ومضى

Dounia El Amal Ismail

بقلم الكاتبة والباحثة الفلسطينية دنيا الأمل إسماعيل, باريس

أقف أمام نخلة تستريح على ساعد الفضاء، أتأمّل هذا المكان الذي لم يخطر ببالي يوما أن أقيم فيه، خلال نزوحي السابع في الحرب. أجول بعينيّ في أجواء الحياة هنا -إن كانت تُسمّى حياة حقا- مكان مدجّج بأقمشة من كل لون ونوع، بديلا عن البيت والخيمة. وأسأل نفسي: كيف عاش الناس كل تلك الشهور البائسة في هذا القبح والخراب؟

حرارة الشمس تبدّد أيّ بهجة ممكنة للألوان والحياة، في خيمة صارت البيت، وستر الدنيا الذي قرّره لنا حكّام وقادة من كل مكان.رواية لا تجتمع إلا في غزة؛ كلمات موجعة، ساخرة بمرارة نعرفها جيدا، تُفرش حروفها على خيام وبقايا خيام تنتشر بعشوائية مفرطة في الجوار والمحيط: اليونسيف، الأونروا، قطر، الإمارات، باكستان، عُمان… وغيرها من بلدان الدنيا التي حنّت علينا بموفور عطائها، فسترت لحمنا الحيّ من طائرات القصف، الذي لم يعد -على ما يبدو- قصفا عدوانيا فحسب. كلمات لا تشبه الأوطان، ولا كان ينبغي لها أن تدلّ عليها. أقرؤها بأسى، وهي تتجاور مع برك الصرف الصحي، وأكوام القمامة، فيما يلعب الصغار ويمرحون كأنّ الدنيا ملكهم. حفاة، شعث الشعر، مغبّرو الوجوه؛ تستر أجسادهم السمراء -بفعل الشمس وقلّة النظافة- ملابس بالكاد تشبه الملابس: بعضها أصغر من أعمارهم، وبعضها أكبر، وآخرون لا يرتدون سوى ما يستر أسفل أجسادهم النحيلة. مشاهد باتت من ثوابت الحرب اللعينة، تثقل القلوب التي انفرطت ألما لما آل إليه حالنا من ذلّ ومهانة وقهر، من القريب قبل الغريب.

ما زلت أقف أمام النخلة الوحيدة، العامرة بالثمار، كأنها تستريح من تعب الحرب والحياة على ساعد الفضاء. أفكّر في نفسي، في أبنائي، في تشتّتنا، وكيف أوقفت الحرب أحلامنا البسيطة في لمّ شملنا بعد انتهاء دراسة ابنتَيّ في مصر. وأفكّر: كيف لي أن أستريح من هذا الجري الدائم، من البحث عن عمل، ومن كتابة كادت تكتمل مع رسالتي الأسرية قبل أن تقطعها الحرب؟

يبدو أن تعبا كثيرا ما زال ينتظرني لأرمّم خراب الحرب في البيت والجوار. ومع ذلك، ما زلت أنتظر يوما عاديا، مملا، رتيبا؛ أشرب فيه قهوتي على مهل، أستمع إلى فيروز، وأخطّط لنهارات كثيرة ممزوجة بفوضى الحياة، وبضجري المعتاد من تفاصيل صغيرة… كم كرهتها يوما، وكم أشتاق إليها الآن.

أغرق في سرحاني -وقد حرمتني الحرب منه طويلا- ومتى كانت الحروب تُنصت لعزف القلب والوجدان؟ كانت الحياة عصيّة عليّ في معظم أحوالها، فكيف بالحرب… ويا لها من حرب. أفيق من شرودي، وقد طرطشت قدميّ مياه الصرف الصحي، إثر حجر صغير جدّا ألقاه طفل حافي القدمين، مغبّر الشعر والوجه، مبتسم… في تلك البركة التي ظنّها بحرا، ومضى.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *