بقلم فارس فهد، باحث في العلاقات الدولية – الشأن الإيراني والإقليمي، باريس
في العام 2018، انسحبت الولايات المتحدة بشكل أحادي من الاتفاق النووي الإيراني. كان الاتفاق ثمرة سنوات من المفاوضات التي قادتها أوروبا، وكانت طهران سوقا واعدا للشركات الأوروبية. لم تتردد أوروبا في الانصياع للعقوبات الأمريكية، فانسحبت شركاتها من إيران حاملة معها خسائر بمليارات اليوروهات. وبعد أربع سنوات، في 2022، اندلعت الحرب في أوكرانيا. لم تكن أمريكا طرفا مباشرا فيها، لكنها كانت المحرك الرئيسي عبر سياسة توسع الناتو شرقا. أما أوروبا فدفعت فواتير الطاقة، واستقبلت اللاجئين، ومولت الحرب من جيب مواطنيها. وفي 28 فبراير 2026 دقت ساعة الصفر. أمريكا وإسرائيل تشنان حربا على إيران، ويجري اغتيال المرشد الأعلى وقادة الصف الأول. يُغلق مضيق هرمز، شريان الطاقة العالمي، فتدفع أوروبا الضريبة: ارتفاع أسعار النفط، نقص الإمدادات، تضخم متصاعد، ومواطن أوروبي يتساءل: لماذا أنا من يدفع الثمن؟
في يوليو 2015، وبعد سنوات من المفاوضات الشاقة، تم التوقيع على خطة العمل الشاملة المشتركة بين إيران ومجموعة 5+1. اعتبر الاتفاق انتصارا للدبلوماسية متعددة الأطراف، وكان الاتحاد الأوروبي في صميم هذا الإنجاز. مع دخوله حيز التنفيذ في يناير 2016، انفتح السوق الإيراني على العالم، وكانت أوروبا الأكثر استعدادا للاستفادة. خلال عامين فقط، ضخت الشركات الأوروبية أكثر من 20 مليار يورو في إيران، وقادت شركات فرنسية وألمانية وإيطالية موجة الاستثمار. وقعت توتال عقدا بقيمة 5 مليارات دولار لتطوير حقل بارس الجنوبي، وتعاقدت إيرباص على بيع 118 طائرة بقيمة 27 مليار دولار، فيما باعت بيجو وستروين مئات الآلاف من السيارات سنويا، وعادت شركات كبرى أخرى بقوة إلى السوق الإيراني. ارتفعت التجارة وتعززت التوقعات بشراكة استراتيجية.
ثم جاءت الصدمة. في مايو 2018، انسحبت الولايات المتحدة بقرار أحادي، وأعادت فرض العقوبات، مهددة كل من يتعامل مع طهران. تحت هذا الضغط، انسحبت الشركات الأوروبية وتكبدت خسائر ضخمة. خسرت أوروبا سوقا واعدا ومصداقية دولية، وأثبتت مجددا تبعيتها للقرار الأمريكي حتى حين يتعارض مع مصالحها. لم يشعر المواطن الأوروبي فورا، لكنها كانت بذرة أزمات لاحقة.
إذا كان الانسحاب من الاتفاق النووي هو الجرح الأول، فإن حرب أوكرانيا كانت الضربة الأكثر إيلاما. منذ 2008، اعتبرت روسيا توسع الناتو شرقا خطا أحمر. ورغم التحذيرات، استمر الغرب في دعمه لأوكرانيا عسكريا. في فبراير 2022 وقع الغزو الروسي، وهو غزو غير مبرر، لكنه جاء في سياق تصعيد متراكم. المواطن الأوروبي كان من دفع الثمن: مئات المليارات من المساعدات، منها عشرات المليارات عسكريا، وديون ستثقل كاهل الأجيال. قبل الحرب، كانت روسيا تزود أوروبا بنسبة كبيرة من احتياجاتها من الغاز، لكن هذه النسبة تراجعت بشكل حاد. النتيجة كانت ارتفاعا كبيرا في أسعار الكهرباء والغاز.
مع انقطاع الغاز الروسي، اتجهت أوروبا إلى الغاز الطبيعي المسال الأمريكي، الأكثر كلفة. ارتفعت الواردات بشكل كبير، وتحولت التبعية من موسكو إلى واشنطن. أصبحت أوروبا تدفع أكثر مقابل طاقة أغلى، بينما عززت الولايات المتحدة موقعها كمورد رئيسي واستفادت اقتصاديا من الأزمة.
ثم جاءت الحرب على إيران لتضرب شريان الطاقة العالمي مباشرة. في فبراير 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات واسعة على أهداف داخل إيران شملت اغتيالات وبنى تحتية. ردت طهران بإغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط والغاز العالمية. خلال أيام، توقفت حركة الناقلات وأصبح الممر الحيوي مشلولا. بالنسبة لأوروبا، لم يعد الأمر مجرد ارتفاع أسعار، بل نقص فعلي في الإمدادات. توقفت صادرات قطر والإمارات والكويت، واشتعلت المنافسة العالمية على الغاز.
قفزت أسعار الغاز الأوروبي بشكل حاد خلال أسابيع، ووجدت أوروبا نفسها رهينة سوق مضطرب ومورد واحد تقريبا. ورغم هدنة مؤقتة، عاد التصعيد وأغلق المضيق مجددا، مع حصار متبادل زاد الوضع تعقيدا وترك السفن عالقة والأسواق في حالة توتر دائم. في هذا المشهد، يظهر المواطن الأوروبي كضحية صامتة. لم يقرر الانسحاب من الاتفاق النووي، ولم يختر مسار التصعيد في أوكرانيا، ولم يقر الحرب على إيران، لكنه يدفع الثمن في فواتير الطاقة والتضخم وتراجع القدرة الشرائية. في كل مرة ترسم واشنطن السياسات وتفرض العقوبات وتشعل المواجهات، بينما تتحمل أوروبا التبعات الاقتصادية والاجتماعية.
اليوم تقف أوروبا بين خيارين: الاستمرار في التبعية وتحمل الكلفة، أو البحث عن استقلال استراتيجي عبر تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الشراكات الإقليمية، والاستثمار في البدائل، وبناء قدرة سياسية وعسكرية مستقلة. الخيار الثاني صعب ويتطلب إرادة ووقتا، لكنه وحده يفتح باب الخروج من هذه الحلقة. السؤال الذي يبقى معلقا: إلى متى يبقى المواطن الأوروبي يدفع ثمن قرارات لا يصنعها، وحروب لا يريدها؟ ومتى تتحول أوروبا من تابع إلى فاعل يرسم مصيره بيده؟
📲 Partager sur WhatsApp
مقال مهم وقراءة ممتعة. يدل على قدرة تحليلية عالية.
رح يبقى المواطن الاوروبي يدفع التمن ، طول ما الادارة السياسية نفسا ، متل ما دفع المواطن العربي قبله الضريبة على مدى عقود طويلة
شكرا للمقال
طرح لافت يسلط الضوء على معادلة باتت تتكرر في الأزمات الدولية: اتساع الفجوة بين صانع القرار العالمي وبين من يتحمل الكلفة الفعلية على الأرض. فالمشهد الذي يصفه المقال يعكس تحولا بنيويا في موقع أوروبا داخل النظام الدولي، حيث تتقاطع تبعية الطاقة مع هشاشة القرار الاستراتيجي، فتجد القارة نفسها في قلب تداعيات صراعات لا تتحكم في مساراتها.
القيمة الحقيقية لهذا التحليل أنه يذكر بأن أي نظام دولي يفقد توازنه حين تصبح الفاتورة الاقتصادية والاجتماعية منفصلة عن مركز القرار. وفي ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، تبدو الحاجة ملحة لإعادة تعريف مفهوم الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، ليس كشعار، بل كضرورة جيوسياسية تفرضها التحولات المتسارعة في الطاقة والأمن وسلاسل الإمداد.
ليس أوروبا وحدها من تدفع الثمن بسبب السياسات الأمريكية، بل العالم أجمع. أعتقد أنه آن الأوان أن تقرر أوروبا في مصيرها، على اعتبار انها تكتل يملك من الامكانيات ما يكفي لبناء سياسة مستقلة،وكذلك الشأن بالنسبة للصين وروسيا. لا يعقل أن يستمر العالم تحت سطوة الأمريكان.
سردي جميل و معلوماته كاملة لكن ننتظر الجواب على السؤال ماذا ستفعل دول اوروبا؟؟!!
سردي جميل و معلوماته كاملة لكن ننتظر الجواب على السؤال ماذا ستفعل دول اوروبا؟؟!!