بقلم زكية لعروسي, باريس
في مشهد سياسيّ فرنسيّ يزداد احتقانا، يبدو اليمين وهو يخاصم ظلّه، ويبارز انعكاسه في مرآة مشروخة. فالتراشق الكلامي بين برينو ريتايو ومارين لوبان ليس مجرد سجال انتخابي عابر، بل هو أشبه بـ“عراك ديكة فوق سطح واحد”، حيث لا غالب ولا مغلوب، بل غبار يعلو، وضجيج يملأ الساحة. يُقال في المثل المغربي: “اللي دارها بيديه يفكها بسنيه”. واليمين الفرنسي اليوم، في تنوّعاته، يبدو وكأنه يحاول فكّ عقد صنعها بنفسه. فمنذ صعود إيريك زيمور وما أحدثه من زلزال في الخريطة الفكرية، لم يعد الخط الفاصل بين اليمين التقليدي واليمين المتطرف واضحا، بل صار كخيط دخان يتلاشى كلما حاول أحدهم الإمساك به.
حين تصف لو بان منافسها بأنه “سيسلك مسار زيمور”، فهي لا تهاجمه بقدر ما تعترف ضمنيا بأن الأرض التي تقف عليها لم تعد صلبة كما كانت. أما ردّ ريتايو، حين ينعتها بـ“الدوّارة” (girouette) ، فهو استدعاء لصورة مغربية أخرى: “الريح اللي جات تديه”. أي أن من يغيّر مواقفه مع كل هبّة ريح، قد يجد نفسه يوما محمولا خارج اللعبة.

ريتـايو يقدّم نفسه كصاحب “ثبات”، في مقابل “تحوّلات” خصومه. لكن في السياسة، كما يقول المغاربة، “اللي بغا العسل يصبر لقريص النحل”. فالثبات قد يكون فضيلة، لكنه قد يتحول إلى جمود، بينما التبدّل قد يكون انتهازية، أو تكتيكًا للبقاء. هنا يكمن جوهر الصراع: ليس حول الأفكار فقط، بل حول من يمتلك الشرعية لتمثيل “اليمين الحقيقي”. هل هو يمين يريد أن يبدو عقلانيا ومؤسساتيا؟ أم يمين شعبوي يقتات على الخوف ويعيد تشكيله؟ في خلفية هذا الصخب، يقف إيمانويل ماكرون كمن يشاهد مباراة بين خصمين ينهكان بعضهما. فكل ضربة يتبادلها اليمين واليمين المتطرف تمنح “الوسط” مساحة إضافية للتنفس. وكأن المشهد يختصره مثل مغربي آخر: “بين البصلة وقشرتها، كاين اللي يتشمّت فيها”.
حين يتطرق ريتـايو إلى العلاقات مع الجزائر، فهو لا يخاطب الخارج بقدر ما يدغدغ الداخل. فالملف ليس دبلوماسيًا فقط، بل هو خزّان رمزي لكل توترات الهوية والهجرة والسيادة. وهنا أيضا، يعود المثل المغربي: “اللعب مع الكبار صعيب”. لأن اللعب بورقة العلاقات الدولية قد يحرق أصابع من يظن أنه يمسك بها بإحكام. استحضار اسم بوعلام صلصال في هذا السياق ليس بريئا. فالمثقف هنا يتحول إلى رمز، إلى ورقة أخلاقية في لعبة سياسية. وكأن الخطاب يقول: من لم يدافع عنه بالأمس، لا يحق له الكلام اليوم. لكن الحقيقة، كما يعرفها المغاربة جيدا، أن “الحق ما كيموتش، ولكن كيتخبّى”.
ما يحدث اليوم ليس مجرد تمهيد لانتخابات رئاسية، بل هو إعادة تشكيل لروح اليمين الفرنسي. صراع بين من يريد أن يبدو “مقبولا” ومن يفضّل أن يكون “صادما”. بين من يلبس ربطة عنق الدولة، ومن يرفع شعار الشارع. قد لا يكون السؤال: من سيفوز؟ بل: أي يمين سيبقى؟ لأن السياسة، كما تقول الحكمة المغربية الخالدة: “السوق كيعرف شكون يربح، ولكن حتى اللي خسر كيدير الضجيج”.
📲 Partager sur WhatsApp
توصيف رائع من متابع عن قرب لما يجري داخل المشهد السياسي الفرنسي. أعتقد أن القادم سيكشف عن مفاجئات. المشهد السياسي الفرنسي لم يعد واضحا كما كان في الماضي.