بقلم زكية لعروسي، باريس
إنها لا تحمل قنابل، ولا تصدر قرارات حربية من مكاتب مكيفة، ولا تظهر على شاشات الأخبار وهي تدمي طفلا في غزة أو تهدم بيتا في أوكرانيا. لكنها، ببساطتها المخيفة، تستطيع أن تجعل الحياة مستحيلة. تسمى Wasmannia auropunctata. نملة النار. النملة الكهربائية. سميت بذلك لأن لدغتها ليست كأي لدغة؛ إنها صاعقة مصغرة، حرق يتسلل تحت الجلد كأنبوبة غاز مشتعلة تبحث عن عصب حائر. اكتشفت في تولون عام 2022. ثم زحفت إلى كروازون فالمير. والآن، في أبريل 2026، ظهرت في كافالير سور مير. ثلاثة جيوب، سبعة هكتارات مصابة. وهي صغيرة جدا، حمراء باهتة، تكاد لا تذكر. لكنها تذكر نفسها بشراسة حين تدوس حافر الحصان أو يد الطفل أو قدم الفلاح عراة على تراب الجنوب.
يقول الخبراء: هذه النملة ليست كالنمل العادي. إنها لا تبني بيوتا طينية تتساقط تحت المطر؛ إنها تسكن الشقوق التي صنعناها نحن. تسربات الكهرباء، جذوع الأشجار الميتة، أكوام النفايات، حتى جيوب السيارات المهجورة. هي ابنة الحضارة بقدر ما هي آفة لها. ودعنا من الحكايات الساذجة عن نمل سليمان عليه السلام الذي قال لقومه: “ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون”. ذاك النمل كان يعرف حدوده. كان يعرف أن الحكيم يمكن أن يصغي إليه. أما نملتنا هذه، فهي لا تستمع لأحد. هي تطيع غريزة التكاثر العمياء: تنتشر، تأكل كل شيء، تلدغ كل شيء، ثم تنتشر أكثر. في تاهيتي، منذ منتصف التسعينيات، فشلت ست حملات إبادة. واليوم، سيطرت النملة على كامل الأرخبيل. تحولت الحدائق إلى حقول ألغام لا تزرع. تحولت السياحة إلى كوابيس. الأطفال يبكون في الليل على أسرة لا تنام.
أليست هذه صورة مقلوبة لعالمنا؟ نحن نخترع طائرات دون طيار لقتل نمل، بينما في مكان آخر، تطير طائرات دون طيار أخرى لقتل البشر. نحن نصب المبيدات الحشرية على ساحل الريفيرا الفرنسية، بينما تصب دول أخرى السم على حدودها. العالم يعاني من آفة النملة الكهربائية، لكن الآفة الحقيقية هي ضميرنا الذي أصبح موصولا بالتيار تماما مثل لدغتها: يصعق حين يصاب، لكنه لا يموت، ولا يشفي. هنا السؤال الفلسفي الذي يليق بمجنون عاشق دوستويفسكي ويمشي على حافة التصوف: أتريدون حقا أن تحاربوا كل من هب ودب؟ لقد حولتم الإنسان إلى عدو الإنسان، والطير إلى آلة تجسس، والبعوض إلى مشروع قتل عابر للحدود. والآن النملة؟ نعم النملة.
إن ضررها حقيقي، لا شك. الفلاح لا يستطيع قطف ثماره إذا كان كل صباح يجد يديه منتفختين من اللسعات. السياح لا يستأجرون فيلات تعج بمستعمرات رمادية حمراء تفرض إتاوتها الجلدية. لكن بالله عليكم: هل لدغة النملة الكهربائية أشد ألما من قصف طائرة تدمر قرية بأكملها؟ هل مقاومتها أصعب من مقاومة ظلم يضرب منذ قرون؟ أنتم تستأجرون شركات مبيدات، وتستخدمون طائرات مسيرة لتصوير الأعشاش، وترشون السم من مروحيات كأنكم تخوضون حربا عالمية ثالثة. وفي أعماقكم تعرفون أن تهديدا حقيقيا واحدا من عقل بشري مريض أو فكرة متطرفة أو غضب مناخي قادم، هو كفيل بجعل هذه النملة مجرد مزحة جانبية على هامش خراب كوني.
لنتأمل المشهد ,قارئي, هناك نماذج من النمل في الموروث الإنساني النبيل. نمل سليمان الحكيم الذي يخاف الجيش المحطم، وينصح جماعته بالاختفاء. ذلك النمل كان عاقلا بالمعنى الصوفي: أدرك أن القوة لا تعني الشر دائما، وأن الحكيم قد يدمر لا عن قصد بل عن جهل الطريق. نمل سليمان كان يعرف أن ضعف الجسد لا يعني ضعف البصيرة. أما نملتنا الكهربائية؟ فهي لا تعرف ولا تريد أن تعرف. إنها ما بعد أخلاقية تماما. إنها “نملة طالح”؟ لا. ليست طالحة ولا صالحة. إنها خارج قاموس الخير والشر. إنها نسخة نملية من العولمة: تنتشر بلا هدف سوى البقاء، تستهلك كل مادة عضوية، تتحور بسرعة جنونية، تقتل أي منافس بيولوجي، وتجعل المكان متجانسا بشكل مرعب. إنها الرأسمالية المتوحشة، لكن بلا وعي ولا شعارات. إنها صورتها المنمنمة.

نخاف النملة لأنها صغيرة ومختلفة ولسعاتها تذكرنا بأننا مجرد لحم مكشوف في فناء الأرض. إنها تهاجم كبرياءنا البيولوجي. يمكن أن نقبل أن نموت بنوبة قلبية أو حادث سيارة، لكن أن نهزم من مخلوق يزن أقل من ريشة، هذا مؤلم جدا لغرور الجنس البشري. لكن في الوقت نفسه، نتغاضى عن التحطيم الحقيقي. الدبابات تسوي المدن بالأرض، والجوع يلتهم أطفال اليمن، والتغير المناخي يغرق جزرا بأكملها. لكن النملة هي من تصدر الأخبار. النملة هي التهديد الوجودي الجديد. لماذا؟ لأن النملة سريعة، ونحن أصبحنا سريعي التشتت. إنها مثل قصة إعلامية جاهزة: حشرة غريبة، لدغات مؤلمة، جنوب فرنسا، سياح مذعورون. هذا أفضل من الحديث عن موت الضمير.
في طفولتنا (ما زلت أعود إليها باستمرار، كحنين لزمن نقول فيه لسنا غرباء عن التراب)، كان النمل صديقا مصغّرا. كنا نضع السكر على عتبة الباب، ونراقب طوابيره المنظمة. كنا نردد مثل الجدات: “نملة سليمان ما تأذي حد”. كنا نعتقد أن التسبيح يجري بين فكيها الصغيرين كما تروى الأساطير. كانت النملة في طفولتنا مخلوقا يزيد المكان روحانية. اليوم، النملة في الأخبار هي “عدو يجب قصفه بالطائرات”. متى تغيرت نظرتنا؟ هل هي النملة التي تغيرت، أم نحن الذين صرنا نرى في كل مخلوق حيّ لا يخدم غايتنا الاقتصادية مجرد آفة؟ هل الجنوب الفرنسي للسياح والفلاحين فقط، أم للأرض وللنمل أيضا؟
لا ندعوا لعدم محاربة النملة الكهربائية. بالطبع، قفوا أمامها بكل حيلة علمية. احموا أطفالكم ومساكنكم ومزارعكم. لكن لا تجعلوا هوسكم بالنملة يخفي هوسا أكبر: هوسنا نحن بتدمير أنفسنا وبكل ما هو جميل وبسيط. ربما تأتي النملة لتذكرنا بأن الأرض ليست ملكا لنا وحدنا. ربما تكون رسالة بصرية صامتة. وإذا أردتم: تذكروا أن الإنسان العاقل هو المخلوق الوحيد الذي يخترع السموم لقتل نملة، ثم لا يجد ترياقا لمنع نفسه من قتل أخيه. وماذا بعد؟ بعد هذا، يبقى أن نضحك قليلا باكين: لأن النملة ستبقى والنمل البشري سيبقى، لكن من منّا سيكون أكثر أذى في نهاية المطاف؟سأنتظر إجابتكم…فأنا تحت شمس باريس، مع نملة تمشي على كفي، أسألها: أأنت صالحة أم طالحة، أمن جنود سليمان أم من جنود العولمة؟ لكنها لا تجيب. فقط تلدغ غافلا، ثم تمضي.
📲 Partager sur WhatsApp