بقلم زكية لعروسي، باريس
ليس غريبا أن تكون مالي هي قلب الصراع الدائر اليوم، فهذه الأرض التي كانت تحتضن إمبراطورية الذهب في عهد مانسا موسى، والتي أذهلت العالم بثرواتها التي لا تحصى وعلمائها الذين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس بجوامعهم ومخطوطاتهم، تحوّلت اليوم إلى ساحة تتلاحم فيها دبابات روسية الصنع مع رمال الصحراء القاحلة، وتتصادم فيها طائرات مسيّرة مع عصا الراعي الطوارقي التي ما زالت تحفظ أرواح الأجداد.
ما يجري في مالي الآن ليس مجرد “هجوم إرهابي” أو “تمرّد انفصالي”، بل هو حرب الظلال العالمية التي تلقي بثقلها على بوابات أوروبا الجنوبية. عندما ضرب جهاديو جماعة دعم الإسلام والمسلمين (JNIM) ومقاتلو الجبهة الشعبية لتحرير أزواد (FLA) قاعدة 101 في مطار باماكو، لم يكونوا يستهدفون مجرد طائرات أو جنود، بل كانوا يستهدفون روح الدولة المالية الجديدة التي تحاول النهوض من تحت الرماد.
في مشهد يليق بأفلام هوليوود، خرجت وحدة Africa Corps الروسية من صمتها الإعلامي المعتاد، وبثّت فيديوهات دراماتيكية من داخل المعركة. كاميرات على صدور الجنود، ومدرعات “سبارتاك” تصدع صمت الصحراء، ودبابات BMP-2 و BMP-3 تزحف كالوحوش الحديدية. لماذا كل هذا العرض العسكري والإعلامي المفاجئ؟ لأن المعركة الآن ليست فقط على الأرض، بل على السردية. فبعد الانسحاب المخزي من كيدال، تلك المدينة التي ظنّت باماكو أنها استردتها إلى الأبد في نوفمبر 2023، وجد الروس أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه. صيحات الفرح التي أطلقتها قوات الطوارق أثناء انسحاب القوات المالية والروسية كانت بمثابة زلزال إعلامي هزّ أركان “أسطورة عدم القهر” الروسية. لذلك، كانت فيديوهات باماكو ضرورة وجودية: “نحن لا نزال هنا، نحن نقاتل، نحن نموت من أجلكم”، هكذا يقول خطاب الكرملين الجديد في الساحل.

نعود إلى تراثنا التاريخي، إلى تلك المخطوطات التي حفظتها عائلات تمبكتو تحت الأرض خوفا من الاحتراق. كان علماء مالي يقولون: “السلطان مع عدله أحبّ إلى الله من السحاب مع رعده”. ما يعنيه ذلك اليوم: أن مالي لن تنعم بالسلام لا بدبابات روسية ولا بطائرات فرنسية ولا بجنود أمم متحدة، ما لم يعاد بناء العقد الاجتماعي بين المركز والأطراف. أبناء أزواد لم يخرجوا عن سلطة باماكو لمجرد التشبت بالرمل، بل لأنهم شعروا لقرون أنهم “مواطنون من الدرجة الثانية”، وأن ثروات اليورانيوم والذهب في شمالهم تنقل إلى العاصمة دون أن تعود عليهم بطرقة باب.
إن فشل جميع الحلول العسكرية، من تدخل فرنسا (عملية برخان) إلى الأمم المتحدة (مينوسما) إلى روسيا (Africa Corps)، هو دليل قاطع على أن الرصاص لا يصلح ما أفسده الإهمال السياسي. لنفرك أعيننا قليلا ونتمعّن في الصور التي بثها Africa Corps. نرى جنودا روسا وماليين في وضع دفاعي عند مدخل القاعدة. نرى جثثا على الأرض لا نعرف لمن تعود. نرى دهشة في عيون الجنود. لكن السؤال الأعمق: أين المهاجمون؟ لم نرَ وجها واحدا لعدو، لم نرَ تنظيما، لم نر سوى الرصاص يخرج من العدم.
هذا هو بالضبط سر قوة جماعة JNIM والطوارق: هم أشبه بـ “أشباح الرمال” . يظهرون فجأة من كثبان الصحراء، يضربون، ثم يختفون كما لو أن الأرض ابتلعتهم. إنها حرب غير تقليدية بامتياز، تواجهها آلة عسكرية روسية صممت أصلا لحرب المواقع في سهول أوكرانيا، لا لحرب العصابات في كثبان أزواد. ماذا بعد؟ سيناريوهات مفتوحة على مصراعيها
– السيناريو الأول: حرب استنزاف مفتوحة
تواصل Africa Corps دعم باماكو، لكن بخسائر متزايدة. تتحول مالي إلى “أفغانستان روسيا الجديدة”. تزداد المكالمات بين موسكو وباماكو سخونة، ويبدأ الكرملين يسأل نفسه: هل استبدلنا مشكلة فرنسا بمشكلة أكبر؟
– السيناريو الثاني: انفجار أوسع في المنطقة
إذا سقطت كيدال نهائيا في أيدي الثوار، وقد سقطت فعليا، فإن بوركينا فاسو والنيجر، الحليفتين الجديدتين لموسكو، ستشعران بالزلزال. وقد يمتد التمرد إلى شمال النيجر حيث يتواجد نفس التنظيم. ستتحول منطقة الساحل كلها إلى بحر هائج لا تجيد روسيا السباحة فيه.
– السيناريو الثالث: عودة أوروبا بصورة مختلفة
الجميع يعلم أن أوروبا لا تستطيع تحمل انهيار مالي كاملا. تدفقات الهجرة، والإرهاب العابر للحدود، والمصالح الاقتصادية في المنطقة. قد تعود الدول الأوروبية، وخاصة فرنسا، ليس بالجيش هذه المرة، بل بالمال والدبلوماسية، لشراء استقرار هش تدفع ثمنه غاليا.
مالي اليوم هي مرآة متكسّرة تعكس أخطاء الجميع: أخطاء الاستعمار التي رسمت حدودا وهمية، أخطاء الحكام المحليين الذين أهملوا الشمال عقودا، أخطاء المجتمع الدولي الذي راهن على القوة الناعمة فخسر، ثم على القوة الصلبة فخسر أيضا، وأخطاء روسيا التي ظنّت أن ما يصلح في أوروبا الشرقية يصلح في غرب إفريقيا. كما يقول مثل مالي قديم: “العقرب لا يلدغ الحجر، بل يلدغ من يحسّ به”. الهشاشة المالية هي عقرب الساحل، تلدغ كل من يقترب بحماس زائد دون فهم تعقيدات الأرض والبشر. وحتى اليوم، لم يثبت أحد أن لديه الترياق المناسب. صحيح أن “Africa Corps” لا تزال تقاتل، وصحيح أن الروس أحرقوا معدات وأرواحا في مطار باماكو دفاعا عن حلفائهم، لكنّ السؤال الذي يبقى بلا إجابة حتى الآن: هل هذه البداية الحقيقية لحرب جديدة، أم أنها مجرد نهاية مزعجة لفصل قديم؟
