الماء كديبلوماسي…قطرة منه سلاح والقليل جسر

بقلم زكية لعروسي، باريس

كان الماء دوما، لا بوصفه عنصرا، بل بوصفه لغة أولى، سرا سائلا يتقدّم على الخرائط ويؤسسها، ويهمس في أذن الجغرافيا قبل أن تستيقظ السياسة. لم يكن الماء يوما مجرد مورد، بل كان دائما ذاكرة تمشي، وسلطة ناعمة، وأحيانا قاسية، تعقد المعاهدات كما تشعل الحروب، وتنساب بين الدول كما تنساب بين الأساطير.

في عمق التاريخ، حيث كانت الحضارات تبنى على ضفاف الأنهار، لم يكن الماء حياديا. كان طرفا في المعادلة، وسيطا بين الشعوب، أو سيفا خفيا يلمع في العتمة. من نهر النيل الذي حمل مصر القديمة على كتفيه، إلى نهر الراين الذي نسج شبكة من العلاقات بين دول أوروبا، ظل الماء يكتب سرديته الخاصة، خارج بلاغة السياسيين، وداخل دهاليزهم في الآن ذاته.

الماء، في جوهره، لا يشبه شيئا مما نعرف: هو الوحيد الذي يملك أن يكون سيفا وقبلة، جدارا ونافذة، قبرا ومهدا. وهذا التناقض هو بالضبط ما يجعله دبلوماسيا فريدا: لا أحد يملكه، لكن الجميع يحتاجونه. لا يمكن احتجازه، لكن يمكن توجيهه. لا يصدر أصواتا، لكنه يحدث أعظم التأثيرات.

حين رسم المستعمرون حدود المغرب والجزائر، ظنوا أنهم يملكون الجغرافيا. لكنهم نسوا أن المياه الجوفية لا تقرأ المعاهدات والحدود. في باطن الأرض بين البلدين، تمتد طبقات مائية عابرة للحدود كالأشباح. لا ترى، لكنها تحرك الاقتصاد، تُجفف الآبار هنا، وتخصب السهول هناك. المغرب والجزائر يتشاركان خمسة أودية رئيسية تنبع من المغرب وتتجه شرقا، وأكثر من ستين بالمائة من خزاناتهم الجوفية في المناطق الشرقية والغربية هي مياه مشتركة بطبيعتها. لكن لا توجد أي اتفاقية ثنائية لتنظيم هذا التقاسم الطبيعي. آخر محاولة كانت عام 1970، حين وقع البلدان اتفاقية إطارية ظلت حبرا على ورق.

في هذا الفراغ القانوني، يتحول الماء إلى سلاح صامت. كل بئر تحفر في الجانب المغربي هي رسالة غير معلنة للجزائر. كل سد جديد يبنى على وادي كير أو ملوية هو بند سري في ميزانية التوتر. هنا، لا يحتاج الماء إلى جيش ليكون طرفا في النزاع؛ يكفيه أن :يجف. وسط هذا التوتر اللامرئي, نجد أنفسنا أمام سرديتان متقابلتان

في الجزائر، يتهم المسؤولون المغرب بـ”تجفيف غرب الجزائر” عمدا. وزير الموارد المائية الجزائري طه دربال قال علنا: إن السدود المغربية تحرم مليونا وسبعمائة ألف جزائري من حقهم الطبيعي في المياه. وفي وسائل الإعلام الجزائرية، تحولت القضية إلى حملة وطنية تحت عنوان “من يسرق ماء الجزائر؟”.

في المغرب، يقابل هذا الاتهام بصمت رسمي حذِر، لكن خلفه رد غير معلن تردده وسائل الإعلام: المشكلة ليست في مياه المغرب، بل في سوء إدارة الجزائر لمياهها. الجزائر تمتلك واحة جوفية هائلة تحت صحرائها، لكنها تفتقر إلى البنية التحتية والتخطيط. البحث عن كبش فداء أسهل من إصلاح الذات.

الحقيقة، كالعادة، تقع في منطقة رمادية. صحيح أن السدود المغربية تؤثر على تدفق المياه شرقا – فهذا أمر طبيعي لأي سد في أي مكان في العالم. لكن صحيح أيضا أن النسبة المتدفقة من المغرب إلى الجزائر لا تتجاوز 2% من إجمالي احتياجات الجزائر المائية. أي أن الاتهام بـ”التجفيف المتعمد” مبالغ فيه سياسيا، لكن الغياب التام لأي إطار تنظيمي هو إشكالية قانونية وأخلاقية حقيقية. فلماذا الماء هنا دون سواه؟

الماء بين المغرب والجزائر ليس سبب التوتر، بل مرآته. الحدود مغلقة منذ 1994. لا طيران مباشر، ولا استثمارات، ولا زيارات رسمية. في هذا الجو المشحون، كل ملف صغير يتحول إلى قضية كبرى. والماء يقدم حلا مثاليا للعداء الصامت: بديل عن التصعيد العسكري، وأداة اتهام لا تحتاج إلى أدلة قطعية، ولغة مفهومة للرأي العام في كلا البلدين.

ثم يأتي العامل المناخي كمسرّع للصراع. المغرب العربي كله يدخل مرحلة “الجفاف الهيكلي”. درجات الحرارة في ارتفاع، الأمطار في انحدار. في هذا السياق، كل قطرة تصبح قضية سيادة، وكل جفاف يتحول إلى اتهام. والماء، الذي كان يمكن أن يكون جسرا،- كما يقول مثلنا المغربي : خلي الما مين يفوت- يصبح خندقا أعمق.

إذا كان الماء بين المغرب والجزائر يتحدث بالصمت، فإنه بين مصر وإثيوبيا يخرج من صمته الأبدي ويرتدي صوته العالي. النيل ليس نهرا، بل أرشيف تاريخي مائي: يحمل في مائه ذكرى الفراعنة، وفي تياره حلم النهضة الإثيوبية. سد النهضة ليس مجرد مشروع هندسي، بل هو لحظة مواجهة بين رؤيتين لا تلتقيان: رؤية مصرية ترى في الماء حقا تاريخيا مكتسبا منذ آلاف السنين، ورؤية إثيوبية تراه إمكانية مستقبلية للتخلص من الفقر والتخلف. بينهما، يتوتر النهر كوتر مشدود، ينتظر من يعزف عليه دون أن ينقطع.

مشكلة الأنهار أنها لا تعرف الانتظار. تمضي كما شاءت، تاركة السياسيين يركضون على ضفافها عراة. ومشكلة السدود أنها تحول الماء من مورد متجدد إلى سلعة يمكن تخزينها ومنعها. في هذه المعادلة، يصبح النيل كائنا تفاوضيا، نصّا مفتوحا على التأويل، حيث كل قطرة تحمل معنى السيادة أو الخطر. لكن الفارق الجوهري بين حوض النيل وحوض مياه المغرب-الجزائر هو وجود وسيط دولي فاعل ومتابعة إعلامية عالمية. الصراع المصري-الإثيوبي معروف للجميع، بينما التوتر المغربي-الجزائري حول الماء لا يزال خفيا، يتغذى في صمت، بعيدا عن الأضواء.

الماء ليس دائما فتنة وصراعا. بعيدا عن هذه الجغرافيا المتوترة، يقدّم نهر الراين نموذجا آخر: كيف يمكن للماء أن يكون جسرا لا خندقا. هذا النهر الذي يعبر ست دول أوروبية – من سويسرا إلى هولندا – لم يكن سببا في النزاع بقدر ما كان أداة للتكامل. بعد قرون من الحروب على ضفافه، تحول الراين إلى شريان اقتصادي وثقافي، يربط ولا يفصل. سبع محطات نووية تجلس على ضفافه كجيران يتبادلون الخبز، وسفن الشحن تمتد عبر حدوده كما لو كانت الحدود غير موجودة.

الراين علّم أوروبا درسا بسيطا لكنه عميق: السيادة الحقيقية ليست في احتكار الماء، بل في إدارة الانسياب معا. لم تنجح تجربة الراين بالصدفة، بل بإنشاء لجنة دولية لمراقبة النهر، وتبادل البيانات الهيدرولوجية بشفافية، وتوزيع عادل للمياه وفق معادلة تراعي الجميع. وفي قلب باريس، ينساب نهر السين كقصيدة مفتوحة، لا يحمل فقط مياهه، بل يحمل تاريخ مدينة كاملة، وسحرها، وصورتها في مخيلة العالم. هنا، يصبح الماء سفيرا للجمال، ووسيطا بين الإنسان وحلمه. تتحول ضفافه إلى مسارح للذاكرة، وفضاءات تترجم فيها السياحة بوصفها شكلا ناعما من الدبلوماسية الثقافية.

السين ليس مجرد نهر، بل هو دبلوماسي فرنسي بامتياز: يعرض جمال العيش كما يعرض الآخرون أسلحتهم. والسياحة النهرية هي إعادة تدوير للماء كوسيط ناعم بين الحضارات. في زمن يتحدث فيه الجميع عن الحرب الاقتصادية والعسكرية، يذكرنا السين أن هناك دبلوماسية أخرى ممكنة: دبلوماسية الانسياب بدل الانقسام.

غير أن الماء، في عمقه الرمزي، يتجاوز كل هذا. في التراث العربي، لم يكن الماء مجرد ضرورة، بل كان دلالة على الحياة، على الطهارة، على الكشف. يقول تعالى: “وجعلنا من الماء كل شيء حي”، وكأن الماء هو النص الأول الذي كُتبت به الخليقة قبل أن تُخترع الحروف. هذه الآية ليست مجرد إخبار عن حقيقة بيولوجية، بل هي نظرية وجود كاملة: الماء هو أصل الأشياء، وهو وسيطها، وهو مرجعها الأخير.

وفي التصوف، يصبح الماء مرآة للذات. كلما صفا كشف، وكلما اضطرب أخفى. هو سر إلهي، يتجلّى في الانسياب، ويختفي في العمق. لذلك كان الوضوء ليس طهارة جسد فقط، بل تفاوضا مع النفس، وغسل للروح قبل غسل الوجه واليدين. الصوفي حين ينظر إلى الماء لا يراه عنصرا، بل يراه وجه الحقيقة وهو يمر.

الحضارات القديمة فهمت هذا قبل أن تفهمه الدول الحديثة. لم يكن الماء عندهم فقط ما يشربون، بل ما يبنون به. لذلك خاضوا حروبا من أجله، وأسسوا مدنا حوله، ورووا أساطير باسمه. الماء لم يكن حياديا أبدا، بل كان كائنا دبلوماسيا بامتياز: يعقد الصلح حين يُحسن الناس الإصغاء إليه، ويشعل النزاع حين يُساء فهمه. والماء في التراث العربي أقدس من أن يملك، وأعمق من أن يُحدد. هو للجميع أو لا لأحد. هذه الحقيقة البسيطة هي ما نسيتْه الدبلوماسية الحديثة في صراعاتها.

في عالم اليوم، حيث تتزايد الأزمات المائية، يعود هذا الكائن القديم ليذكّرنا بحقيقته الأولى: أنه ليس ملكا لأحد. كل محاولة لاحتكاره هي بداية لصراع مؤجل. ربما لهذا، يبدو أن أعظم دبلوماسية ممكنة في المستقبل لن تكون حول النفط أو الحدود، بل حول الماء: كيف نقتسمه دون أن نتقاتل، وكيف نصغي إلى صمته قبل أن يتحول إلى صراخ. الجزائر والمغرب بحاجة إلى راينهما الخاص، وإلى سين يتدفق بينهما بدل الخنادق. مصر وإثيوبيا بحاجة إلى إدراك أن النيل يتسع للجميع، وأن التهديدات لن تروي عطش أحد.

العالم اليوم يتوق إلى نموذج جديد: ليس دبلوماسية الصواريخ، بل دبلوماسية الأنهار. ليست تلك التي تفرض نفسها، بل تلك التي تنساب. الماء يذكرنا كل يوم أننا على خطأ حين نظننا نملكه. هو وحده من يملكنا. هو الذي خلقنا منه، وإليه سنعود في كل قطرة نشربها، وفي كل نهر نجففه بغبائنا. هكذا، يظل الماء، في نهاية المطاف، شاعرا خفيا للعلاقات الدولية. يكتب دون حبر، ويوقّع دون أسماء، ويتركنا نتساءل، كل مرة، إن كنا 

حقا نفهم لغته، أم أننا ما زلنا نقرأه بعطش. لعله ليس بحاجة إلينا، لكننا نحن من لا نعيش بدونه. دبلوماسيته ليست عسكرا ولا أموالا، بل حياة تمشي على الأرض، رطبة، هادئة، وقادرة في لحظة على أن تصبح طوفانا. ربما يكون السؤال الأهم ليس: كيف نتحكم بالماء؟ بل: كيف نجعل الماء يتحكم بنا، فيقودنا إلى الحكمة بدل الحرب، إلى المشاركة بدل الاحتكار، إلى السلام الذي ينساب كما ينساب هو، دون عناء، ودون أسئلة؟

📲 Partager sur WhatsApp

3 thoughts on “الماء كديبلوماسي…قطرة منه سلاح والقليل جسر

  1. لقد قال فيه أوائل مفكري الإغريق: الماء من العناصر الأولى للوجود، التراب، الهواء، النار . وقيل كذلك في المأثور: إنه أ صل الحياة.
    اما الماء على مستوى البحار والمحيطاء، وعلى مستوى المعابر والممرات، أمسى له حساب على اجندات العلاقات الدولية. وسببا في الحروب التي تقرر في مصاءر الشعوب.

  2. ما يثير الإعجاب في كتابات الأخت زكية العروسي، ليس فقط رصانة التحليل، بل تلك اللغة الشاعرية التي تنسج بها المعلومات.
    و هذا ليس غريبا على مبدعة تدمن الشعر في اليومي، و تساير الأحداث، وتنبش في التاريج و تستقصي الجغرافيا قبل أن تخط حرفا.
    تعرف كيف تحلل دون أحكام مسبقة مما يعطي لقراءاتها في كل أبعادها سياسية كانت أو اجتماعية سواء كانت وطنية مغربية أو دولية سلاسة تتجاوز التحليل إلى الإمتاع.

    1. كل الشكر والتقدير للأخت خديجة أمتي على وحضورك الفكري الراقي والمميز. كلماتك أثر جميل لامس قلبي. دمت رفيقة القلم والفكر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *