ليكورنو… عندما يصبح الخبز سلاحا سياسيا

بقلم زكية لعروسي، باريس

في مشهد لا يخلو من طرافة تليق بكوميديا إلكسندر دوما لو كان حيا وكتب “الفرسان الثلاثة” لكن بمعجنات، تفاجأت فرنسا صباح الأول من مايو بأن رئيس وزرائها، السيد سيباستيان ليكورنو، لم يذهب للاحتفال بالعمال… بل ذهب ليخبز صورة انتخابية في قالب من الدقيق الأبيض. اشتكى الخبازون هذا العام لأن الأول من مايو صادف يوم جمعة، وهذا اليوم، كما تعلمون، هو يوم العمال، أي يوم راحة إلزامية. لكن بعض التجار طلبوا استثناء، والحكومة… ماذا فعلت؟ انقسمت: جهة تقول بالقانون، وجهة تقول بالشعبوية، وجهة ثالثة تقول:”دعونا نشتري خبزا أمام الكاميرات ونتصل بخباز آخر انتهك القانون لنطبطب عليه”.

وهنا تبدأ حكايتنا مع البطل غير المتوقع في هذه الرواية: السيد ليكورنو، رئيس الوزراء الذي حوّل المخابز إلى منصة سياسية، وأصبح يلبس مئزر الطحين فوق بدلته الرسمية، متناسيا أن القانون هو سيد الموقف، لا رغيف الكرواسون. فماذا حدث؟

· اليوم العالمي للشغل (1 مايو): إجازة قانونية يجب أن تغلق فيها المحلات التجارية أبوابها، باستثناء حالات محددة كالمطاعم والفنادق.

– الخبازون: احتجوا وطالبوا بالعمل ليحضروا الخبز للزبائن.

– الحكومة: مددت الجدل دون حسم.

– بعض الخبازين: فتحوا أبوابهم رغم القانون.

– مفتشية الشغل: قامت بدورها وزارتهم وحررت مخالفات.

· رئيس الحكومة: لم يكتف بشراء الخبز من مخبز مفتوح، بل اتصل بخباز آخر خالف القانون “ليسانده”!

وهنا، صرخت السيدة مانون أوبري، النائبة الأوروبية عن حزب “فرنسا الأبية” (La France Insoumise)، من على أثير إذاعة “فرانس إنفو”: “رئيس الحكومة يتصل بصاحب مخبز خالف القانون، بدلا من أن يتصل بمفتشي الشغل الذين يطبقون القانون!” ثم أضافت بجرعة من الغضب المبرر: “عندنا رئيس حكومة زعيم عصابة” (délinquant)، وفي منشور على منصة X زادت: “رئيس حكومة بلطجي” (voyou). ومن بعيد، شممت رائحة أزمة سياسية تُخبز على نار هادئة… بين رغيف انتخابي ورشيم قانوني مهشم

هنا يفرض السؤال نفسه: هل القانون خط أحمر أم خط مطاطي؟ عندما يكون رئيس الحكومة قدوة، فماذا سيفعل المواطن البسيط؟ عندما يشجع رئيس الوزراء على كسر الإغلاق في “يوم العمال”، فماذا سيفعل العمال الآخرون في المصانع والمكاتب؟ وإن جاز ليكورنو أن يخالف القانون من أجل خباز، فلماذا لا يجوز لطبيب أن يفتح عيادته وأستاذ أن يفتح قسماً ومحام أن يفتح مكتبه؟ الأمثال المغربية تحفظ لنا حكمة بالغة: “اللي عطانا العقال على  راسو يديره” (الذي أعطانا العقال على رأسه يضعه). فإذا كان رئيس الحكومة نفسه لا يحترم القانون، فكيف يطلب من المواطنين احترامه؟

فهل يا ترى يخطط السيد ليكورنو لانتخابات 2027 عبر معجنات يوزعها بسخاء على الناخبين الجائعين؟ وهل هذا هو السيد” الذي تناقلت أخباره القنوات الفرنسية كبطل شعبي يخبز المديح لنفسه؟ في المغرب يقولون أيضا: “اللي ما عندو راس ما تكون ليه قلنسوة” (من لا رأس له لا يحتاج قلنسوة). فكيف يضع ليكورنو قلنسوة الخبازين على رأسه، ورأسه ينبغي أن تكون موضوعة تحت عباءة القانون؟

بعد ماكرون الذي كان يحب أن يكون “الرئيس فوق الجميع”، جاء ليكورنو ليكون “رئيس الوزراء الذي يشتري الخبز مع الجميع”. الفرق دقيق لكنه مدمر: قبل سنة كان السياسي يفرض القانون، أما اليوم فيتهافت السياسي على انتهاكه لكسب أصوات الطبقات المهمشة. الخباز، في الريف الفرنسي العميق، هو رمز الجوع، رمز اليومي، رمز النضال من أجل اللقمة. من خلال مساندته، يريد ليكورنو أن يقول: “أنا معكم أيها الصغار في وجه البيروقراطية”. لكنه نسي أن هذه البيروقراطية هي حكومته هو نفسه.

إذا كان الأول من ماي هو يوم عطلة إجبارية، فلماذا لم تستثن الحكومة المخابز صراحة قبل يوم الجمعة؟ الإجابة: لأن الحكومة تريد أن تظهر بمظهر “الشعبوية الصارمة” لا بمظهر “المنقذ الإداري”. أي أنها تريد أن تأكل الخبز وتتمتع بحلاوته، وتترك للخبازين رائحة الغرامات. في الأول من مايو، يرفع العمال العلم الأحمر ويغنون النشيد الأممي. لكن في 2026، تحول اليوم إلى مسرحية انتخابية بين رئيس حكومة يريد أن يكون بطلا شعبيا، ونائبة أوروبية تريد أن تكون حارسة القانون. مانون أوبري، هذه المرأة التي تقول بلا خجل: “ليكورنو زعيم عصابة وبلطجي”، هل مبالغة في الرد؟ أم أن كلماتها تصف بالفعل واقعا أعم؟ لو كان الفساد هو أن يخالف رئيس الحكومة القانون ويشجّع على خرق القوانين، فما اسم هذا إن لم يكن بلطجة سياسية؟وفي المغرب يقولون: “اللي بانت على راسو شي حاجة طار عليه الطير”. فها هي الطيور من يسار ويمين تحوم فوق ليكورنو.

وفقا لقصر ماتينيون (مقر الحكومة)، سيتم تقديم مشروع قانون هذه السنة لـ”تأطير” العمل في الأول من مايو اعتبارا من عام 2027. يعني: سيحلون لكم المشكلة بعد الانتخابات. وهذه هي خدعة حكّام هذا الزمان: يخلقون الأزمة، ثم يعدون بحلها غدا، ويكسبون أصوات اليوم. ولكن السؤال الأكبر: هل سيُطبّق مشروع القانون على أنفسهم؟ أم سيصبح هناك قوانين للحكومة، وقوانين أخرى للشعب؟وأخيرا: إن أولئك السياسيين الذين يتجرؤون على اعتبار أنفسهم فوق القانون، يتناسون أن “شعبية اللقمة” مؤقتة، وأن القانون هو وحده الضامن لاستمرار الجمهورية.

لا شك أن رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو قد أضحى هذا الأسبوع بطلا لدى أصحاب المخابز، لكن هل سيكون بطلا لدى العمال الضائعين بين نار القانون وشهية السياسة؟ مانون أوبري، بغض النظر عن انتمائها السياسي، أمسكت بالخيط الدقيق الذي يفضح ازدواجية السياسة الفرنسية اليوم. وهي تقول: إما أن نكون دولة قانون، أو نكون فوضى يباركها رئيس الوزراء.

أما نحن، كمغاربة، فنعرف جيدا قصة “الكسكس الذي لا يخلو من ريحة الحار”. وفي هذا الطبق الفرنسي – الإشكالي، رائحة الفساد تفوق رائحة الخبز الطازج. و يقول المثل المغربي الأصيل: “اللي زاد على القدر طاح فيه البلغم”. و السيد ليكورنو أضاف على قانون الشغل “رغيفا انتخابيا”، فوقع في بلغم سياسي قد يغرق سفينته مبكرا. فهل سينجو؟ أم أن الانتخابات القادمة ستقلب الطاولة على المخبوزات كلها؟ سننتظر ونحن نأكل الخبز… بلا رياء، وبلا كاميرات.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “ليكورنو… عندما يصبح الخبز سلاحا سياسيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *