بقلم زكية لعروسي, باريس
في لحظة تتكثّف فيها الجغرافيا حتى تكاد تتحوّل إلى كائن حيٍّ يتنفّس التوتر، خرج إيمانويل ماكرون بتوصيف حادّ للضربات الإيرانية ضد الإمارات، واصفا إياها بـ«غير المقبولة». غير أن هذا التصريح، في عمقه، ليس مجرد موقف دبلوماسي, إنّما هو تعبير عن تصدّع أعمق في بنية النظام الدولي، حيث تتشابك الأساطير السياسية، وتعاد كتابة خرائط القوة على إيقاع الصواريخ والطائرات المسيّرة.

ليس مضيق هرمز مجرد ممر مائيّ، بل هو شريان كونيّ، تتدفّق عبره ليس فقط الطاقة، بل أيضا أوهام السيطرة البشرية على العالم. هنا، حيث تتلامس اليابسة مع الأسطورة، تتحوّل كلّ سفينة إلى سؤال، وكلّ انفجار إلى تأويل. في هذا المسرح، تقف إيران كقوة تتحدّى التوازنات، لا بوصفها دولة فقط، بل كفكرة مقاومة لفكرة أخرى؛ فكرة الهيمنة الغربية التي تمثلها، جزئيا، الولايات المتحدة الأمريكية. أما الإمارات العربية المتحدة، فهي في هذا السياق ليست مجرد ضحية، بل نقطة ارتكاز في شبكة معقّدة من التحالفات والتدفقات الاقتصادية.

تصريح ماكرون يبدو، ظاهريا، استمرارا للخط الفرنسي التقليدي: الدفاع عن القانون الدولي، حماية البنى التحتية المدنية، والدعوة إلى الاستقرار. لكن خلف هذه اللغة، يختبئ قلق أوروبيّ عميق: ماذا لو خرجت المنطقة عن السيطرة بالكامل؟ فرنسا، التي تحمل إرث روني ديكارت في العقلانية، تجد نفسها اليوم أمام عالم لا يدار بالمنطق وحده، بل بالرموز، بالرسائل المشفّرة، وباستعراض القوة. وهنا يصبح خطاب ماكرون أشبه بمحاولة لإعادة فرض «نحو دوليّ» على جملة فوضوية تكتبها الصواريخ.

المفارقة الكبرى تكمن في هذا التناقض: القوى الكبرى تدعو إلى الاستقرار, لكنها تغذّي، بشكل مباشر أو غير مباشر، ديناميكيات الصراع. حين تدين باريس ضربات طهران، فهي لا تتحدث فقط باسم القانون، بل أيضا باسم نظام دوليّ مهدّد. لكن هذا النظام نفسه يعاني من أزمة شرعية، حيث لم تعد مفاهيم «السيادة» و«الردع» تعمل كما في السابق. فلو نظرنا إلى المشهد من زاوية أخرى، لبدت المنطقة كمرآة متكسّرة:
– إيران ككاهن قديم يحرس نارا مقدسة
– الولايات المتحدة كعملاق يحاول إعادة ترتيب الفوضى
– أوروبا، ممثلة بماكرون، كفيلسوف يحاول تفسير العاصفة بدل إيقافها
في هذا العالم، لا تكون الضربات مجرد أفعال عسكرية، بل «نصوصا» تكتب بالنار، تقرأ في العواصم، وتفسَّر بطرق لا نهائية. وصف ماكرون للضربات بـ«غير المقبولة» يطرح سؤالا أكبر: من يملك اليوم سلطة تحديد ما هو مقبول أصلا؟ في زمن تتآكل فيه المعايير، وتتحوّل فيه القوة إلى اللغة الوحيدة المفهومة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو نظام جديد، بل نحو حالة دائمة من «اللا-نظام»، حيث تصبح كلّ إدانة مجرد صدى، وكلّ موقف محاولة يائسة لإمساك ماء يتسرّب بين الأصابع. وهكذا، لا يكون تصريح ماكرون نهاية جملة، بل بداية نصّ مفتوح… نصّ تكتب فصولُه في الخليج، لكن أصداءه تتردّد في كلّ مكان.

