بقلم زكية لعروسي, باريس
في هذا المنعطف الحاد من التاريخ، حيث يضيق مضيق هرمز حتى يبدو كعنق زجاجة كونية. الأخبار تتحول إلى شذرات من ملحمة تتشكل أمام أعيننا. بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، لا يجري صراع على النفوذ فحسب، بل مواجهة بين رؤيتين للعالم، بين زمنين يتنازعان الحاضر. في هذا الممر الذي يعبره خُمس طاقة العالم، تتحول كل ناقلة نفط إلى كائن أسطوري، وكل بارجة إلى جملة في نصّ غير مكتمل. هنا لا تقاس القوة بعدد الصواريخ فقط، بل بالقدرة على خنق الزمن نفسه: إبطاء تدفق الطاقة يعني إرباك إيقاع العالم.
إيران تفهم هذه اللغة جيدا. فهي لا تحارب من أجل النصر العسكري المباشر، بل من أجل إعادة تعريف قواعد اللعبة. أن تهدد هرمز، يعني أن تقول: “أنا لست طرفا، بل شرطًا”. لفهم ما تريده Iran، لا يكفي النظر إليها كدولة قومية. إنها، في جزءٍ منها، مشروع رمزي:
– مقاومة الهيمنة
– تثبيت حضور إقليمي لا يمكن تجاوزه
– تحويل الجغرافيا إلى ورقة تفاوض دائمة
في هذا السياق، تصبح الضربات، أو حتى التهديد بها، أشبه بإشارات في لعبة شطرنج كونية، حيث الهدف ليس إسقاط الملك، بل إعادة ترتيب الرقعة. على الضفة الأخرى، يقف ترامب، لا كسياسي تقليدي، بل كصوت يعيد اختزال العالم إلى معادلة بسيطة: الردع عبر التصعيد. حين يتحدث عن “سحق” أو “تدمير”، فهو لا يرسل رسالة عسكرية فقط، بل يعيد إنتاج منطق قديم: أن القوة، حين تعلن بصوت عال, قد تغني عن استخدامها. لكن هذا المنطق يحمل مفارقته الخاصة: كلما ارتفع الصوت، اقتربت اللحظة التي يصبح فيها الصمت مستحيلا. العالم، في هذه المعادلة، ليس مراقبا محايدا. إنه طرف صامت، يتلقى الصدمات:
– أسواق ترتجف مع كل خبر
– دول تبحث عن بدائل للطاقة
– شعوب تدفع ثمن صراع لا تملك فيه صوتا

هنا، تتحول الحرب من حدث إقليمي إلى ظاهرة كونية، حيث يتردد صدى كل انفجار في أسعار الوقود، وفي قرارات البنوك، وفي قلق الأفراد. لو نظرنا إلى هذا التصعيد بعينٍ عجائبية، لبدت الحرب ككائنٍ هلام يتغذى على الخوف, يكبر مع كل تصريح, ويتنفس عبر الشاشة. إيران تهمس له: “كن طويل النفس” وترامب يصرخ فيه: “كن حاسما”، أما العالم، فيحاول فقط أن ينام دون أن يسمع صوته
– إيران: اعتراف ضمني بأنها قوة لا يمكن تجاوزها، وضمان أمن نظامها عبر التوتر المُدار.
– ترامب/الولايات المتحدة: إعادة فرض الهيمنة وحرية الملاحة، مع تجنب حرب شاملة مكلفة.
– العالم: الاستقرار… حتى لو كان هشا، حتى لو كان مؤقتا.

لكن المشكلة أن هذه الأهداف، رغم أنها تبدو قابلة للتعايش، تتصادم في الوسائل. لا يبدو أن أحدا يريد الحرب الكاملة، لكن الجميع يسير نحوها بخطى محسوبة, كأنهم يختبرون حافة الهاوية دون أن ينووا القفز. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الحرب اليوم لا تبدأ بقرار واضح، بل بانزلاق بطيء، بتراكم إشارات، بسوء فهم صغير يتحول إلى لحظة لا يمكن التراجع عنها. في مضيق هرمز، لا تكتب فقط معادلات الطاقة… بل يكتب أيضا سؤال القرن: هل لا يزال الإنسان قادرا على التحكم في القوى التي أطلقها، أم أن العالم -مثل هذا المضيق الضيق- أصبح أضيق من أن يحتمل كل هذا التوتر؟
📲 Partager sur WhatsApp