بقلم زكية لعروسي، رئيسة جمعية الورقاء
ليس كل ما يُرتدى يُنسب، وليس كل ما يُعرض يؤرَّخ. فبين القماش والهوية، مسافة لا يقطعها المقصّ، بل ينسجها الزمن. القفطان -هذا الكائن الهادئ الذي يبدو قطعة لباس- ليس مجرد زيّ تقليدي، بل نصّ حضاري مكتوب بالخيط، وموقّع بأصابع قرون من الحرفيين. إنه ذاكرة متحركة، تختصر انتقال المغرب من دول إلى دول، من المرابطين إلى الموحدين، ومن المرينيين إلى السعديين، حتى استقرّ في حضرة البلاط العلوي كلباس يُلامس معنى السلطة والذوق معا. في فاس، لم يكن القفطان يخاط فقط، بل كان يفكَّر فيه. هناك، حيث تتحول الحرفة إلى فلسفة، لم يكن “المعلّم” مجرد صانع، بل مؤرخ صامت، يترجم التحولات الاجتماعية والسياسية إلى زخرفة، إلى “سفيفة”، إلى “عقاد”…كان يحمل رمزية الانضباط والجمال معا.
القفطان الملكي، تحديدا، لم يكن لباس زينة، بل كان خطابا. حين كانت السلطانات والأميرات يرتدينه، لم يكن الهدف إبراز الثراء، بل تأكيد الانتماء إلى نظام جمالي مغربي قائم على التوازن: لا إفراط يقتل الرقي، ولا بساطة تُفقر المعنى. لكن، ماذا يحدث حين يُقتطع هذا النص من سياقه؟ حين يؤخذ القفطان من بيئته، ويُعرض كسلعة عابرة في منصات لا تعرف تاريخه، يتحول من “أثر حضاري” إلى “شكل بلا ذاكرة”. هنا يبدأ الخلط: بين من يملك الشيء، ومن يملك حكايته.

التاريخ ليس ديمقراطيا إلى درجة أن يوزَّع بالتساوي على من يطلبه. هو أقرب إلى شجرة نسب، جذورها عميقة، ولا يمكن نقلها بزرعها في تربة أخرى لم تعرفها. محاولات إعادة تقديم القفطان خارج سياقه المغربي ليست إشكالا في حد ذاتها -فالثقافات تتلاقح- لكن الإشكال يبدأ حين يتحول التلاقح إلى ادعاء، وحين يُستبدل الاعتراف بالإنكار. هنا، يصبح السؤال الفلسفي أكثر إلحاحا: هل يمكن لرمز أن يُهاجر دون أن يفقد جنسيته الرمزية؟
القفطان، في مساره التاريخي، لم يكن يوما معزولا. تأثر بالأندلس، تفاعل مع الشرق، لكنه في النهاية أعاد إنتاج نفسه داخل المغرب، حتى صار يحمل “بصمة” لا تُخطئها العين: في القصّة، في الألوان، في التوازن بين الفخامة والانضباط. وهذا ما يجعل نسبه واضحا، ليس بالادعاء، بل بالتراكم. فالحضارات لا تبنى بالقفز، بل بالترسيب. طبقة فوق طبقة، جيلا بعد جيل، حتى يصبح الشيء بديهيا في انتمائه. ما نشهده اليوم ليس صراعا حول لباس، بل حول معنى أعمق: من يملك الحق في السرد؟

في زمن العولمة، حيث يمكن لأي صورة أن تنتشر، وأي عرض أن ينظَّم، يبدو وكأن التاريخ أصبح قابلا لإعادة التوزيع. لكن الحقيقة أبسط وأكثر صرامة: يمكنك أن تعرض القفطان، لكن لا يمكنك أن تصبح تاريخه. وهنا تكمن المفارقة: كلما ابتعد القفطان عن جذوره، ازداد تعلقه بها. وكل محاولة لفصله عن المغرب، تعيد التأكيد -بطريقة غير مباشرة- على مغربيته. ليس المطلوب احتكار الجمال، ولا منع الآخرين من التفاعل معه. بل المطلوب فقط هو ما تطلبه كل حضارة من غيرها: الاعتراف.
الاعتراف بأن القفطان ليس فكرة عابرة، بل نتيجة مسار. وأن هذا المسار له جغرافيا واضحة: من فاس إلى مراكش، من تطوان إلى مكناس، حيث تداخلت السياسة بالفن، والحرفة بالهوية. القفطان لا يحتاج إلى من يدافع عنه… هو أقدم من الجدل، وأعمق من أن يُختزل في عرض أو مهرجان. إنه، ببساطة، أحد تلك الأشياء التي تُثبت أن التاريخ لا يُسرق…بل يُفهم، أو يُساء فهمه. وبين الفهم وسوء الفهم، تتحدد قيمة من يرتدي القفطان… ومن يحاول فقط أن يقلّده.

