بقلم زكية لعروسي، رئيسة جمعية الورقاء ورئيسة تحرير الجريدة
مرة أخرى، تعود الجارة إلى نفس الموال على حد قول إخواننا المصريين. وكأنها لم تُهزم في معركة الأصول، ولم تُكشف في سوق النسب. تريد أن تقنع العالم أن القفطان… جزائري! كيف؟ لا تسأل قارئي العزيز. هي فقط “تريد”. تريد مثلما يريد العطشان السراب، ومثلما تريد العاقر أن تلد، ومثلما يريد السارق أن يبارك له المسروق. “عما تبحث الجارة العذراء؟” يسأل إخواننا النصريون، وهم يضحكون من فوق حدائق الأندلس الضائعة. نعم، عما تبحث؟ عن أب؟ عن أم؟ عن حضارة تنتسب إليها؟ عن صنعة تغطي بها فراغها؟

لقد بحثت في كل شيء: في الكسكس، فوجدت المغرب سبقها. في الحريرة، فوجدت فاس تسبقها. في العود، فوجدت الرستمية مغربية. في الجلباب، فوجدت تطوان أبا شرعيا له. فماذا بقي؟ القفطان. آه، القفطان. ذلك الذي “قدّ على فاس”، كما تقول الأمثال الشعبية التي تحفظها الجدات قبل أن يحفظها التاريخ: “اللي ما عندهاش أصل، تبقى تلحس في الحيطان”. وهذه الجارة، منذ عشر سنوات، تلحس حيطان المغرب. تريد أن تنقش عليها اسمها باسم “التراث المشترك”. لكن التراث المشترك لا ينتزع من الرحم. التراث يُولد، يُربى، يُعرق، يُطرز، ثم “يُشارك” إذا شاء أهله. ولا يُخطف من حانوته في فاس ليوضع على منصة في فونتناي-سو بوا.
يكفي أن تعلن الجارة عن “مهرجان القفطان الجزائري” في فرنسا، بعيدا عن فاس، بعيدا عن تطوان، بعيدا عن أي أرض مغربية. لماذا؟ لأنها تعرف أنها لو أقامته في الجزائر العاصمة، لضحك عليها حتى الحجر. فاختارت باريس… باريس التي لا تعرف الفرق بين القفطان و”الروب دي شامبر”. في باريس، أي كلام يمر. في باريس، حتى التبوريدة تصبح “فلكلورا بدويا” لا يعرفه أحد.
“القفطان روحه مغربية” قارئي. وهذه الجارة تريد أن تسرق الروح. تريد أن تنزع القلب من الجسد وتضعه في جيبها. .ثم تقول: “انظروا! القلب ينبض في جيبي! إذا هو لي!”. لا يا عزيزتي، القلب ينبض بالدم المغربي، وبالصناع المغاربة، وبالعقاد, وبالمغربي الذي لا يزال يطرز “بسم الله الرحمن الرحيم” على صدر القفطان كما كان يفعل منذ ألف عام. السؤال المحوري: لماذا هذه الغريزة في اغتصاب روح القفطان؟
تأمل معي قارئي العزيز. الجارة لا تسعى للتعاون، ولا تسعى للتوثيق. هي تسعى مباشرة إلى “الانتزاع”. تريد أن تغتصب الصنعة كما يُغتصب الجسد: لا عن حب، بل عن حقد وفراغ ونقص. هذا هو الفارق الجوهري: نحن المغاربة: نفتخر، ننشر، نشارك، ندعو, وهي: تنتزع، تلصق، تدّعي، تعلن. نحن لدينا القفطان في العيد، في الأفراح، في الجنائز، في يوميات البيوت والأمهات. هي لديها القفطان فقط في “المهرجانات” و”البوسترات” و”إعلانات الفيسبوك”. القفطان عندها هو “حدث”، وليس “حياة”. وعندما يكون الشيء حدثا لا حياة، يصبح من الصعب تزييفه، لأنه لا جذور له في الذاكرة اليومية.
تقول أمي خيرة “اللي دخل الدار من الشباك، يخرج من الباب تحت النعش”. والجارة دخلت من الشباك يا أمي. لم تأت من الباب الكبير، باب فاس، باب الأصالة. دخلت من الشباك في باريس، من “مهرجان” إلى “مهرجان”، من “تصريح” إلى “تصريح”. وهذا لا يبني ملكية، بل يبني سخرية. هي تريد أن “تُقنع” العالم، لكنها لا تستطيع إقناع نفسها. لأنها تعرف، في أعماقها، أن القفطان له رائحة زيت الزيتون المغربي وليس زيت المائدة الجزائري. تعرف أن النقش “الحراز” فاسي، وأن السفيفة فاسية، وأن العقاد من فاس، وأن السلالة… سلالة الملوك المغاربة الذين لبسوا القفطان قبل أن تكون الجزائر “جزائر”. وهنا نعود إلى السؤال النصري: “عما تبحث الجارة العذراء؟”
الإجابة الآن أكثر وضوحا: تبحث عن “إثبات وجود”. تبحث عن “هوية بديلة”. هي تعيش أزمة وجودية عميقة: “أنا لست فرنسية، ولست مغربية، فماذا أنا؟”. فتقول: “أنا القفطان”. وكأن القفطان يمكن أن يتبنى أمة. لا، يا جارة. القفطان لا يتبنى أحدا. القفطان يُنسج في ورش لا تعرف الحدود الوهمية. يُطرز على أنغام الملحون المغربي، وليس على الرّاي الذي لا يفهم القفطان. وإن أردت دليلا ماديا واحدا، فاطرقيباب أي صانع قفاطين في فاس واسألي: “من أين هذا القفطان؟”. ستسمعين يا جارتي الإجابة التالية: “هذا مغربي، وهذا مغربي، وهذا مغربي. واشنو تصنعو آخر ؟ لا نبيع إلاّ القفطان المغربي.” وسيكون الجواب صادقا، لأن الصدق هو عنوان الأصيل. أما التزييف، فعنوانه قلق دائم وإعلانات مشبوهة.
الجارة الكاركو”، مهما أقامت من مهرجانات، ومهما جمعت من فلوس التذاكر (30 يورو)، ومهما حشدت من أسماء في” ملصقاتها، لن تستطيع… أبدا… أن تغير حقيقة تاريخية واحدة: القفطان مولود في المغرب، ترعرع في المغرب، شب في المغرب، شاخ في المغرب، وسيموت في المغرب. والجارة مدعوة فقط… لتشتريه كزبون، لا كأم. “أما اللي بغات تغتصب الأمومة في شيء، فستبقى عاقرا للأبد.” هذا آخر مثل أحكيه لك اليوم قارئي الكريم… إلى حكاية أخرى، وإقناع الجارة بأن إصرارها ليس سوى عناد جائع.. والجوع لا يصنع تاريخا..
📲 Partager sur WhatsApp
النظام في الحارة يعيش عقدة الخصاء، الذي لم يلد ولم يولد، فقط الهجين هو السائد على كثير من المستويات الوجودية: ما يفسر اجتهادها على مسار السرقة.ذلك لأنها تعتقد انها تريد ان تتحصل على ” أشياء” لا مالك لها. وهي بذلك تنسى أن شيءية الأشياء التي أبدعتها اليد ، تشي بالميتا- فيزيقي- الروحي والرمزي لشعب تاريخي ، القفطان ليس مجرد تجميع للدعناصر تقتنى من السوقويتم تركيبها بشكل تقني، كلا القفطان او الكسكسو ، امتداد لأنتروبولوجيا تتكلم الذاكرة وتاريخ من الابتكار والإبداع. القفطان ليس سلعة، هو تراث يتنفس عبق أرض – مسقط الرأس…..
القفطان ليس مجرد قطعة قماش تُنسب بقرار أو رغبة، بل هو نتاج تاريخ طويل من التراكم الثقافي والتبادل الحضاري في المنطقة المغاربية. الإشكال لا يكمن في من “يريد” نسبه لنفسه، بل في تجاهل مسار تطوره، ووثائقه، وامتداداته الاجتماعية التي تشهد على جذوره. حين يتحول التراث إلى موضوع صراع، نفقد جوهره كجسر بين الشعوب، ونحوله إلى أداة لإثبات النقص بدل التعبير عن الغنى