بقلم زكية لعروسي, باريس
ثمة شيء شاعري وحزين في أن ينخفض استهلاك النبيذ عالميا إلى أدنى مستوى منذ 1957. كأن البشرية، بعد كل هذه الحروب والأوبئة والانهيارات النفسية، وضعت الكأس أخيرا على الطاولة وقالت بتعب خافت: “يكفي.” 208 ملايين هكتولتر فقط. رقم يبدو اقتصاديا في الظاهر، لكنه في العمق يشبه مرثية حضارية كاملة. فالخمر لم يكن مجرد مشروب أبدا. كان دائما مرآة للحضارات. حين تشرب الشعوب كثيرا، فهذا يقول شيئا. وحين تتوقف فجأة عن الشرب، فهذا يقول شيئا أخطر
في فرنسا… بدأت الكروم تشعر بالوحدة. الأمر يتجاوز الاقتصاد. النبيذ هناك ليس سلعة فقط، بل جزء من الهوية الوطنية، مثل الخبز واللغة والجدال الفلسفي والمقاهي الباريسية التي يتحدث فيها الناس عن الثورة بينما يراقبون المطر. كان الفرنسي القديم يشرب النبيذ كما يتنفس: في الغداء، في العشاء، في الأعراس، وفي الجنازات أحيانا. حتى الفلاح الفرنسي كان يعتبر الكرم كائنا حيا من العائلة. لكن فرنسا الحديثة تغيّرت. جيل “تيك توك” و”الفيتنس” وعداد السعرات الحرارية لم يعد يرى الكأس كما رآها أجداده. لقد دخلت البشرية عصر “الجسد المشروع”. الجسد الذي يراقَب، يقاس، ويحسب، ويدار كما تدار الشركات. الشباب اليوم يخافون: السكر، الدهون، الإدمان، الشيخوخة المبكرة، وحتى الانتشاء نفسه. كأن العالم الحديث يريد إنسانا يقظا طوال الوقت، منتجا طوال الوقت، محسوب النبضات طوال الوقت. حتى المتعة صارت تحتاج ترخيصا صحيا.

فما, قارئي العزيز, عن المغرب: هل هو فعلا أقل شربا؟ هنا تصبح الصورة أكثر تعقيدا. في المغرب، الحديث عن الخمر يشبه الحديث عن الأشباح: الجميع يعرف وجودها، لكن الجميع يتحدث عنها همسا أو بنفاق اجتماعي مدهش. رسميا، المغرب مجتمع محافظ. لكن واقعيا، توجد: حانات، خمارات، استهلاك منزلي، سياحة كحولية، وأسواق كاملة تعيش من هذه الصناعة. السؤال الحقيقي ليس: “هل يشرب المغاربة؟” بل: كيف يشربون؟ ولماذا؟ في الماضي، كان التعاطي مرتبطا غالبا: بالطقوس الذكورية, أو الهروب من الفقر،ى أو جلسات الليل الشعبية، أو عالم البوهيميين والفنانين. أما اليوم، فقد تغيّر الأمر. الجيل الجديد أقل تعلقا بالنبيذ التقليدي، وأكثر انجذابا إلى: البيرة الخفيفة المشروبات السريعة, الكوكتيلات أو حتى ثقافة “اللا كحول” الجديدة القادمة من الغرب. لكن هناك تحولا أعمق: المغاربة، مثل كثير من شعوب العالم، صاروا يستهلكون القلق أكثر من الخمر. وهذا أخطر.
منذ فجر التاريخ، كان الخمر أكثر من شراب. عند الإغريق، ارتبط النبيذ بالإله ديونيسوس: إله النشوة والجنون والتحرر من ثقل الواقع. كان الإنسان القديم يشرب ليهرب قليلا من صرامة العالم. حتى الفلاسفة الكبار لم يكونوا دائما أعداء الخمر. أفلاطون نفسه تحدث عن الاعتدال لا المنع المطلق، لأن الإغريق فهموا شيئا مهما: الإنسان يحتاج أحيانا إلى كسر قسوة الوعي. أما الرومان، فقد جعلوا النبيذ جزءًا من الإمبراطورية نفسها. الجيوش تسير، والكروم تزرع، والنبيذ ينتشر كأنه لغة ثانية للسيطرة.

هنا يصبح المشهد أكثر غرابة وإثارة. الإسلام نهى عن شرب الخمر بوضوح ديني وأخلاقي، باعتباره مفسدا للعقل ومصدرا للفوضى الاجتماعية. لكن الحضارة العربية الإسلامية نفسها أنتجت واحدا من أغنى الأدب الخمري في التاريخ. يا للمفارقة. أبو نواس حوّل الخمرة إلى شعر كوني: مرة رمزا للمتعة، ومرة للسخرية من الزهد، ومرة كأنها احتجاج فلسفي على ثقل الحياة. وفي التصوف، تحولت “الخمر” أحيانا إلى استعارة روحية: خمر العشق الإلهي، والسكر بالنور، والفناء في المطلق. حتى في الموروث الشعبي المغربي، كان الناس يقولون: “اللّي ما شربش ما دندنش.” لكنهم في الوقت نفسه يخافون من “الماحيا” كما يخافون من شيطان يسكن الزجاجة. العلاقة العربية بالخمر كانت دائما مزدوجة: رفض أخلاقي، وجاذبية إنسانية دفينة. وهذا التوتر لم ينته أبدا.
لماذا ينخفض الاستهلاك إذن؟ ليس لأن البشرية أصبحت أكثر فضيلة بالضرورة. بل لأن العالم نفسه تغيّر.
– أولا: الأزمة الاقتصادية
النبيذ صار غاليا. والناس حين تضيق بهم الحياة، يبدأون أولا بحذف “الكماليات الوجدانية”.
– ثانيا: الفردانية الحديثة
في الماضي، كان الشرب لحظة جماعية: مقهى، طاولة، أصدقاء، أغان، سهر. اليوم يشرب الإنسان – إن شرب – وحيدا غالبا. والوحدة لا تصنع ثقافة نبيذ. بل تصنع قلقا صامتا.
– ثالثا: صعود ثقافة الصحة
العالم صار مهووسا بالعمر الطويل والرياضة والنقاء الجسدي. حتى السكر أصبح يشعر بالذنب.
رابعا: تغيّر معنى المتعة
الأجيال الجديدة تبحث عن “الدوبامين” في: الهاتف، الألعاب، السوشيال ميديا، والسفر السريع…لم يعد الكأس وحده كافيا لهزّ الروح.
المشكلة ربما ليست في انخفاض استهلاك الخمر. المشكلة أن العالم فقد شيئا أعمق: طقوسه الإنسانية القديمة. في الماضي، كان الناس يجلسون لساعات: يتحاورون، يغنون، يبكون، ويختلفون حول السياسة والحب والقدر. أما اليوم، فالجميع يحدّق في شاشة مضيئة. حتى السُكر نفسه صار رقميا. لقد انتقل الإنسان من خمرة العنب… إلى خمرة الخوارزميات.

ربما لا يشهد العالم نهاية استهلاك النبيذ فقط. ربما يشهد نهاية مرحلة كاملة من الحضارة الإنسانية: مرحلة كان البشر فيها يعرفون كيف يتشاركون الوقت البطيء. النبيذ، في جوهره، لم يكن مجرد كحول. كان اعترافا قديما بأن الإنسان كائن هش، يحتاج أحيانا إلى قليل من الدفء، وقليل من النسيان، وقليل من الموسيقى داخل دمه. لكن العالم الحديث يريد إنسانا مختلفا: يقظا دائما، منتجا دائما، ومراقَبا حتى في لذّاته الصغيرة. ولذلك تبدو الكؤوس اليوم أقل امتلاء…ليس لأن العنب اختفى، بل لأن الأرواح نفسها صارت أكثر جفافا.
📲 Partager sur WhatsApp