بقلم زكية لعروسي, باريس
في الجنوب الشرقي للمغرب، حيث تتوضأ الرمال بعرق القوافل القديمة، وحيث كانت الجِمال تحمل الملح والذهب والعاج والكتب كما تحمل الأمهات أبناءهن في مواسم الخوف، ترقد سجلماسة لا كمدينة ميتة، بل ككائن أسطوري نائم تحت طبقات الزمن. ليست مجرد أطلال من طين، ولا خرائب تنتظر التقاط صورة سياحية، بل ذاكرة كاملة لروح المغرب العميق، ومفترق طرق بين إفريقيا والمتوسط، بين التجارة والتصوف، بين السلطان والولي، بين السوق والزاوية، بين الفقه والسيف.
وحين نشرت بعض المنابر الإعلامية، وعلى رأسها ميديا 24، ما يرتبط بمشروع تهيئة وترميم سجلماسة، انفجرت الأسئلة أكثر مما انفجرت الاحتفالات. فبين فرحة من رأى في المشروع فرصة لإحياء المنطقة اقتصاديا وسياحيا، وقلق من رأى فيه احتمال اغتيال طبقات أثرية لا تعوض، ارتفع صوت عالم الآثار الكبير يوسف بوكبوط، لا باعتباره خصما للتنمية، بل باعتباره حارسا لذاكرة لا تملك لسانا للدفاع عن نفسها.
لقد طرح الباحث القدير أسئلة موجعة، لكنها مشروعة: كيف ستقام تلك التغطية العملاقة الممتدة على آلاف الأمتار؟ كم عدد الأعمدة الخرسانية التي ستغرس في جسد الأرض؟ ما عمق الأساسات التي ستخترق التربة الأركيولوجية؟ وهل أنجزت فعلا دراسة أثر أثرية دقيقة قبل الشروع في المشروع؟ ومن أنجزها؟ ومن اختار الخبراء؟ وهل تم اللجوء إلى طلب عروض دولية تليق بموقع من حجم سجلماسة؟ هذه ليست أسئلة للتشويش كما يحاول البعض تصويرها، وليست نزوة نخبوية لأركيولوجيين يخشون على أحجار صامتة. إنها أسئلة الحضارة حين تخاف من الجرافة. أسئلة التاريخ حين يرى الإسمنت يقترب من عظام القرون.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي أن نقول إن الجهات المعنية بالمشروع ليست بالضرورة في موقع العداء مع العلم أو التراث. فهناك من داخل المؤسسات من يدرك أن سجلماسة ليست مجرد منتوج سياحي قابل للتسويق، بل حرم حضاري ينبغي التعامل معه كما يتعامل المؤمن مع مقبرة أجداده: بخشوع، لا بضجيج المقاولات.
لقد كنا، وما زلنا، من بين المطالبين بإحياء سجلماسة، لأن تركها تنهار تحت الرياح خيانة أخرى لا تقل خطورة عن الترميم الأعمى. كنا نطالب بترميم السوق التاريخي والقصور والمسالك القديمة، بإعادة الروح إلى المكان، بإحياء الاقتصاد المحلي، بفتح أبواب الثقافة والمعرفة أمام أبناء المنطقة الذين عانوا طويلا من التهميش. لكننا كنا نطالب أيضا بأن يتم ذلك بروح التاريخ، لا بروح الصفقات. بروح العلماء، لا بمنطق الإسراع الإداري.
إن سجلماسة ليست فضاء فارغا يمكن أن توضع فوقه هندسة إسمنتية جاهزة. كل ذرة تراب هناك قد تخفي عملة، أو عظما، أو بقايا محراب، أو أثرا لخطوات قافلة عبرت منذ ألف سنة. الأرض هناك ليست أرضا فقط، بل أرشيفا إلهيا مفتوحا. وهنا تكمن عظمة التساؤلات التي أثارها يوسف بوكبوط. فهو لا يرفض التنمية، بل يطالب بأن تمر التنمية من باب المعرفة. لا يرفض السياحة، بل يرفض أن تتحول السياحة إلى أقدام تعبر فوق ذاكرة لم تُقرأ بعد.

ثم إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في بناء سقف عملاق أو أعمدة ضخمة، بل في ما قد يلي ذلك من ضغط سياحي عشوائي. فحين تتحول المواقع الأثرية إلى فضاءات استهلاك سريع، يصبح الزائر عدوا غير مقصود للتاريخ. خطوة واحدة في مكان غير مدروس قد تمحو طبقة أثرية لم تنجُ من ألف سنة إلا لتسحقها أحذية العابرين. لهذا فإن النقاش الحقيقي اليوم ليس: هل نُرمم سجلماسة أم لا؟ بل: كيف نُرممها؟ وبأي فلسفة؟ ومن يملك حق اتخاذ القرار بشأنها؟
إن المطلوب اليوم ليس حربا بين علماء الآثار والسلطات، ولا بين التنمية والثقافة، بل تعاقد حضاري جديد، يضع العلم في مقدمة القرار، ويجعل من الأركيولوجي شريكا لا شاهدا متأخرا على الخراب. إن حماية سجلماسة تقتضي، قبل كل شيء، تصنيفا دقيقا للمناطق الحساسة، وإغلاق بعض الفضاءات أمام الحركة السياحية الكثيفة، وفتح مسارات محددة ومدروسة للزيارة، مع اعتماد مراقبة علمية دائمة أثناء أي أشغال حفر أو تثبيت أو بناء. كما تقتضي إشراك جامعات وطنية ودولية، وخبراء مستقلين، وإعلان نتائج الدراسات للرأي العام بشفافية، لأن التراث ليس ملكا لمؤسسة، بل ملك أمة كاملة.
ولعل أجمل ما يمكن أن تفعله الدولة اليوم هو أن تُثبت أن التنمية ليست نقيضا للذاكرة، وأن المغرب قادر على بناء نموذج يحترم الاقتصاد دون أن يذبح التاريخ. فسجلماسة ليست مجرد مدينة قديمة. إنها مرآة المغرب حين كان يعبر الصحراء بثقة الملوك، وحين كانت القوافل تنام على ضوء النجوم وتستيقظ على صوت الفقهاء. إنها بوابة الذهب الإفريقي، وموطن الأولياء، وذاكرة الدولة، ومهد السلالة العلوية، وأحد آخر الأماكن التي ما تزال تتنفس فيها رائحة القرون الوسطى.
حين نقف اليوم للدفاع عنها، فنحن لا ندافع عن طين متشقق، بل عن معنى المغرب نفسه. عن حق الموتى في أن لا يُمحى أثرهم باسم التنمية. وعن حق الأحياء في أن يرثوا تاريخا حقيقيا، لا نسخة إسمنتية مصقولة للسياح. في سجلماسة، لا يتواجه مشروعان فقط. بل يتواجه تصوران للحضارة: حضارة ترى في التاريخ مادة للتأمل والتواضع والإنصات، وأخرى قد تسقط – دون قصد – في إغراء تحويل الذاكرة إلى ديكور. ولذلك، فإن الحكمة ليست في رفض المشروع، ولا في التصفيق الأعمى له، بل في صناعة توازن نادر بين نبض الحياة وحرمة الموتى. فالأمم العظيمة ليست تلك التي تبني بسرعة، بل تلك التي تعرف أين تضع قدمها حين تمشي فوق عظام أجدادها. وسجلماسة… ليست أرضا عادية. إنها كتاب مفتوح كتبه الرمل، وختمه الأولياء، وحملته القوافل، ودفنته القرون في انتظار من يقرأه بخشوع لا بضجيج.
📲 Partager sur WhatsApp
مقال جميل ..كل التحية والتقدير..
عصر التقنية كون موظفين لا ينفتح ن على الأمكنة والأرض بصفة عامة سوى بلغة الحساب والقياس ليس إلا ، لغة باردة لا تعترف لا بالجغرافيا ولا بالتار يخ، الأرض بالنسبة لهم امتداد رياضي اخرس لا يتنفس لا ذاكرة ولا أثر. لغة التراكس والهدم والخرسانة….ما يجعل أنور التعمير تتخذ خارج خصوصية المجال، جبلي، واحي، صحراوي…الاسمنت واحد المكان، ما يخفي بعد التعدد والاختلاف من لغة التعمير.