خزان الوقود مرآة لقلق المجتمعات

بقلم زكية لعروسي, ميرة جرية الورقاء-باريس

لم تعد محطات الوقود مجرد أماكن للتزود بالطاقة، بل غدت مرايا تعكس اضطراب العالم. فكلّ قطرة بنزين تحمل في داخلها صدى الحروب، وارتجاج الأسواق، وقلق الأسر التي تجد نفسها مضطرة لإعادة رسم تفاصيل حياتها اليومية. وما كان في الأمس رحلة عائلية عفوية أو نزهة نهاية الأسبوع، صار اليوم قرارا اقتصاديا يسبق اتخاذه حساب طويل. تكشف دراسة حديثة أجراها معهد إيفوب لصالح مؤسسة جان جوريس أن غالبية السائقين في فرنسا غيّروا عاداتهم بسبب ارتفاع أسعار المحروقات، وهو ارتفاع ارتبط بالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. ولم يعد الأمر مجرد زيادة في فاتورة الوقود، بل تحول إلى عبء يلامس تفاصيل الحياة، من التنقل والعمل وحتى الترفيه والعطل.

وتفيد نتائج الدراسة بأن نسبة كبيرة من الفرنسيين باتت تقلّص عدد رحلاتها، فيما اختار كثيرون التخلي عن خرجات عائلية أو نشاطات ترفيهية حفاظا على توازن ميزانياتهم. وهكذا تحولت السيارة، التي كانت رمزا للحرية والانطلاق، إلى مساحة للحسابات الدقيقة، وصار عداد الوقود يروي حكاية اقتصاد يضغط على أعصاب الطبقة الوسطى قبل غيرها. وفي خلفية هذا المشهد تقف أسواق الطاقة العالمية مثل بحر هائج، تقذفه الرياح السياسية من شاطئ إلى آخر. فكل توتر إقليمي يرسل أمواجه إلى مضخات الوقود في المدن البعيدة، وكأن العالم بات جسدا واحدا يشعر بالألم مهما ابتعدت الجراح عن أطرافه.

ولعل السؤال الأكثر حضورا اليوم ليس كم يبلغ سعر لتر الوقود، بل كم تدفع المجتمعات ثمنا لهذا السعر. فالأرقام المعلنة على اللوحات الإلكترونية لا تعكس سوى جزء من الحقيقة، أما الثمن الحقيقي فيقاس بالرحلات المؤجلة، واللقاءات العائلية التي لم تعد ممكنة، والأحلام الصغيرة التي تراجعت أمام ضرورات المعيشة. إن أزمة الطاقة لم تعد مجرد ملف اقتصادي، بل أصبحت اختبارا لقدرة المجتمعات على الصمود والتكيف. وفي زمن تتشابك فيه السياسة بالطاقة، والاقتصاد بالجغرافيا، يظل المواطن الحلقة التي تستقبل كل موجات العواصف، فيما يبقى خزان الوقود شاهدا صامتا على عالم يزداد اضطرابا يوما بعد يوم.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *