بقلم زكية لعروسي, باريس
كان الإنسان القديم يخاف الغابة. ليس بسبب الذئاب فقط، بل لأن الظلام كان مجهولا، ولأن الطفل، في ذلك الزمن البعيد، كان يخفى داخل الكهوف خوفا من العالم الخارجي. لكن المأساة الكبرى اليوم، في قلب المدن الحديثة، أنّ الغابة لم تعد خارج الأسوار… لقد دخلت إلى المؤسسات التي صُمّمت أصلا لحماية الطفولة. في باريس، المدينة التي قدّمت نفسها طويلا كعاصمة الأنوار، تنفجر اليوم أسئلة أكثر ظلمة من الليل نفسه. أكثر من مائة مؤسسة تربوية وشبه تربوية تخضع للتحقيق بسبب شبهات عنف، وتهديدات، وإهانات، وحتى اعتداءات جنسية محتملة على أطفال بالكاد تعلّموا نطق أسمائهم الأولى. أطفال يفترض أن العالم كلّه أُنشأ لحمايتهم، فإذا بهم يجدون أنفسهم محاصرين داخل مراحيض مظلمة، أو داخل خوف لا تستطيع اللغة الطفولية وصفه.

أيُّ زمن هذا الذي صار فيه الطفل يخاف المكان الذي تتركه فيه أمّه مطمئنّة؟ لقد تغيّر العالم، نعم… لكن ليس كما كنّا نظن.
لم يتغيّر فقط بالذكاء الاصطناعي، ولا بسرعة الإنترنت، ولا بتحوّل البشر إلى كائنات رقمية. التغيّر الأكثر رعبا حدث في العمق الأخلاقي للإنسان المعاصر. هناك شيء ما انكسر في الروح الجماعية الحديثة، شيء جعل الإنسان أقلّ قدرة على الرحمة، وأكثر قابلية للتحوّل إلى آلة باردة حتى وهو يبتسم. الفيلسوفة الألمانية حنا آرندت سمّت ذلك يوما: “تفاهة الشر”.
الشرّ لم يعد دائما وحشيا أو شيطانيا كما تصوّرناه قديما، بل صار عاديا، إداريا، يوميا، يمارسه أشخاص يذهبون صباحا إلى العمل ثم يعودون مساء ليشربوا القهوة وكأن شيئا لم يحدث.
وهذا بالضبط ما يجعل ما يجري في مؤسسات الطفولة مرعبا إلى هذا الحد. نحن لا نتحدث عن وحوش خرجت من الأساطير، بل عن بشر يعيشون بيننا، يحملون بطاقات عمل، ويملؤون استمارات إدارية، ثم ينهار داخلهم الحدّ الفاصل بين الحماية والعنف. لكن السؤال الأعمق ليس فقط: من ارتكب هذه الأفعال؟ بل: كيف أنتجت المجتمعات الحديثة هذا النوع من البرودة الأخلاقية؟

لقد دخل العالم، منذ عقود، في مرحلة تآكل المعنى. الأسرة تفككت تحت ضغط السرعة الاقتصادية. المدرسة فقدت هيبتها التربوية وصارت مؤسسة لإدارة الوقت أكثر من بناء الإنسان. الأبوان يعملان بلا توقف، منهكان، مطاردان بالفواتير والقلق، فيسلّمان أبناءهما لنظام بيروقراطي ضخم لا يعرف أسماء الأطفال بقدر ما يعرف أرقام الملفات. وهنا تحدث الكارثة الصامتة:
حين يتحوّل الطفل من “روح” إلى “ملف إداري”.
لقد كان الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو يرى أنّ المؤسسات الحديثة، مهما بدت إنسانية، تحمل دائما وجها خفيا من السلطة والانضباط والسيطرة. المدرسة، المستشفى، السجن… كلها قد تتحوّل، حين يختفي الضمير، إلى آلات لإنتاج الطاعة والخوف. وفي قلب هذه الآلة، يصبح الطفل الحلقة الأضعف. لكن ثمة شيء أكثر مأساوية من العنف نفسه: ذلك الشعور الجماعي بالعجز. الآباء اليوم لا يخافون فقط من الشارع، بل حتى من الأماكن التي يفترض أنها “آمنة”. صار الخوف بلا جغرافيا. لم يعد أحد يعرف أين يبدأ الخطر وأين ينتهي.
في المجتمعات التقليدية القديمة، كان الشر واضحا نسبيا: قطاع طرق، حروب، مجاعات. أما اليوم فالشر يرتدي أحيانا ملابس المربّي، أو المعالج، أو الموظف الهادئ. كأن الحضارة الحديثة نجحت في ترويض الوحش الخارجي، لكنها أطلقت الوحش الداخلي. وهنا تتجلّى المفارقة الكبرى: كلما تقدّمت البشرية تقنيا، بدت أكثر هشاشة أخلاقيا. لدينا كاميرات في كل مكان، لكننا فقدنا الطمأنينة. لدينا قوانين أكثر من أي زمن مضى، لكن الخوف يتسع كالبحر. ولذلك فالأزمة ليست فرنسية فقط، ولا أوروبية فقط، بل أزمة حضارية كاملة. إنها أزمة عالم تحوّل فيه الإنسان إلى كائن مرهق، مقطوع عن المعنى، يلهث خلف الإنتاج والاستهلاك حتى فقد حساسيته تجاه البراءة.
وحين يقول الناس بمرارة شعبية: “ما بقاش يقدّو لا خضر لا يابس”…فهم لا يصفون فقط انفلات العنف، بل يصفون انهيار الثقة نفسها، تلك المادة الخفية التي تقوم عليها المجتمعات. لقد صار الأب يخاف على ابنه من العالم كله، لأن العالم نفسه يبدو وكأنه فقد بوصلته الأخلاقية. وربما المأساة الأشد قسوة أن الطفل، الذي كان آخر منطقة مقدسة في الوعي الإنساني، لم يعد مقدسا كما كان. وهكذا، بينما تتراكم التحقيقات والبيانات الرسمية والخطط الحكومية، يبقى السؤال الحقيقي معلّقا فوق هذا العصر مثل غيمة سوداء: كيف وصل الإنسان الحديث، بعد كل هذا التقدم، إلى لحظة يخاف فيها الطفل من المكان الذي قيل له إنه وجد لحمايته؟
📲 Partager sur WhatsApp