ماركو روبيو: السياسة والمعيور في عباب إيبولا

بقلم زكية لعروسي, باريس

في العالم الحديث، لم تعد الفيروسات مجرد كائنات بيولوجية عمياء تتنقل بين الأجساد، بل أصبحت – في زمن الإمبراطوريات المتوترة – أدوات رمزية داخل حرب كونية على النفوذ والخوف والسرديات الكبرى. هكذا، وبينما كانت غابات الكونغو تئنّ تحت وطأة إيبولا، خرجت واشنطن لتطلق سهامها مجددا نحو منظمة الصحة العالمية، متهمة إياها بالتأخر في اكتشاف الوباء. لكن خلف هذا الخطاب الصحي الظاهري، يتحرك شيء أعمق وأكثر ظلمة: صراع على من يملك حق تفسير الكارثة… ومن يحتكر شرعية إنقاذ العالم.

إن الولايات المتحدة، التي انسحبت من منظمة الصحة العالمية في عهد ترامب، لا تخوض فقط معركة ضد مؤسسة دولية، بل ضد فكرة عالم متعدد الأقطاب الصحية والمعرفية. فحين يتهم ماركو روبيو المنظمة بالتقصير، فإنه لا يتحدث كلغة الطب وحدها، بل بلغة الإمبراطورية الجريحة التي لم تعد تحتمل وجود سلطة عالمية لا تخضع بالكامل لإيقاعها. وكأن إيبولا نفسه تحوّل إلى مرآة سوداء يرى فيها الغرب هشاشته.

منذ الطاعون الأسود في أوروبا القرون الوسطى، كانت الأوبئة دائمًا لحظات تعرية فلسفية للحضارات. حين انتشر الموت في شوارع فلورنسا والبندقية، انهارت أوهام التفوق البشري، وبدأ الإنسان الأوروبي يشك لأول مرة في معنى السلطة والكنيسة والعلم. واليوم، يعود المشهد بصيغة أكثر تعقيدا: أمريكا، القوة الأعظم، تواجه فيروسا خرج من قلب إفريقيا، لكنها بدل أن تواجه فقط المرض، تواجه أيضا تراجع قدرتها على التحكم في المؤسسات العالمية التي صنعتها بعد الحرب العالمية الثانية.

هنا تستيقظ أشباح الإغريق. ثوسيديديس، المؤرخ اليوناني الذي وصف طاعون أثينا، كتب أن الأوبئة لا تقتل الأجساد فقط، بل تكشف فساد السياسة وانهيار الأخلاق الجماعية. أما أرسطو فكان يرى أن الدولة التي تفقد قدرتها على حماية الحياة تفقد شرعيتها الرمزية أمام شعبها. لكن القرن الحادي والعشرين أضاف بعدا جديدا أكثر غرابة: الأوبئة أصبحت سلاحا داخل الجيوبوليتيك. فإيبولا لم يعد مجرد ملف صحي إفريقي، بل عقدة تتشابك فيها الصين وأمريكا وشركات الأدوية ومنظمات الأمم المتحدة ومليارات الدولارات الخاصة بصناعة اللقاحات والطوارئ الصحية. المرض هنا يتحول إلى «معيور» هائل… إلى طاحونة سوداء تدور داخل عباب السياسة العالمية وتسحق في طريقها الحقائق والأرواح معًا.

وفي الخلفية، تبدو إفريقيا مرة أخرى كالمسرح الأبدي للمآسي الكونية. القارة التي استُنزفت قرونا بالاستعمار والحروب والنهب، تجد نفسها دائما نقطة الانطلاق لكل خوف عالمي: الفقر، المجاعة، الإرهاب، الأوبئة. المفارقة المرعبة أن العالم لا يتذكر إفريقيا إلا حين يخاف منها. هنا يطل فرانز فانون من عمق الذاكرة الاستعمارية ليقول إن الغرب لا يرى الجنوب إلا كفضاء للأزمات، لا كعالم بشري كامل. بينما يهمس فوكو بأن السلطة الحديثة لا تُدار بالسلاح فقط، بل أيضا بإدارة الخوف الصحي والذعر الجماعي.

أما أمريكا، فهي تدرك أن الحرب القادمة لن تكون فقط عسكرية أو اقتصادية، بل «حرب سيادة معرفية»: من يحدد متى يبدأ الوباء؟ من يعلن الطوارئ؟ من يبيع اللقاح؟ ومن يملك الرواية الإعلامية للكارثة؟ إنها حرب على الحقيقة نفسها. وكأننا داخل رواية عملاقة كتبها الذكاء الاصطناعي: قارات خائفة، ومنظمات دولية متآكلة، وإمبراطورية أمريكية تشك في العالم الذي صنعته بيديها، بينما يخرج فيروس صغير من الغابات ليكشف أن الحضارة الحديثة، بكل أقمارها الصناعية ومختبراتها، لا تزال ترتجف أمام كائن مجهري لا يُرى. قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل تأخرت منظمة الصحة العالمية؟ بل: هل دخل العالم عصرا جديدا تصبح فيه الأوبئة نفسها جزءًا من خرائط النفوذ الإمبراطوري والحروب الباردة الجديدة؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *