المجتمع الغربي والتفكك الأسري وسط الجاليات

بقلم الصحافي حيمري البشير, كوبنهاغن – الدنمارك

التفكك الأسري وسط الجاليات المسلمة في المجتمعات الغربية لم يعد مجرد ظاهرة عابرة أو حالات معزولة، بل أضحى جرحا اجتماعيًا وثقافيا عميقا ينخر جسد الأسرة المسلمة في صمت، ويهدد هوية أجيال كاملة بالضياع والانسلاخ عن جذورها الدينية والحضارية. إنها أزمة مركبة تتداخل فيها المؤثرات الثقافية الغربية مع ضعف الوعي الديني والتربوي، وغياب التأطير الحقيقي داخل المؤسسات الإسلامية، لتتحول الأسرة المسلمة في كثير من الأحيان إلى ساحة صراع خفي بين قيم الإسلام وثقافة الغرب.

لقد أصبحت الأسرة المسلمة في الغرب تعيش حالة من التمزق الداخلي بين التشبث بالهوية الإسلامية وبين الانبهار بالنموذج الغربي الذي يرفع شعارات الحرية الفردية والتحرر والانفتاح بلا ضوابط. وفي خضم هذا الصراع، يجد الأبناء أنفسهم الضحية الأولى، يدفعون ثمن الخلافات الزوجية والتفكك الأسري والانفلات التربوي، فينشؤون وسط ازدواجية قاتلة بين ما يسمعونه داخل البيت وما يفرضه عليهم المجتمع الخارجي.

إن جزءا كبيرا من هذه الأزمة يعود إلى غياب الثقافة الإسلامية الأصيلة لدى عدد من النساء المسلمات اللواتي تأثرن بخطابات جمعيات نسوية غربية لا تراعي خصوصية الأسرة المسلمة ولا قدسية ميثاق الزوجية في الإسلام. فتحوّل مفهوم الحرية لدى البعض من حق مشروع إلى تمرد على الثوابت، ومن مشاركة مجتمعية إيجابية إلى انسلاخ تدريجي عن القيم الدينية والأخلاقية التي تحفظ للأسرة توازنها واستقرارها.

كما أن المؤسسات الإسلامية والمساجد في الغرب تتحمل جزءا من المسؤولية، لأنها في كثير من الأحيان اختزلت دورها في إقامة الشعائر الدينية، بينما تراجعت رسالتها التربوية والتوجيهية. فالمسجد ليس فقط مكانا للصلاة، بل منارة لبناء الوعي، وحصنا لحماية الأسرة، ومنبرا لتصحيح المفاهيم المغلوطة حول العلاقة الزوجية وحقوق الزوجين وواجباتهما وفق هدي القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم. إن العلاقة بين الزوجين في الإسلام قائمة على المودة والرحمة والاحترام المتبادل، لا على الصراع والتحدي وكسر الأدوار الفطرية داخل الأسرة. وقد جسد النبي صلى الله عليه وسلم أسمى صور المعاملة الراقية مع زوجاته، كما قدم الصحابة رضوان الله عليهم نماذج مشرقة للأسرة المتماسكة المبنية على الإيمان والتكافل والسكينة.

غير أن الواقع في عدد من المجتمعات الغربية يكشف عن اتساع الهوة الثقافية داخل الأسرة المسلمة؛ فالأب غالبًا ما يُستنزف في العمل لتأمين لقمة العيش، بينما تتحمل الأم عبء التربية في بيئة مفتوحة على كل التأثيرات الفكرية والسلوكية. وفي غياب التنسيق والتوجيه الديني السليم، تصبح الأسرة عرضة للتفكك، ويكبر الأبناء في فراغ روحي وثقافي يجعلهم أكثر قابلية للذوبان الكامل في المجتمع الغربي. ولا يمكن إنكار أن التقليد الأعمى لبعض أنماط الحياة الغربية، خاصة ما يتعلق بالاختلاط والانفلات الأخلاقي وتفكيك مفهوم الأسرة، ساهم في تأجيج الصراعات داخل كثير من البيوت المسلمة. فحين تتحول الحرية إلى قطيعة مع الهوية، يصبح الانسلاخ الثقافي والديني نتيجة حتمية، وتفقد الأسرة المسلمة توازنها ورسالتها التربوية.

إن الحفاظ على الأسرة المسلمة في الغرب لا يكون بالانغلاق ولا بالصدام مع المجتمع، بل بالوعي، والتربية، وتعزيز المرجعية الإسلامية الوسطية، وبناء جسور الثقة والحوار داخل البيت المسلم. كما أن على الآباء والأمهات أن يدركوا أن تربية الأبناء مسؤولية مشتركة، وأن الهوية الإسلامية لا تُحفظ بالشعارات، بل بالقدوة الصالحة والتربية الحكيمة والانتماء الحقيقي للدين والقيم. فالأمم لا تنهار فقط بالحروب، بل تنهار أيضا حين تتفكك الأسرة، ويضيع الأبناء، وتُقتلع الهوية من النفوس. والأسرة المسلمة في الغرب اليوم أمام امتحان حضاري حقيقي: إما أن تحافظ على توازنها وقيمها، أو تذوب تدريجيا في عالم لا يرحم الضعفاء ثقافيا وروحيا.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *