حين يدخل السياسيون دهاليز المحاكم

بقلم زكية لعروسي, باريس

في فرنسا التي شيّدت جمهوريتها على أنقاض الملوك، لا تزال المحاكم تملك سلطة استدعاء الرجال الذين ظنّوا يوما أن الدولة امتداد طبيعي لظلالهم الشخصية. وهكذا، يجد إدوار فيليب، الرجل الذي كان قبل سنوات يجلس في قلب السلطة الفرنسية كرئيس للوزراء، نفسه اليوم داخل متاهة قضائية تحمل كلمات ثقيلة كالرصاص: «اختلاس أموال عامة»، «محاباة»، «تضارب مصالح»، و«استغلال النفوذ». لكن القضية، في عمقها، ليست قضية رجل واحد. إنها واحدة من تلك اللحظات التي ينكشف فيها الجرح القديم للديمقراطيات الحديثة: العلاقة الغامضة بين السياسة والمال، بين الخدمة العامة والرغبة البشرية الخفية في السيطرة، بين الجمهورية كفكرة أخلاقية، والسلطة كإغواء أبدي.

في مدينة لوهافر، الميناء الذي عرف منذ قرون عبور السفن والبضائع والأحلام الاستعمارية، يبدو المشهد قاتما. جمعيات، أموال عمومية، مشاريع رقمية، شخصيات متداخلة في السلطة المحلية… ثم امرأة تقرر أن ترفع الستار عن ما تعتبره «منطقة رمادية» داخل إدارة المدينة. هنا تبدأ الرواية الفرنسية الحديثة: ليس بالسيوف ولا بالانقلابات، بل بالمستندات، والتوقيعات، والعقود، والتحقيقات المالية. السياسي الحديث لم يعد يسقط في ساحة المعركة، بل في دهاليز القضاء. لكن السؤال الأكثر رعبا ليس: هل إدوار فيليب مذنب أم بريء؟ السؤال الحقيقي هو: لماذا تتكرر دائما هذه العلاقة الملتبسة بين السلطة والمال في كل الأنظمة، حتى أكثرها ديمقراطية؟

منذ روما القديمة، فهم الفلاسفة أن السلطة تحمل في داخلها بذرة الفساد. شيشرون كان يحذر من أن الجمهورية لا تنهار دفعة واحدة، بل تبدأ حين يتحول المنصب العام إلى أداة للمصلحة الخاصة. ثم جاء مكيافيلي، الأكثر برودة وواقعية، ليقول ضمنيًا إن الأخلاق والسياسة لا تسيران دائمًا في الاتجاه نفسه. وفي القرن التاسع عشر، كتب دوستويفسكي أن الإنسان لا يسقط بسبب الشر وحده، بل بسبب قدرته على تبرير الشر لنفسه. وهنا يكمن الرعب الحقيقي. فالسياسي لا يبدأ عادة باعتباره فاسدا؛ بل يبدأ مقتنعا أنه يخدم «المصلحة العامة»، ثم شيئًا فشيئا تصبح الحدود بين الدولة والشبكة الشخصية ضبابية. الأصدقاء يتحولون إلى شركاء، والجمعيات إلى دوائر نفوذ، والمال العام إلى مادة مرنة داخل خطاب «التنمية» و«الابتكار» و«المشاريع المستقبلية».

قضية «المدينة الرقمية» في لوهافر تكشف هذا التشابك الحديث بين السياسة والتكنولوجيا والتمويل المحلي. ففي عصر الاقتصاد الرقمي، لم تعد شبكات النفوذ تُبنى فقط حول العقارات والصفقات التقليدية، بل أيضا حول الابتكار، والشركات الناشئة، والمنظومات الرقمية التي تبدو في ظاهرها عصرية ونظيفة، لكنها قد تخفي خلفها البنية القديمة نفسها: السلطة تبحث عن إعادة إنتاج ذاتها. فرنسا، مثل كثير من الديمقراطيات الغربية، تعيش اليوم أزمة ثقة عميقة. المواطن لم يعد يرى السياسي كخادم جمهوري، بل ككائن يتحرك داخل عالم مغلق من الامتيازات والعلاقات المتشابكة. لذلك، كل تحقيق قضائي ضد شخصية سياسية يتحول فورا إلى محاكمة رمزية للنظام بأكمله.

لكنّ المؤلم أن الديمقراطية تحتاج إلى السياسيين… وتخاف منهم في الوقت نفسه. ولهذا تبدو المحاكم الحديثة كأنها كنائس علمانية جديدة، يدخلها السياسيون لا للاعتراف بالخطيئة أمام الرب، بل أمام الرأي العام. في الخلفية، يقف مونتسكيو شاحبا وهو يراقب حلم «فصل السلطات» يتحول إلى معركة مستمرة بين القضاء والسياسة والإعلام. بينما يهمس نيتشه بسخريته السوداء: «كل سلطة تخفي رغبة قديمة في الهيمنة». إدوار فيليب قد يخرج بريئا أو مدانا، لكن القضية أكبر من مصيره الشخصي. إنها مرآة لعصر أصبحت فيه الديمقراطية نفسها تعيش تحت الشبهة الدائمة، حيث يتحول كل مشروع عام إلى سؤال أخلاقي، وكل سياسي إلى متهم محتمل أمام محكمة التاريخ. وكأننا فعلا داخل رواية روسية ضخمة: رجال دولة يسيرون فوق جليد هش، وقضاة يطاردون الحقيقة وسط الضباب، وجمهور متعب لم يعد يعرف إن كان يبحث عن العدالة… أم عن آخر بقايا الإيمان بالجمهورية.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *