بقلم زكية لعروسي, باريس
كان العيد قديما يشبه نهرا من الأرواح. لا أحد يعرف كيف كانت البيوت تتّسع لكل ذلك الفرح، وكيف كانت الأمهات يخبزن الضوء مع الخبز، وكيف كان الآباء يعودون من الأسواق كأنهم يحملون الدنيا فوق أكتافهم، وكيف كانت الأزقة الصغيرة تبدو أوسع من الإمبراطوريات لأن قلبا واحدا كان يكفي لتسكنه العائلة كلّها. ثم حدث شيء غامض. شيء لا تشرحه السياسة وحدها، ولا الاقتصاد وحده، ولا التكنولوجيا وحدها. شيء يشبه تسرّب المعنى من ثقوب العالم. وفجأة، صار العيد يصل مثل موظف متقاعد. باهتا. متعبا. يطرق أبوابا مغلقة من الداخل. لم يعد العيد عيدا؛ بل صار ذكرى عن عيد قديم. كأن الأعياد نفسها دخلت سنّ اليأس الروحي. في السابق، كان عيد الأضحى طقسا هائلا لإعادة ترميم العالم. لم يكن الذبح مجرد ذبح… كان إعلانا رمزيا أن الإنسان قادر على التضحية بشيء من ذاته كي تستمر الرحمة بين الناس. كانت الأضحية لغة سرّية تقول إن البشر لا يعيشون بالخبز وحده، بل بالتقاسم، بالتوادّ، بتوزيع اللحم كما توزَّع الطمأنينة.
أما اليوم، فقد تحوّل العيد في كثير من الأماكن إلى معرض استهلاكي ضخم: صور خراف، فواتير، توتر مالي، سباق تفاخر، وموائد مكتظة فيما الأرواح جائعة. لقد ضحّينا بالخروف…لكننا نسينا أن نذبح الوحش الحقيقي الذي يكبر داخلنا: الأنانية. وهنا تبدأ الكارثة. فالناس لم يعودوا يختلفون فقط؛ لقد أصبحوا عاجزين حتى عن التسامح. إخوة لا يتصلون ببعضهم. أمهات ينتظرن رنين هاتف لا يأتي. آباء يشيخون داخل الصمت. عائلات كاملة تحولت إلى جزر متباعدة داخل أرخبيل بارد اسمه “الحياة الحديثة”. كل شيء صار مهيّأ للتواصل، لكن الأرواح نفسها انسحبت من العالم. المفارقة المرعبة. في زمن تستطيع فيه أن ترى وجه إنسان في آخر الأرض بضغطة إصبع، أصبح من المستحيل أحيانا أن تصل إلى قلب أخيك الذي يسكن على بعد شارع واحد. لقد اتّسعت الوسائل…وضاقت النفوس. وهذه هي المأساة الكبرى للحضارة الحديثة: قرّبت الأجساد وأبعدت الأرواح. كنا نظن أن العولمة ستجعل العالم قرية صغيرة، لكنها حوّلت الإنسان إلى غرفة صغيرة مغلقة على خوفه ونرجسيته ووحدته. صار الفرد المعاصر مشروع نجاة شخصية لا مشروع عائلة. ولهذا لم تعد الأعياد تعاش كما كانت. الطفولة كانت تمنح العيد معناه الكوني. كان العيد آنذاك أكبر من الواقع نفسه. ثياب جديدة، رائحة الشواء، تكبيرات الفجر، زيارات لا تنتهي، نساء يضحكن من القلب، أطفال يركضون كأن الزمن خلِق لهم وحدهم.
أما الآن، فإن كثيرا من الناس يستقبلون العيد كما يستقبل إشعار بنكي إضافي أو مناسبة اجتماعية مرهقة. ماذا حدث لنا؟ هل كبرنا فقط؟ أم أن العالم نفسه فقد براءته؟ ربما نحن لا نفتقد العيد بقدر ما نفتقد النسخة القديمة من أنفسنا. لقد تبددت العائلات لأن الزمن الحديث أعاد تعريف الإنسان نفسه. في المجتمعات القديمة، كان الفرد يُعرّف عبر الجماعة: العائلة، الحي، القبيلة، الذاكرة المشتركة. أما اليوم، فالفرد يعرّف عبر نجاحه الشخصي، استقلاله، صورته، حسابه البنكي، عدد متابعيه، قدرته على النجاة وحده. لقد تحوّل الإنسان من “كائن ينتمي” إلى “كائن ينافس”. ومن هنا بدأ الخراب الصامت للأعياد. حتى الهجرة غيّرت معنى العيد. في المنافي الأوروبية والخليجية والأمريكيتين، صار ملايين العرب والمسلمين يعيشون العيد كطقس حنين أكثر منه طقس فرح. العيد هناك يشبه حقيبة قديمة امتلأت بروائح الوطن. مكالمات قصيرة، صور عبر الهاتف، أمهات يبكين بصمت بعد انتهاء الاتصال، وآباء يخفون انكسارهم خلف الدعاء. إن المهاجر لا يخسر جغرافيته فقط؛ إنه يخسر إيقاع العائلة. ولهذا تصبح الأعياد في المنفى شديدة القسوة. إنها تذكّر الإنسان بكل الذين لم يعودوا حول المائدة. وقد فهم أسلافنا هذه المأساة مبكرا.
كان الجاحظ يدرك أن المجتمعات لا تنهار فقط بالفقر، بل بانهيار الألفة بين البشر. وفي كتب التراث العربي، لم يكن العيد مناسبة دينية فحسب، بل كان “اختبارا أخلاقيا” لسلامة المجتمع: هل ما تزال القلوب متصلة؟ هل ما يزال الجار يعرف جاره؟ هل ما يزال الغني يشعر بجوع الفقير؟ حتى ابن خلدون حين تحدث عن سقوط العمران، لم يكن يقصد الحجارة فقط، بل تفكك العصبية الإنسانية التي تحفظ المجتمعات من التحول إلى أفراد معزولين. والأندلس نفسها، قبل سقوطها، لم تسقط عسكريا فقط؛ لقد سقطت حين تفككت الأرواح أولا. كل الحضارات تبدأ بالتماسك…ثم تنتهي بالوحدة. ولهذا يبدو عيد الأضحى اليوم كأنه مرآة مرعبة لحالتنا الوجودية. نحن لا نعيش أزمة عيد، بل أزمة معنى. أزمة بشر فقدوا قدرتهم على الدهشة الجماعية. لقد أصبح العالم سريعا أكثر مما ينبغي، ماديا أكثر مما ينبغي، فردانيا أكثر مما ينبغي. حتى الحب نفسه صار يستهلك بسرعة. ولذلك لم تعد الأعياد قادرة وحدها على إنقاذنا. فالطقوس تبقى، لكن الروح التي كانت تسكنها انسحبت بهدوء.
ومع ذلك…ربما لا يزال هناك شيء يمكن إنقاذه. ربما يبدأ العيد الحقيقي حين نتوقف عن شراء الفرح ونعود إلى صناعته. حين نتصل بمن خاصمناه. حين نزور أمّا وحيدة. حين نعيد ترتيب المائدة لا الطعام فقط. حين نفهم أن الأضحية لم تكن يوما مسألة لحم، بل مسألة قلب. لعل الله لم يرد من البشر أن يذبحوا الخراف فقط، بل أن يذبحوا القسوة التي نمت داخلهم عبر السنين. فما جدوى الأعياد إذا كانت الأرواح نفسها قد هجرت بيوتها؟
📲 Partager sur WhatsApp
لم تم اختزال فعل التدين إلى مجرد مظهر اجتماعي لارضاء التشابه، لا ترجمة لمعتقد على مستوى السلوك والمواقف والكلام، ولا كعلاقة، أساسا، بين الإنسان وخالقه، انهار كل شيء.