بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء
في مدينة يابانية تعرف كيف تعلم المطر فن الانضباط، وكيف تقيس الصمت بمسطرة من خزف، استيقظت الفيزياء ذات ليلة وهي تعاني نوبة من السهو. نسيت أن السقوط فعل فردي، فحولته إلى مصير يتقاسمه اثنان لا يعرف أحدهما الآخر. كان رجل يهوي من نافذة عالية، وكانت امرأة تمشي على الرصيف كأنّها تقرأ الصفحة الأخيرة من يومها. لم يكن بينهما موعد، ولا معرفة، ولا حتّى احتمال. لكنّ القدر، ذلك الناسخ الأعمى الذي يخلط أسماء البشر كما يخلط طفل نجوم السماء في كيس واحد، كتب لقاءهما بحبر لا يشبه الحبر، بل يشبه الفراغ حين يقرر أن يصبح ثقلا. يقال إنّ الإنسان قد يسقط من شاهق، لكنّ الحقيقة أنّ الهاوية هي التي تصعد أحيانا لتلتقي بمن تختاره. وما حدث في ناغويا بدا وكأنّ الأرض ضاقت عن استقبال الساقط، فاستعارت جسدا عابرا ليكون وسادتها الأخيرة.
أيّ مفارقة هذه؟ رجل يهوي من السماء فلا تقتله الأرض. وامرأة تمشي فوق الأرض فتقتلها السماء. كأنّ الجاذبية، تلك الموظفة العجوز في وزارة الكون، أخطأت في توزيع الرواتب، فمنحت الحياة لمن كان أقرب إلى الموت، وسلمت الموت لمن لم يكن يحمل في جيبه سوى طريق عادي إلى البيت. ليست الحكاية مأساة فحسب، بل نكتة سوداء رواها الكون وهو يخفي ابتسامته خلف الغيوم. فالقدر، حين يشعر بالملل، لا يكتب القصائد، بل يكتب المصادفات. كم يبدو العالم غريبا حين ينسى منطقه. نافذة تتحول إلى باب للعدم. رصيف يتحول إلى سقف. وجسد يسقط فلا يبلغ الأرض إلا بعدما يعبر جسدا آخر كان يظن أنّ الهواء ملك مشاع للجميع. لو كتب بورخيس هذه الحكاية، لجعل الرجل والمرأة شخصا واحدا افترق في زمنين مختلفين ثم التقيا عند النقطة الوحيدة التي لا تعرف الماضي ولا المستقبل. ولو صاغها ماركيز، لأخبرنا أنّ المدينة بأكملها سمعت صوت السقوط قبل أن يولد الرجل بسنوات، وأنّ الحمام ظل يدور فوق العمارة أسبوعا كاملا لأنّه كان يعرف ما لا يعرفه البشر.
أمّا الواقع، فهو أكثر جرأة من الخيال. فالخيال يخجل أحيانا من مبالغاته. والواقع لا يخجل من شيء. ما أعجب الحياة. نقضي أعمارنا نهرب من الحوادث، بينما الحوادث تعرف أسماءنا عن ظهر قلب. نحسب أنّ الطريق الذي سلكناه ألف مرة قد وقع معنا عقد سلام، ثم نكتشف أنّه لم يكن سوى ممثل بارع يخفي في جيبه الفصل الأخير. في تلك اللّيلة، لم يسقط رجل فقط. سقطت أيضا الفكرة القديمة التي تقول إنّ لكل إنسان موته الخاص. أحيانا يكون الموت كاتبا كسولا، فيجمع قصتين في جملة واحدة. ويبقى السؤال معلقا بين النافذة والرصيف: هل كانت الجاذبية هي التي أسقطت الرجل، أم أنّ المصادفة كانت تمارس هوايتها المفضلة في إعادة ترتيب العالم بطريقة لا يفهمها إلا الغياب؟ لعلّ السماء، تلك الليلة، لم تكن أعلى من المعتاد. لكنّها كانت أكثر شرودا.
📲 Partager sur WhatsApp
حررت شيءا من ألغاز القدر وخبث الزمان، وغرابة الإنسان ذاك الكائن الفاني، يعي ذلك، ومع ذلك يبحث بدون كلل عن نبتة جلجامش.