أيّ حدود لأباطرة الشاشات؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

لم تعد المآسي الكبرى تبدأ بالحروب. أحيانا تبدأ بجملة صغيرة داخل شقة أوروبية هادئة: «خمس دقائق إضافية فقط…» ثم فجأة يتحول البيت كله إلى مؤتمر دبلوماسي متوتر حول جهاز ألعاب مضيء، أو هاتف ذكي، أو شاشة صغيرة أصبحت أقوى نفسيا من كثير من العروش القديمة. الطفل يرفض إطفاء الشاشة. الأب متردد بين الحزم والذنب. الأم تخشى الانفجار العصبي.
والعائلة كلها تدخل في حالة تفاوض وجودي مع آلة صامتة تعرف كيف تبتلع الوقت والوعي والرغبة معا. لقد ظن الإنسان أنه اخترع أدوات للترفيه. لكنه في الحقيقة اخترع عوالم بديلة. وربما اخترع أيضا حضارة جديدة بالكامل. كل حضارة امتلكت معبودها الخفي. الإغريق امتلكوا المسرح. الرومان امتلكوا الحلبة. القرون الوسطى امتلكت الكنيسة. القرن العشرون امتلك التلفزيون. أما القرن الحادي والعشرون، فقد صنع إلهه الخاص: الشاشة. لم تعد مجرد آلة. بل امتداد عصبي للإنسان الحديث. الهاتف الذكي أصبح عضوا نفسيا إضافيا. واللوح الإلكتروني صار مربية رقمية. أما ألعاب الفيديو، فقد تحولت إلى أوطان ذهنية يعيش فيها الطفل ساعات أطول مما يعيش داخل الواقع نفسه. وهنا تكمن الحقيقة المرعبة: الاقتصاد العالمي لم يعد يبيع المنتجات فقط، بل يستهلك الانتباه البشري ذاته.

إن شركات التكنولوجيا لا تتاجر بالمحتوى بقدر ما تتاجر بزمن الدماغ الإنساني. ولهذا تبدو معارك الآباء مع الشاشات خاسرة أحيانًا منذ البداية؛ لأنهم لا يواجهون لعبة بسيطة، بل يواجهون منظومات نفسية وهندسات سلوكية صُممت داخل مختبرات ضخمة لفهم الرغبة البشرية والسيطرة عليها. ومع ذلك، سيكون من السذاجة الاعتقاد أن خوفنا من الشاشات ظاهرة جديدة تماما. كل حضارة خافت من اختراعاتها. أفلاطون نفسه خاف من الكتابة. في محاورة «فيدروس»، يتحدث عن ملك مصري حذّر من أن الكتابة ستضعف ذاكرة البشر وتجعلهم يعتمدون على الرموز بدل التفكير الحي. ثم خافت حضارات أخرى من الطباعة، والرواية، والراديو، والسينما، والتلفزيون. كل تقنية جديدة كانت تبدو وكأنها تهديد لنظام العالم القديم. لكن الشاشات الحديثة تختلف عن كل ما سبق في نقطة خطيرة جدا: إنها لا تنقل القصص فقط، بل تستعمر الانتباه نفسه.

لقد دخل الإنسان عصر الاحتلال العصبي. هنا تظهر الأزمة الأعمق للحضارة الغربية الحديثة. فطوال قرون، قامت العائلة على سلطة عمودية واضحة: الأب يمثل القانون، والأم تمثل النظام العاطفي، والطفل يتعلم بالتدريج معنى الحدود والحرمان والانضباط. لكن أوروبا الحديثة، بعد حروبها الكبرى وصدماتها التاريخية، حاولت أن تبني نموذجا إنسانيا جديدا يقوم على حماية الطفل من كل أشكال العنف والقهر. وكان ذلك، تاريخيا، تقدما أخلاقيا مهما. غير أن الحضارات، حين تصحح خطأ كبيرا، تقع أحيانا في خطأ معاكس. وهكذا ظهر تدريجيا ما يمكن تسميته بـ«الطفل السيّد». طفل تُدار الأسرة كلها أحيانًا وفق مزاجه النفسي. طفل يخاف والداه من جرح مشاعره أكثر مما يخافان من ضياع هيبتهما التربوية. طفل أصبح القانون والإعلام والخطاب النفسي الحديث يدور كثيرا حول حمايته، بينما تراجعت صورة الأب بوصفه مرجعا سلطويا واضحا. كثير من العائلات المهاجرة في أوروبا تتحدث اليوم عن شعور غريب: أنها تعيش داخل مجتمعات تراقب الأب أكثر مما تراقب الشاشة نفسها.وأن السلطة التربوية القديمة باتت تعامل أحيانا كأنها خطر محتمل.

لو عاش دوستويفسكي في عصرنا، لفهم مأساة الشاشات فورا. لأن الخطر الحقيقي ليس التكنولوجيا ذاتها، بل التحول النفسي الذي تصنعه داخل الإنسان. المراهق الحديث يعيش داخل سيل متواصل من التنبيهات والصور والموسيقى والفيديوهات القصيرة والألعاب السريعة والتدفقات العصبية التي لا تتوقف. لقد اختفى الصمت. واختفى الملل أيضا. لكن الملل كان، عبر التاريخ، أحد أهم مصانع الروح البشرية. في الفراغ كان الإنسان يقرأ. ويتأمل. ويحلم. ويكتشف نفسه. أما اليوم، فقد أصبح الإنسان يهرب من أي لحظة صمت كما لو أنها مرض. والإنسان الذي لا يستطيع تحمل الفراغ يتحول بسهولة إلى كائن قابل للبرمجة. وهذا ما فهمته المنصات الرقمية بعبقرية مرعبة. لقد دخل العالم مرحلة جديدة يمكن تسميتها بـ«الرأسمالية العصبية». في الماضي، استغل الاقتصاد عضلات البشر. ثم استغل وقتهم. أما اليوم، فهو يستغل آليات الدوبامين داخل أدمغتهم. ميزة «التمرير اللانهائي» في التطبيقات ليست صدفة تقنية. بل اختراع نفسي دقيق هدفه إبقاء الإنسان داخل الحلقة أطول وقت ممكن. كل إشعار هو طعم عصبي صغير. كل فيديو قصير هو حقنة تحفيز لحظية. كل لعبة إلكترونية حديثة مصممة لتخلق ارتباطا نفسيا متكررا. وهكذا، حين يحاول الأب انتزاع الهاتف من يد طفله، فإنه لا يواجه مجرد طفل عنيد، بل يواجه منظومات كاملة من الهندسة السلوكية والاقتصاد العصبي. المعركة غير متكافئة أصلا. فهل الحل هو العودة إلى القسوة القديمة؟

هنا يظهر الحنين الكبير عند كثير من الآباء، خاصة داخل المجتمعات المهاجرة: الحنين إلى زمن كانت فيه كلمة الأب قانونا لا تفاوض فيه. لكن العودة إلى السلطوية الخشنة ليست حلا حقيقيا أيضا. فالحضارات المستقرة لا تُبنى بالخوف وحده، ولا بالفوضى العاطفية المطلقة. أرسطو فهم ذلك منذ قرون حين تحدث عن «الفضيلة الوسطى»: لا إفراط ولا تفريط. فالطفل يحتاج الحب فعلا. لكنه يحتاج الحدود أيضا. بل إن الحدود الواضحة تمنح الطفل شعورا بالأمان أكثر مما يمنحه التدليل الفوضوي. الطفل لا يريد فقط الحرية. إنه يبحث أيضا – دون وعي – عن جدار يستند إليه. السؤال لم يعد تقنيا فقط، بل حضاري. كيف يمكن تربية طفل داخل عالمٍ تُصمم فيه كل التطبيقات كي تمنع الانفصال عنها؟ كيف ينافس الأب خوارزمية تعرف رغبات ابنه أكثر منه؟ كيف تنتصر العائلة على اقتصاد عالمي قائم على إدمان الانتباه؟

ربما البداية ليست في منع الشاشات بالكامل، بل في استعادة معنى الحضور الإنساني نفسه. أن يأكل الناس معا بلا هواتف. أن يعود الحوار داخل البيوت. أن يتعلم الطفل الانتظار. أن يختبر الصمت. أن يشعر بأن العالم الحقيقي ليس أقل إثارة من العالم الرقمي. كانت الشعوب القديمة تخاف الآلهة الخفية. أما نحن، فقد صنعنا آلهة مضيئة نحملها في جيوبنا. الشاشات ليست شرا مطلقا، ولا نعمة مطلقة. إنها مرآة مكبرة لاختلالات حضارتنا الحديثة. الخطر الحقيقي ليس في التكنولوجيا وحدها، بل في أن الإنسان تطور تقنيا بسرعة أكبر بكثير من تطوره الأخلاقي والنفسي. ولهذا يبدو العالم أحيانا كأنه يسير نحو مستقبل مذهل تقنيا…وفقير روحيا بصورة مخيفة. وفي تلك الغرف الأوروبية الزرقاء، حيث يحدق الأطفال في الشاشات حتى منتصف الليل، يمر سؤال ثقيل بصمت فوق الحضارة الحديثة كلها: هل ما زلنا نُربي أبناءنا فعلا؟ أم أننا سلّمناهم، بهدوء، إلى الآلات؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *