بقلم زكية لعروسي, باريس
ثمة أعداء يأتون من وراء الحدود. وثمة أعداء يولدون داخل الخرائط. لكن أخطر الأعداء هم أولئك الذين يولدون داخل الفكرة. الإرهاب ليس جيشا بالمعنى التقليدي. ليس دولة. ليس حضارة. ليس مشروعا سياسيا قابلا للحياة. إنه شيء أكثر غرابة. إنه محاولة لتحويل الفراغ إلى عقيدة. واليأس إلى هوية. والعدم إلى برنامج عمل. ولذلك لم يكن الحدث الأمني الذي شهدته مدينة المضيق، بإحباط المكتب المركزي للأبحاث القضائية لمخطط إرهابي وصف بالوشيك، مجرد عملية أمنية ناجحة تضاف إلى سجل النجاحات المغربية المتراكمة. لقد كان لحظة كاشفة. نافذة صغيرة أطل منها القرن الحادي والعشرون على أحد أكثر أشباحه ظلمة.
الإرهاب هو الإن غير الشرعي للتاريخ المضطرب, فحين يقرأ المرء تاريخ البشرية يكتشف أن العنف ليس جديدا. الجديد هو الشكل الذي يتخذه. ففي الأزمنة القديمة كانت الإمبراطوريات تقتل باسم الآلهة. وفي العصور الوسطى كانت الحروب تشتعل باسم العقائد. وفي العصر الحديث ظهرت الأيديولوجيات الكبرى التي وعدت بالخلاص وانتهت إلى المقابر الجماعية. أما الإرهاب المعاصر فشيء مختلف. إنه لا يعد بالخلاص. بل يعد بالانفجار. لا يبني مدينة فاضلة. بل يحلم بمدينة محروقة. إنه لا يريد أن يحكم العالم. بل يريد أن يعاقب العالم لأنه لم يصبح كما يريد. وهنا تكمن خطورته الفلسفية. فالإرهاب ليس مجرد .عنف. إنه تمرّد على فكرة الحياة نفسها. فمن الخوارج إلى “داعش”كانت الرحلة طويلة للغلوّ. فعبر التاريخ الإسلامي ظهرت تيارات متشددة متعددة، لكن العلماء والمفكرين المسلمين كانوا من أوائل من تصدوا لها. فالإمام الشاطبي، وابن رشد، وأبو حامد الغزالي، وابن خلدون وغيرهم أدركوا أن أخطر ما يمكن أن يصيب الدين هو تحويله من رسالة أخلاقية إلى آلة إقصاء. وقد وصف ابن خلدون العصبيات المتطرّفة بأنها لحظات يختلط فيها الدين بالهوى، فتولد أشكالا من العنف تلبس ثوب المقدس. ولذلك فإن تنظيمات مثل “داعش” لا تمثل امتدادا طبيعيا للحضارة الإسلامية. بل تمثل قطيعة معها. إنها نتاج أزمة معاصرة أكثر مما هي امتداد لتراث قديم. إنها ابنة الفوضى الحديثة. لا ابنة الفقه الإسلامي.
الإرهاب الجديد ذئب يعيش داخل الشبكة. في الماضي كان الإرهاب يحتاج إلى معسكر. إلى تنظيم. إلى تمويل. إلى هرمية واضحة. أما اليوم فقد تغيرت القواعد. لقد ولد ما يسميه خبراء الأمن “إرهاب الفاعل المنفرد”. شخص واحد. هاتف واحد. اتصال رقمي عابر للقارات. ثم مشروع موت كامل. هنا تكمن خطورة الحالة التي كشفتها التحقيقات الأولية في المضيق. فحين يسعى فرد معزول إلى تعلم صناعة المتفجرات واستهداف منشآت حيوية، فإننا لا نكون أمام خلية تقليدية فقط. بل أمام نموذج جديد من الإرهاب. إرهاب لا يحتاج إلى حدود. ولا إلى جيوش. ولا حتى إلى لقاء مباشر مع قادته. إنه إرهاب يعمل عبر الخيال. وهذا ما يجعله أكثر تعقيدا.
إنّ المغرب دولة اختارت أن تحارب التطرف قبل أن يولد.ففي عالم اليوم تختبر قوة الدول . بقدرتها على اكتشاف الخطر قبل أن يصبح خبرا عاجلا. وهنا تبرز خصوصية التجربة المغربية. فالمغرب لم يكتف بالمقاربة الأمنية. بل بنى على مدى سنوات منظومة متعددة الطبقات: الأمن. الاستخبارات. الإصلاح الدّيني. التنمية الاجتماعية. التّعاون الدولي. فهم التحولات الرقميّة. لقد أدرك المغرب مبكّرا أن الإرهاب لا يهزم فقط عند الحاجز الأمني. بل يهزم أيضا في المدرسة. وفي المسجد. وفي الجامعة. وفي الفضاء الإلكتروني. من أعمق التحولات التي عرفتها الأجهزة الأمنية الحديثة أنها لم تعد تلاحق الجرائم فقط. بل أصبحت تلاحق الاحتمالات. لقد تحولت من مؤسسات رد فعل إلى مؤسسات استباق. وفي هذه النقطة تحديداً تتجلى أهمية العمل الذي تقوم به المؤسسات الأمنية المغربية. فإحباط عملية إرهابية قبل تنفيذها لا يعني فقط إنقاذ أرواح. بل يعني منع حدث من دخول التاريخ أصلا. إنه انتصار على المستقبل السلبي قبل أن يولد.

لكن يبقى السؤال: لماذا يعود “داعش” رغم سقوطه؟ قد يبدو الأمر متناقضا. التنظيم خسر أراضيه. خسر “خلافته” المزعومة. خسر قياداته. ومع ذلك لا يزال اسمه يظهر في تقارير الأمن العالمي. السبب بسيط ومخيف في آن واحد. الأفكار لا تسقط بالسرعة التي تسقط بها المدن. حين سقطت روما بقيت فكرة الإمبراطورية. وحين سقطت الأندلس بقيت الذاكرة. وحين سقطت “داعش” بقيت الشبكات الرقمية التي تحمل سرديتها. لذلك فإن الحرب ضد الإرهاب ليست حربا على تنظيم. بل على بيئة فكرية كاملة تسمح بعودة التنظيمات بأسماء جديدة. يقع المغرب عند تقاطع استراتيجي فريد. بين إفريقيا وأوروبا. بين الأطلسي والمتوسط. بين الشمال والجنوب. وهذا الموقع يمنحه فرصا هائلة. لكنه يفرض أيضا تحديات أمنية استثنائية. فالاضطرابات في الساحل. وشبكات الجريمة العابرة للحدود. وتدفّقات السلاح. والتحولات الرقمية. كلّها تجعل المملكة في قلب معادلة أمنية معقدة. ومن هنا تصبح اليقظة الأمنية ليست خيارا. بل ضرورة وجودية.
هناك فرق جوهري بين الدولة التي تستخدم الأمن لإخافة مواطنيها. والدولة التي تستخدمه كفلسفة لحماية حقهم في الحياة. في الحالة الأولى يصبح الأمن أداة هيمنة. وفي الثانية يصبح عقدا أخلاقيا بين الدولة والمجتمع. والنجاح الحقيقي لأي سياسة أمنية يقاس. بل بعدد الأيام التي يعيشها الناس في طمأنينة دون أن يشعروا بالخطر الذي تم منعه. وربما يكون السؤال الأعمق الذي يطرحه هذا الحدث أبعد من الإرهاب نفسه. لماذا ينجذب بعض الأفراد إلى مشاريع الموت بينما يختار آخرون مشاريع الحياة؟ لماذا يبني إنسان جسرا بينما يصنع آخر قنبلة؟ لماذا يزرع أحدهم شجرة بينما يحاول آخر إحراق غابة كاملة؟ إنه السؤال الذي لم تستطع الفلسفة ولا السياسة ولا علم النفس الإجابة عنه بالكامل. لكن التاريخ يقدم لنا إشارة مهمة: كل حضارة انتصرت في النهاية لم تنتصر لأنها امتلكت قوة أكبر فقط. بل لأنها امتلكت معنى أعمق للحياة.
ما حدث في المضيق ليس مجرد خبر أمني. إنه فصل من معركة أوسع تخوضها المجتمعات الحديثة ضد قوى التفكك والكراهية والعدم. إنه تذكير بأن الإرهاب، مهما غير وجوهه وأسماءه، يظل مشروعا قائما على الهدم. بينما تبقى الدولة، حين تؤدي دورها في حماية مواطنيها ضمن القانون والمؤسسات، مشروعا قائما على البناء. وفي عالم يمتلئ بالاضطرابات والحروب والانقسامات، تكتسب كل عملية استباقية ناجحة قيمة تتجاوز بعدها الأمني. إنها دفاع عن حق الإنسان في أن يستيقظ صباحا دون خوف. ودفاع عن حق الأطفال في أن يكبروا في مدارسهم لا في ساحات الخراب. ودفاع عن فكرة بسيطة وعظيمة في آن واحد: أن الحياة، رغم كل شيء، تستحق أن تحمى. وأن الأوطان لا تبنى بالقنابل. بل بالعلم، والعدالة، والأمل، واليقظة التي تجعل الظلام يفشل كل مرة في الوصول إلى غايته.
📲 Partager sur WhatsApp