بقلم زكية لعروسي, باريس
لا تحدث المعارك دائما في الشوارع. أحيانا تنشب فوق المسارح. وفي ستراسبورغ، المدينة التي تبدو كأنها خلقت لتكون مفترق طرق بين الأمم واللغات والذاكرات المتصارعة، وجد حدث مؤيد لفلسطين نفسه في قلب سجال لا يتعلّق فقط بالقضيّة الفلسطينيّة، بل بسؤال أوسع وأعمق: ماذا يحدث عندما يلتقي الفنّ بالسياسة؟ ومتى يصبح الفنّان مجرد فنّان؟ ومتى يتحوّل إلى رمز سياسي يتجاوز أعماله وأغانيه؟
في الظاهر تبدو القضية إجرائية. تجمع سياسي. قاعة عموميّة. نقاش حول طبيعة الحدث. حضور فنّان مثير للجدل. لكن تحت هذه الطّبقات الإدارية والقانونية تكمن أسئلة أكثر تعقيدا بكثير. فالتاريخ يعلمنا أن المجتمعات لا تختلف فقط حول الأفكار. بل تختلف أيضا حول الرموز التي تحمل تلك الأفكار. الفكرة نفسها قد تمر بهدوء إذا نطق بها أستاذ قانون دوّلي. وقد تتحول إلى عاصفة إذا عبّر عنها شاعر. وقد تصبح زلزالا إذا غناها فنان جماهيري.ذلك لأنّ السياسة تتحرك بالعقل. أمّا الفنّ فيتحرّك داخل المناطق العميقة من الوجدان. والنّاس غالبا لا يخافون من الأفكار بقدر ما يخافون من قدرة الفنّ على تحويل الأفكار إلى عواطف جماعية. منذ أثينا القديمة كان هناك توتر خفي بين السلطة والشعراء. كان أفلاطون ينظر بعين الريبة إلى الفنّانين لأنّهم قادرون على التأثير في الجماهير بطرق لا تستطيع الفلسفة نفسها مجاراتها. فالفيلسوف يقنع. أما الفنّان فيسحر. والإقناع يمكن مناقشته. أمّا السّحر فيصعب ضبطه. ولهذا لم تكن معارك الفن والسياسة حادثاً عابراً في التاريخ. إنها تكاد تكون أحد قوانينه الثابتة.
لو تأملنا التاريخ الأوروبي نفسه لوجدنا أن المغنّين والشعراء وكتاب المسرح كانوا غالبا في قلب النزاعات الكبرى. الأغنية كانت بيانا سياسيا. والمسرحية كانت منشورا إيديولوجيا. والقصيدة كانت أحيانا أخطر من الخطب الرسمية. فالفنّ لا يملك الجيوش. لكنه يملك المخيّلة. ومن يملك المخيّلة يملك جزءا من المستقبل. ومن هنا تأتي حساسيّة حضور شخصيّة مثل مدين في حدث سياسي. فالنّقاش لا يدور فقط حول شخصه. بل حول ما يمثّله. فالرّموز السياسية هي بما حملته من جدالات بالأمس. وما يمكن أن تستحضره في أذهان الجمهور غدا. وهنا تبدأ المنطقة الرمادية. تلك المنطقة التي لا يمكن اختزالها بسهولة إلى أبيض أو أسود. إن إحدى مشكلات عصرنا أنّه يحبّ الأحكام السريعة. إمّا بطل أو شيطان. إما ضحيّة أو مذنب. إما حرية مطلقة أو رقابة مطلقة. لكن الحياة السياسية أكثر تعقيدا من ذلك بكثير. فقد يكون من المشروع الدّفاع عن حريّة التعبير. ومن المشروع أيضا التساؤل عن أثر بعض الخطابات أو الرّموز في المجال العام. وقد يكون من الممكن الجمع بين الموقفين دون الوقوع في التّناقض.
إن الدّيمقراطية الحديثة ليست نظاما لإنتاج الإجماع. بل لإدارة الاختلاف. وهذا هو الامتحان الحقيقي. ليس عندما نتفق. بل عندما نختلف. فالمجتمعات الحرة تختبر . بقدرتها على التعامل مع الأصوات المثيرة للجدل دون أن تنهار مؤسساتها أو تتخلى عن مبادئها. لكن ثمّة سؤالا أكثر إثارة للاهتمام. لماذا يتحوّل الفنّانون إلى موضوعات سياسيّة أصلا؟ ربّما لأن الفنّان المعاصر لم يعد مجرّد منتج للأغاني أو النّصوص. لقد أصبح شخصية عامّة تحمل دلالات تتجاوز إنتاجها الفنّي. فكلّ ظهور. وكلّ تصريح. وكل موقف. يتحول إلى مادّة للتأويل السياسي. وكأنّ الفنّان لم يعد يغنّي فقط. بل أصبح يقرأ. في هذه اللحظة تحديدا تتغير طبيعة النقاش. فالقضية لم تعد حفلا أو خطابا أو تجمّعا. بل أصبحت معركة على المعنى. من يملك حقّ تعريف الحدث؟ ومن يملك حق تفسير الرمز؟ ومن يقرر أين تنتهي حرية التعبير وتبدأ المسؤولية السياسية؟
هذه أسئلة لا تملك إجابات نهائية. ولهذا تظلّ الدّيمقراطيات تتجادل حولها جيلا بعد جيل. إنها ليست علامة ضعف. بل علامة حيوية. فالمجتمع الذي لا يناقش رموزه هو مجتمع توقف عن التفكير. والمجتمع الذي يحوّل كل خلاف إلى معركة وجودية هو مجتمع يفقد القدرة على الحوار. ربما يكون الدرس الأهم في هذه القضية أن السّياسة الحديثة لم تعد تصنع فقط في البرلمانات. بل أيضا في المسارح. وفي الأغاني. وفي وسائل التواصل. وفي الصور. لقد أصبح الصراع على المخيلة جزءاً من الصراع على السلطة. ولذلك فإنّ الجدل حول حضور فنّان في تجمّع سيّاسي لا يتعلق فقط بالفنّ أو بالسّياسة. إنه يتعلق بالمساحة الغامضة التي يلتقي فيها الإثنان. وهناك، في تلك المنطقة الضبابية بين الميكروفون وصندوق الاقتراع، تولد أكثر أسئلة عصرنا تعقيدا.
📲 Partager sur WhatsApp
