بقلم زكية لعروسي, باريس
ثمّة لحظات في التاريخ تبدو فيها الأحداث أصغر من دلالاتها بكثير. مبنى من خمسين سريرا. أسوار. بوّابات. إجراءات صحية. ومجموعة من الخبراء يرتدون المعاطف البيضاء. في الظاهر، يبدو الأمر مشروعا طبيا تقنيا عاديا. لكن في كينيا، كما في كثير من مناطق العالم، لم يُنظر إلى هذا المركز الأمريكي المخصص لاستقبال مواطنين أمريكيين تعرضوا لخطر الإصابة بالإيبولا بوصفه مجرد منشأة صحية. لقد تحول فجأة إلى مرآة تعكس أسئلة أعمق بكثير من الطب والفيروسات. أسئلة عن القوة. وعن السيادة. وعن الذاكرة. وعن المكان الذي تحتله الولايات المتحدة داخل المخيلة السياسية العالمية.
أحيانا لا يخاف الناس من المباني. إنهم يخافون من المعاني. فالمستشفى لا يكون مجرد مستشفى. والقاعدة العسكرية لا تكون مجرد قاعدة. وحتى مركز الحجر الصحي لا يكون دائما مجرد مركز للحجر الصحي. فكل بناء ضخم يحمل معه تاريخا غير مرئي من الرموز والتأويلات والشكوك. وهنا تبدأ القصة الحقيقية. منذ أكثر من قرن، أصبحت الولايات المتحدة ظاهرة سياسية فريدة. قد يختلف الناس حولها. قد يحبونها أو ينتقدونها. لكنهم نادرا ما يتجاهلونها. إنها حاضرة في الاقتصاد العالمي. وفي الثقافة. وفي التكنولوجيا. وفي الأمن. وفي الحروب. وفي المساعدات الإنسانية. وفي الأزمات الصحية. وكأن العالم الحديث يدور أحيانا حول سؤال واحد يتكرر بألف صيغة: أين تقف أمريكا من هذا الحدث؟
ولهذا لا يتعلق الجدل الكيني فقط بالإيبولا. فالفيروس هنا ليس سوى قشرة خارجية. أمّا جوهر النقاش فيدور حول سؤال أقدم: ما حدود النفوذ المشروع للدول الكبرى؟ متى تكون المساعدة تعاونا؟ ومتى تتحول في نظر البعض إلى امتداد للقوة؟ في التراث اليوناني القديم كانت هناك فكرة متكررة عن الخوف من الإمبراطوريات البعيدة. فالقوة التي تأتي من الخارج تحمل دائماً مفارقة غريبة. هي قادرة على الحماية. وقادرة على الهيمنة. والفرق بين الأمرين لا تحدده النّوايا فقط. بل تحدده أيضا الطريقة التي ينظر بها إليها. وفي الموروث العربي نجد حكمة عميقة تقول: “اتق مواضع التهم.” وهي ليست دعوة إلى الشكّ المرضي. بل اعتراف بأن الصورة العامة أحيانا تصبح جزءا من الحقيقة السياسية.
فالناس لا يتعاملون مع الوقائع المجردة فقط. إنهم يتعاملون مع ذاكرتهم أيضا. وذاكرة إفريقيا ليست صفحة بيضاء. إنها قارة عاشت الاستعمار. وعاشت التدخلات الأجنبية. وعاشت مشاريع جاءت بأسماء براقة ثم انتهت بنتائج معقدة. لذلك لا يمكن فصل أي مشروع دولي كبير عن هذا الإرث التاريخي. حتى عندما يكون الهدف صحيا بحتا. لكن في المقابل، ثمة سؤال آخر لا يقل أهمية. هل أصبح العالم أسيرا للريبة إلى درجة تجعل كل تعاون دولي موضع شك؟ إن الأوبئة لا تعترف بالحدود. والفيروسات لا تقرأ الخرائط السياسية. لقد علمتنا أزمات الصحة العالمية أن الأمراض تسافر أسرع من الدبلوماسيين وأحيانا أسرع من الحكومات نفسها. فإذا كان التعاون الصحي العالمي ضرورة، فكيف يمكن تحقيقه دون إثارة مخاوف السيادة؟

هنا تظهر إحدى أعقد معضلات القرن الحادي والعشرين. لقد أصبحت المشكلات عالمية. لكن الثقة ما زالت محلية. الفيروس عالمي. أما الخوف منه فوطني. والحلول عابرة للحدود. أما الحساسية السياسية فمرتبطة بالأرض والتاريخ والهوية. ومن اللافت أن الجدل لا يدور حول الأطباء. ولا حول العلوم الطبية. ولا حول قيمة الوقاية من الأمراض. بل حول الإطار السياسي الذي تمارس داخله هذه الأنشطة. فالمعطف الأبيض لا يثير الجدل غالبا. أمّا العلم المرفوع فوق المبنى فهو الذي يفعل. وهنا يصبح مركز الحجر الصحي أشبه باستعارة ضخمة لعصرنا. عصر تتشابك فيه الصحة مع الجغرافيا السياسية. والطب مع السيادة. والإنسانية مع المصالح الاستراتيجية. لم تعد المستشفيات مجرد مستشفيات. كما لم تعد القواعد مجرد قواعد. كل شيء بات يحمل طبقات متعددة من المعاني.
السؤال الفلسفي الأعمق ليس: هل سيستقبل المركز مصابين أم لا؟ بل: لماذا أصبح العالم أقل ثقة مما كان يتصور؟ لماذا تتحول المبادرات الصحية أحيانا إلى موضوعات نزاع سياسي؟ هل السبب هو الذاكرة التاريخية؟ أم التنافس الدولي؟ أم تراجع الثقة في المؤسسات العالمية؟ أم مزيج من كل ذلك؟ ربما تكمن الحكمة في رفض التبسيط. فليس كل مشروع دولي مؤامرة. وليس كل اعتراض شعبي جهلا. بين هذين الطرفين توجد مساحة واسعة من الأسئلة المشروعة. والمجتمعات الناضجة هي التي تناقش هذه الأسئلة دون خوف ودون أوهام. في النهاية، لا تكشف قضية مركز الحجر الصحي في كينيا عن قصة فيروس فحسب. إنها تكشف عن قصة عالم يعيش مفارقة عجيبة: نحتاج بعضنا بعضا أكثر من أي وقت مضى. لكننا نثق ببعضنا بعضاً أقل من أي وقت مضى. وهذا ربما هو المرض السياسي الأعمق الذي يطارد القرن الحادي والعشرين.
📲 Partager sur WhatsApp
