بقلم زكية لعروسي, باريس
في السياسة، لا تقاس الهزائم دائما بعدد المقاعد التي تفقد. أحيانا تبدأ الهزيمة عندما تنتقل لغة خصمك إلى فمك. وعندما تجد نفسك تستعير مفرداته لكي تحاربه. هنا يصبح السؤال أكثر خطورة من أي استطلاع للرأي: من الذي انتصر فعلا؟ الذي يربح الانتخابات؟ أم الذي يفرض قاموسه على الجميع؟ في مهرجانه الانتخابي بمدينة سان دوني، أطلق جان لوك ميلونشون عبارة بدت للوهلة الأولى مجرد استفزاز سياسي: «نحن في ديارنا». عبارة ارتبطت لعقود طويلة بخطاب اليمين المتطرف الفرنسي، وبمسيرات الجبهة الوطنية ثم التجمع الوطني، حيث كانت تُرفع كشعار يرسم حدوداً رمزية بين «أصحاب الأرض» و«الآخرين». لكن حين نطق بها زعيم اليسار الراديكالي، لم تكن الكلمات نفسها هي التي أثارت الانتباه. بل الرحلة التي قطعتها هذه الكلمات. رحلة تكشف تحولات عميقة في السياسة الفرنسية والأوروبية والغربية عموما.
الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو كان يرى أن السلطة لا تسكن المؤسسات فقط. إنها تسكن اللغة أيضا. فالذي يحدد الكلمات يحدد حدود التفكير. والذي يحدد المفاهيم يحدد طبيعة النقاش. لهذا السبب لا يمكن النظر إلى استعارة مصطلحات مثل «الاستبدال الكبير» أو «نحن في ديارنا» باعتبارها مجرد مناورة خطابية. إنها معركة على الأرض الرمزية. وعلى الخريطة الذهنية للمجتمع. قد يخسر اليمين المتطرف انتخابات. وقد يتراجع في استطلاعات الرأي. لكن ثمة انتصارا أكثر عمقا من الصناديق. وهو أن تصبح أسئلته هي أسئلة الجميع. عندما يبدأ اليسار والوسط واليمين التقليدي في مناقشة الهجرة والهوية والاندماج بالمفردات نفسها التي صاغها اليمين المتطرف، يكون هذا الأخير قد حقق اختراقا ثقافيا هائلا. هنا نستحضر المفكر الإيطالي أنطونيو غرامي الذي تحدث عن «الهيمنة الثقافية». فالسيطرة الحقيقية لا تتحقق عندما تفرض رأيك فقط. بل عندما تجعل خصومك يتحدثون بلغتك. لكن لماذا يفعل ميلونشون ذلك؟ ثمة عدة تفسيرات.
أولا: استعادة الكلمات
يقول أنصار ميلونشون إن الهدف هو قلب المعنى. أي أخذ شعار إقصائي وتحويله إلى شعار جامع. أن يصبح «نحن في ديارنا» تعبيرا عن انتماء كل الفرنسيين، بمن فيهم أبناء الهجرة. في هذه القراءة، لا يتعلق الأمر بتبني خطاب اليمين المتطرف، بل بتفكيكه من الداخل.
ثانيا: الاعتراف بتغير المزاج الشعبي
السياسيون لا يعيشون خارج المجتمع. هم يلتقطون التحولات العميقة داخله. والحقيقة أن قضايا الهوية والهجرة والانتماء أصبحت في صلب النقاش العام في أوروبا كلها. من فرنسا إلى ألمانيا ومن إيطاليا إلى هولندا. وبالتالي فإن تجاهل هذه المواضيع قد يبدو انتحاراً انتخابيا.
ثالثا: صناعة المواجهة الكبرى
من الواضح أن ميلونشون يريد فرض ثنائية سياسية جديدة: هو في مواجهة جوردان بارديلا أو اليمين المتطرف. في هذا السيناريو لا يصبح الوسط خصما رئيسيا. بل يتحول المشهد إلى مبارزة مباشرة بين رؤيتين متناقضتين لفرنسا. ولكي تنجح المبارزة يجب أن تدور على الأرض نفسها. أي أرض الهوية والانتماء والهجرة.
حين يكون المهاجرون المغاربيون في قلب المفارقة هنا تبلغ القصة ذروة تعقيدها. فالكلمات التي صيغت تاريخيا ضد المهاجرين أو ضد أبناء الهجرة المغاربية تعاد اليوم داخل خطاب يدّعي الدفاع عنهم. إنها مفارقة تكاد تكون روائية. فهل يؤدي ذلك إلى تفكيك الخطاب الإقصائي؟ أم إلى تطبيعه؟ هذا هو السؤال الحقيقي. إذا كان اليمين المتطرف يقول: «نحن في ديارنا لأنّ الآخرين ليسوا منا». ويرد اليسار: «نحن في ديارنا لأنّ الجميع منا». فهل يسمع الجمهور الفرق فعلا؟ أم أنه يتذكر فقط العبارة الأصلية؟ في علم الاتصال السياسي توجد قاعدة معروفة: تكرار الإطار الذهني للخصم يساعد أحيانا على ترسيخه حتى عندما تحاول معارضته. خلف الجدل اللغوي يختبئ سؤال أعمق. أي فرنسا تتشكل اليوم؟ هل هي فرنسا التنوع التي يدافع عنها ميلونشون؟ أم فرنسا القلقة على هويتها التي يتحدث عنها اليمين المتطرف؟ ربما تكون الحقيقة أكثر تعقيدا. فالبلاد تعيش تحولات ديموغرافية وثقافية واقتصادية متسارعة. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية تصبح اللغة ساحة المعركة الأولى.
في الأزمنة العادية، تكون الكلمات مجرد أدوات. أما في الأزمنة المتوترة، فتصبح حقول ألغام. كل مصطلح يحمل تاريخا. وكل شعار يحمل ذاكرة. ولهذا فإن استعارة مفردات الخصم ليست فعلا بريئا أبدا. إنها عملية سياسية محسوبة بدقة. وقد تنجح. وقد ترتد على أصحابها. القضية ليست أنّ جان لوك ميلونشون قال «نحن في ديارنا». القضية هي أن هذه العبارة أصبحت مركز النقاش. وهنا يكمن التحول الحقيقي. فالسياسة ليست فقط صراعا على السلطة. إنها صراع على اللغة التي نصف بها العالم. وعندما يبدأ الخصوم في استخدام القاموس نفسه، يصبح السؤال: هل نحن أمام انتصار الديمقراطية في استيعاب كل الخطابات؟ أم أمام انتصار الخطاب الأكثر قدرة على فرض مفرداته؟ ربما لا يحسم هذا السؤال في صناديق الاقتراع. بل في العقول التي تحدد معنى الكلمات قبل أن تحدّد اتجاه الأصوات.
📲 Partager sur WhatsApp