بقلم الإعلامي حيمري البشير- كوبنهاغن
هذا سؤال جوهري، والجواب عنه بكل صراحة ووضوح قد يعيد ترتيب كثير من الأوراق في المشهد الوطني. فمغاربة العالم، الذين يناهز عددهم سبعة ملايين مواطن ومواطنة، ليسوا مجرد جالية تقيم خارج الحدود، بل هم امتداد حي للوطن، يحملون هويته في قلوبهم، ويرتبطون به وجدانيا وثقافيا واقتصاديا، ويحرصون على نقل هذا الارتباط إلى أبنائهم جيلا بعد جيل. لقد اختار بعضهم الهجرة بحثا عن آفاق أرحب، فيما اضطر إليها آخرون بحكم الظروف، لكن القاسم المشترك بينهم جميعا هو تعلقهم العميق بالمغرب ورغبتهم الصادقة في الإسهام في نهضته التنموية وترسيخ مساره الديمقراطي. فهم يزورون وطنهم باستمرار، ويستثمرون فيه، ويدافعون عن صورته في بلدان الإقامة، ويؤمنون بأن مستقبلهم ومستقبل أبنائهم يظل مرتبطاً بمستقبل المغرب.
غير أن الحقيقة التي باتت تؤرق فئات واسعة من مغاربة العالم تتمثل في استمرار التعثر في تمكينهم من المشاركة السياسية الكاملة، رغم ما ينص عليه الدستور المغربي من حقوق ومقتضيات واضحة في هذا المجال. فالمشكل لم يعد يتعلق بغياب الرغبة لدى أبناء الجالية، بل بضعف الإرادة لدى جزء من الطبقة السياسية في تحويل هذه الرغبة إلى واقع مؤسساتي يضمن مشاركة فعلية ومؤثرة في صناعة القرار الوطني. ومن هنا يبرز السؤال الملح: إلى متى سيستمر الجدل حول مشاركة مغاربة العالم في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة؟ وهل توجد إرادة سياسية حقيقية لتفعيل المقتضيات الدستورية ذات الصلة، وإشراك هذه الكفاءات الوطنية في مختلف مؤسسات الحكامة والتمثيلية؟ إن استمرار التأجيل والتردد لا يضر فقط بحقوق ملايين المواطنين، بل يمس أيضا مستوى الثقة في المؤسسات ويبعث برسائل سلبية إلى الأجيال الجديدة المولودة بالخارج، والتي تتابع باهتمام بالغ مسار الديمقراطية وحقوق الإنسان في وطنها الأم.
إن مغاربة العالم يمثلون رصيدا استراتيجيا هائلا للمملكة، بما راكموه من خبرات علمية ومهنية وتجارب ديمقراطية في كبريات دول العالم. وإشراكهم في الحياة السياسية والمؤسساتية ليس امتيازاً يمنح لهم، بل حق دستوري ومصلحة وطنية عليا. فالدول التي نجحت في تعبئة طاقات جالياتها بالخارج استطاعت أن تجعل منها قوة اقتراح وتأثير وتنمية، والمغرب يمتلك كل المقومات ليكون نموذجا رائدا في هذا المجال. كما أن تعزيز البناء الديمقراطي وتوسيع دائرة المشاركة السياسية يشكلان رافعة أساسية لجذب الاستثمارات الأجنبية، وتقوية الثقة في الاقتصاد الوطني، وخلق فرص الشغل للشباب، وتحقيق تنمية أكثر عدالة واستدامة. فالتنمية والديمقراطية ليستا مسارين منفصلين، بل وجهان لعملة واحدة؛ كلما ترسخت دولة المؤسسات والحقوق والحريات، ازدادت قدرة البلاد على استقطاب الاستثمارات وتحقيق الإقلاع الاقتصادي المنشود.
إن المغرب يتوفر اليوم على مؤهلات كبيرة تؤهله لقيادة نموذج تنموي وديمقراطي متقدم على المستوى الإفريقي والعربي، غير أن نجاح هذا المشروع يقتضي تعبئة جميع الطاقات الوطنية دون استثناء، وفي مقدمتها مغاربة العالم الذين أثبتوا في كل المحطات تشبثهم بوطنهم واستعدادهم لخدمته بكل إخلاص ومسؤولية. إن احترام الدستور، وتفعيل الحقوق السياسية لمغاربة العالم، وضمان مشاركتهم الفعلية في المؤسسات المنتخبة وهيئات الحكامة، ليست مطالب فئوية أو ظرفية، بل هي خطوة ضرورية لتعزيز الثقة، وتحصين الوحدة الوطنية، وربط الأجيال الجديدة من أبناء الجالية بوطنها الأم، وترسيخ صورة المغرب كدولة تسير بثبات نحو مزيد من الديمقراطية والانفتاح. إن الرهان اليوم ليس فقط على إشراك سبعة ملايين مغربي ومغربية في الحياة العامة، بل على كسب طاقاتهم وخبراتهم وشبكات علاقاتهم الدولية لخدمة مشروع وطني طموح يجعل من المغرب قوة إقليمية صاعدة، ونموذجا في التنمية والديمقراطية والحكامة الرشيدة. وعندما يتحقق ذلك، سيكون المغرب أكثر قدرة على قيادة مسار التقدم في إفريقيا والعالم العربي، وأكثر جاذبية للاستثمار، وأكثر وفاء لتطلعات أبنائه داخل الوطن وخارجه.
📲 Partager sur WhatsApp