بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك أخبار لا تدخل إلى الرأس كخبر، بل تدخل إليه كشوكة. تقرأ أن نحو 80 في المئة من عينات المعكرونة التي اختبرت حديثا تحتوي على الكادميوم، فتتغير فجأة علاقة الإنسان بطبق بسيط كان يظنه بريئا: طبق المكرونة الذي كان يأتي من المطبخ محملا برائحة الطفولة، يصبح فجأة في المخيلة وعاء صغيرا لاحتمال مجهول. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. ليست المشكلة في الكادميوم وحده. بل في الطريقة التي أصبحنا نعيش بها مع الخطر. نحن نعيش في عصر لم يعد فيه الخطر يطرق الباب. إنه يسكن في الأشياء اليومية. في الهواء الذي لا نراه. في الماء الذي نشربه. في التراب الذي نزرع فيه. في الأسماك التي نأكلها. في الحبوب. في الشوكولاتة. وفي ذلك الطبق الذي كنا نضعه أمام أطفالنا بلا سؤال. لكن العلم، حين يكون علميا حقا، لا يقول لنا: خافوا. ولا يقول لنا أيضا: لا تخافوا. إنه يقول شيئا أكثر تعقيدا وأقل إثارة للصحافة: افهموا مقدار التعرض، ومدة التعرض، ومصدره، وكيف يمكن تقليله. وهذه الجملة الصغيرة ربما تكون أهم من كل العناوين التي ترفع أصابعها في وجه المائدة. فبحسب المعطيات التي نشرتها «60 Millions de consommateurs»، شملت الاختبارات 36 مرجعا من المكرونة، وكانت الغالبية تحتوي على الكادميوم، لكن المستويات المذكورة بقيت تحت الحدود التنظيمية. وهذه نقطة لا يجوز دفنها تحت عنوان مثير. وجود مادة ملوثة لا يعني تلقائيا أن الطعام سيقتلنا. وهذه هي أول معركة ينبغي أن نخوضها ضد الخوف.
الكادميوم ليس شبحا… لكنه ليس وهما أيضا. هو معدن ثقيل سام يوجد في البيئة بصورة طبيعية، ويمكن أن يصل إلى الغذاء عبر التربة والماء والهواء، كما يمكن أن ترتبط زيادته بأنشطة بشرية وصناعية وزراعية. وتشير الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية إلى أن الكادميوم يمكن أن يتراكم في الجسم مع مرور الزمن، ولذلك لا ينظر العلماء إلى التعرض له باعتباره حادثة منفردة، بل باعتباره مسألة تراكمية طويلة الأمد. وقد أبقت الهيئة الأوروبية على قيمة المدخول الأسبوعي المحتمل التحمل عند 2.5 ميكروغرام لكل كيلوغرام من وزن الجسم أسبوعيا. وهنا تظهر كلمة تكاد تكون أكثر أهمية من كلمة «الكادميوم»: التراكم. فالكادميوم ليس لصا يقتحم الجسد في ليلة واحدة. إنه أشبه بغبار معدني شديد الصبر. ذرات صغيرة لا تثير ضجيجا، لكنها إذا تكررت جرعاتها عبر سنوات طويلة تصبح جزءا من معادلة صحية ينبغي أن تؤخذ بجدية. ولهذا لا ينبغي أن نسأل: هل توجد آثار من الكادميوم في هذا الطعام؟ بل السؤال العلمي الأهم هو: كم نتعرض له إجمالا؟ من المكرونة؟ من الخبز؟ من الأرز؟ من الحبوب؟ من الخضروات؟ من الشوكولاتة؟ من مصادر أخرى؟ وكم نأكل من كل ذلك؟ وما وزن الجسم؟ وما العمر؟ وهل نتحدث عن طفل أم بالغ؟ وهنا يصبح العالم أكثر تعقيدا من عنوان صحفي.
المفاجأة: المعكرونة ليست وحدها في قفص الاتهام. قد يكون من المريح نفسيا أن نضع أصبعنا على المكرونة ونقول: هذا هو العدو. لكن الحقيقة أكثر غرابة. لأن الكادميوم لا يعيش في كيس المكرونة وحده. الوكالة الفرنسية للأمن الصحي، ANSES، تشير إلى أن الحبوب ومنتجات الحبوب من بين المساهمين الرئيسيين في التعرض الغذائي للكادميوم، إلى جانب الخضروات والبطاطس ومنتجاتها، كما توجد مستويات أعلى في بعض الأغذية الأخرى مثل الشوكولاتة وبعض المأكولات البحرية والأحشاء. وتذكر بيانات ANSES أن المعكرونة نفسها من بين المنتجات التي يمكن أن تحتوي على الكادميوم، لكن التعرض الغذائي لا تحدده مادة واحدة منعزلة. وهنا يحدث شيء غريب في العقل البشري. حين نكتشف مادة خطرة في طعام ما، نريد أن نطرده من حياتنا. نريد عدوا واحدا. نريد اسما. نريد كيسا نضعه في سلة المهملات ونشعر أننا استعدنا السيطرة. لكن الطبيعة لا تعمل بهذه البساطة. الغذاء شبكة. والتربة شبكة. والبيئة شبكة. والجسد نفسه شبكة. وكلما حاولنا اختزال المسألة في «طعام جيد» و«طعام سيئ»، ازداد ابتعادنا عن الحقيقة.
هنا يبدأ الوسواس الخنّاس, إذ أخطر ما في قصة الكادميوم ليس الكادميوم نفسه. بل ذلك الصوت الصغير الذي يبدأ في الرأس بعد قراءة الخبر: لا تأكل المكرونة. لا تأكل الأرز. لا تأكل الخبز. لا تأكل الشوكولاتة. لا تأكل السمك. لا تأكل الخضار. لا تثق في الحبوب. لا تثق في الماء. لا تثق في الهواء. لا تثق في شيء. وهكذا، في لحظة واحدة، يتحول الإنسان من مستهلك يحاول أن يأكل بصورة أفضل إلى كائن يفتش عن السم في كل لقمة. هنا يظهر ما يمكن أن نسميه، بلغة مجازية، وسواس الخناس الغذائي. إنه ذلك الخوف الذي لا يقتل الطعام، بل يقتل علاقتنا به. يتراجع العقل، ويتقدم القلق. وتتحول المائدة من مكان للغذاء إلى مسرح للتحقيق. تجلس أمام طبقك، فلا ترى الطماطم. ترى المبيدات. لا ترى الخبز. ترى المعادن الثقيلة. لا ترى الأرز. ترى الزرنيخ. لا ترى السمك. ترى الزئبق. ولا تعود تأكل. بل تستجوب. لكن هل هذا هو الحل؟ بالطبع لا. لأن الوقاية الصحية لا تعني أن نحول الحياة إلى غرفة عزل.

هناك خطأ فكري بالغ الشيوع في الحديث عن الغذاء والمواد الكيميائية: إذا كانت المادة سامة، فإن وجودها ولو بكمية ضئيلة يعني أن الطعام سام. وهذا استنتاج غير علمي. فالسمية لا تنفصل عن الجرعة والتعرض والزمن. الماء نفسه يمكن أن يصبح قاتلا إذا شرب الإنسان منه كميات هائلة في ظروف معينة. والملح ضروري للحياة، لكنه يصبح خطرا إذا تجاوزت الكميات حدودا معينة. والأكسجين الذي لا نستطيع الحياة بدونه يمكن أن يصبح مؤذيا في ظروف وتركيزات معينة. هذه ليست محاولة لتبرئة الكادميوم. بل العكس. إنها محاولة لوضعه في مكانه العلمي الصحيح. الكادميوم مادة سامة، والتعرض المزمن له يستحق تقليل التعرض قدر الإمكان. لكن هذا لا يعني أن كل حبة معكرونة تحتوي على أثر من الكادميوم هي قنبلة صحية. إن الفرق بين الجملة الأولى والثانية هو الفرق بين العلم والهلع. والعلم، في هذه المسألة، ليس أقل إثارة من الخوف. إنه فقط أكثر تعقيدا.
المشكلة ليست في طبق واحد… بل في اقتصاد الغذاء كله. وهنا ينبغي أن نرفع أعيننا قليلا عن المطبخ. من أين جاء الكادميوم أصلا؟ من الأرض. ومن الماء. ومن البيئة. ومن بعض الأسمدة والمدخلات الزراعية. ومن الأنشطة البشرية التي أعادت تشكيل دورة العناصر في الطبيعة. أي أن القضية في جذورها ليست قضية «مكرونة». إنها قضية علاقة الحضارة بالتربة. نحن نريد غذاء وفيرا. نريد محصولا ضخما. نريد أسعارا منخفضة. نريد الزراعة أن تنتج أكثر. نريد الصناعات أن تعمل. نريد التجارة أن تتحرك. ثم نسأل: لماذا تحمل بعض المنتجات آثارا من المعادن الموجودة أصلا في البيئة؟ كأننا نريد من الأرض أن تكون مختبرا معقما، بينما نعيش في كوكب عمره مليارات السنين، تعبر عناصره من الصخور إلى التربة، ومن التربة إلى النباتات، ومن النباتات إلى الحيوانات، ومن الحيوانات إلى الإنسان. إن الكادميوم، من هذه الزاوية، ليس مجرد «شيء في المكرونة». إنه رسالة قادمة من أعماق النظام البيئي. والرسالة تقول: ما تضعه الحضارة في الأرض قد يعود إليها يوما، لكن في طبق العشاء. هذه ربما تكون الصورة الأكثر غرابة في القصة كلها. نحن نزرع. ثم نأكل. لكن بين الزراعة والأكل يوجد كوكب كامل.
السؤال الذي سيطر على ذهن كثيرين بعد هذه الأخبار بسيط: هل نتوقف عن تناول المكرونة؟ الإجابة العقلانية ليست: نعم. وليست: لا تقلقوا أبدا. الإجابة هي: لا تجعلوا طعاما واحدا مركز غذائكم اليومي إذا كان يمكنكم التنويع. التنويع ليس موضة غذائية. إنه إحدى أقدم استراتيجيات البقاء التي اكتشفها الإنسان بالفطرة قبل أن تعرف البشرية كلمة «سمية». حين ننوع مصادر الغذاء، فإننا لا نحصل فقط على مجموعة أوسع من العناصر الغذائية، بل نقلل أيضا من اعتماد تعرضنا المزمن على مصدر غذائي واحد. وهذه نقطة جوهرية. لا نحتاج إلى مطبخ مذعور. نحتاج إلى مطبخ متنوع. الحبوب، الخضروات، الفواكه، البقول، البروتينات المختلفة، المكسرات والبذور باعتدال، ومنتجات الألبان أو بدائلها بحسب النظام الغذائي، مع الانتباه إلى توصيات السلطات الصحية الخاصة بالأطفال والحوامل وغيرهم من الفئات الأكثر حساسية. المبدأ بسيط: لا يجب أن نجعل غذاءنا جزيرة. لنجعله أرخبيلا. كلما اتسعت الخريطة الغذائية، قل اعتماد الجسد على طريق واحد.
فهل غسل الطعام يكفي؟ قارئي العزيز, هنا أيضا يجب الحذر من الحلول السحرية. غسل الخضار والفواكه مهم للنظافة الغذائية وإزالة الأوساخ وبعض الملوثات السطحية، لكنه ليس عصا سحرية تستطيع إزالة كل معدن دخل النبات من التربة. فالكادميوم، عندما تمتصه النباتات من البيئة، لا يكون مجرد غبار جالسا فوق سطح الطعام يمكن مسحه بمنشفة. وهذا يعني أن الوقاية الحقيقية تبدأ قبل أن يصل الطعام إلى المطبخ. تبدأ من الزراعة. من التربة. من المياه. من جودة المدخلات الزراعية. من المراقبة. من القوانين. من المختبرات. ومن قدرة الدولة على معرفة ما يدخل إلى السلسلة الغذائية قبل أن يصل إلى رفوف المتاجر. وهنا تصبح سلامة الغذاء قضية دولة، لا قضية ربة منزل فقط.
من أكثر الأشياء ظلما في الخطاب الغذائي الحديث أن يقال للمواطن: كل جيدا. اقرأ الملصق. اختر المنتج الصحي. اغسل الطعام. نوع غذاءك. وتحمل مسؤوليتك. كل هذا صحيح. لكن هناك سؤالا آخر: ومن يحمي المواطن عندما لا يستطيع أن يرى ما وراء الملصق؟ المستهلك لا يستطيع أن يفتح التربة ليرى تركيز الكادميوم. ولا يستطيع تحليل القمح في مطبخه. ولا يستطيع معرفة مصدر كل حبة. ولا يستطيع أن يحمل معه مختبرا إلى السوبرماركت. لهذا فإن سلامة الغذاء تبدأ من المؤسسات قبل أن تنتهي عند المائدة. وتؤكد ANSES أن تقليل التعرض الغذائي للكادميوم يظل هدفا ينبغي مواصلة العمل عليه، وأن المراقبة ينبغي أن تشمل خصوصا الفئات الغذائية التي تسهم بدرجة كبيرة في التعرض. وهذا يعني أن المسؤولية موزعة: الدولة تراقب. الصناعة تقلل التلوث. الزراعة تطور الممارسات. المختبرات تقيس. والفرد ينوع غذاءه ويتجنب العادات التي تزيد تعرضه. هكذا فقط تصبح الوقاية عقلانية.
وهنا يدخل التدخين في القصة من باب لا يراه كثيرون. وهي مفارقة تستحق الانتباه. عندما يتحدث الناس عن الكادميوم، ينظرون مباشرة إلى طبق الطعام. لكن التعرض للكادميوم ليس غذائيا فقط. توضح EFSA أن التدخين يمكن أن يساهم أيضا في التعرض الداخلي للكادميوم، وأن بعض الفئات، مثل الأطفال والنباتيين وسكان المناطق شديدة التلوث، قد تكون أكثر تعرضا من المتوسط. وهذا يكشف خطأ شائعا في طريقة التفكير. قد يقضي الإنسان ساعة في البحث عن نوع معكرونة «أقل خطرا»، ثم يهمل في الوقت نفسه عادة صحية أكبر أثرا بكثير. إن الإنسان أحيانا يفتش عن ذرة غبار على قميصه بينما يترك الباب مفتوحا للعاصفة. وهنا يعود العقل إلى مهمته الأساسية: رتب المخاطر. لا تجمع المخاطر في سلة واحدة. لا تعامل احتمالين مختلفين كما لو كانا متساويين. لا تجعل العنوان الصحفي يحدد أولوياتك الصحية. لكن ماذا عن الأطفال؟
هنا ينبغي أن يصبح الحديث أكثر جدية. الأطفال ليسوا مجرد بالغين أصغر حجما. فالتعرض الغذائي بالنسبة إلى وزن الجسم قد يكون أعلى لديهم، ولهذا تهتم الهيئات الصحية بصورة خاصة بالتعرض لدى الأطفال. وقد أشارت EFSA إلى أن بعض الفئات، ومنها الأطفال، قد تتجاوز القيمة المرجعية الأسبوعية في بعض التقديرات. وهذا لا يعني أن الأهل يجب أن يعيشوا في حالة رعب. بل يعني شيئا أبسط: لا تجعلوا النظام الغذائي للأطفال أحادي الجانب. لا تجعلوا الطفل يعيش على المعكرونة وحدها. ولا على الأرز وحده. ولا على الحبوب وحدها. ولا على منتج واحد مهما بدا صحيا. التنوع عند الطفل ليس رفاهية. إنه نوع من التأمين الغذائي. إنّ الوقاية لا تحتاج إلى فلسفة معقدة, ولا يجب أن نتعامل مع كل خبر عن «مادة سامة» باعتباره أمرا طارئا يستوجب تغيير حياتنا في الليلة نفسها. اقرأ. تحقق. اسأل: ما الكمية؟ ما المصدر؟ ما مدة التعرض؟ ما حجم الخطر؟ وما الذي تقوله الجهات العلمية؟ هذه الأسئلة الأربعة يمكن أن تنقذ الإنسان أحيانا من خطأين متناقضين: الاستهانة. والهلع.
العلم لا يعدنا بعالم بلا خطر وهذه ربما أصعب حقيقة في العصر الحديث. نحن نريد من العلم أن يعطينا ضمانا مطلقا. قل لنا إن هذا الطعام آمن. قل لنا إن هذا الماء آمن. قل لنا إن هذا الدواء آمن. قل لنا إن هذه المادة لا تسبب شيئا. لكن العلم الجاد لا يتحدث بلغة اليقين المطلق في عالم معقد. إنه يتحدث بلغة الاحتمالات. والجرعات. والتعرض. والسكان. والفئات الحساسة. والآثار طويلة المدى. وهذا ليس ضعفا في العلم. هذه قوته. لأنه يرفض أن يكذب علينا كي يطمئننا. قد يكون الكادميوم خطرا صحيا حقيقيا. وهذا أمر لا ينبغي إنكاره. وقد يكون تقليل التعرض له هدفا مشروعا. وهذا أيضا أمر تؤكده الهيئات الصحية. لكن الذعر شيء آخر. الذعر لا يقيس. الذعر لا يقارن. الذعر لا يعرف الجرعة. الذعر لا يعرف الزمن. الذعر لا يعرف الفرق بين وجود مادة في المختبر وبين بلوغ تعرض الإنسان مستوى يثير قلقا صحيا. الذعر يريد جملة واحدة: «هذا سام.» ثم يبني عليها قصرا من الرعب. أما العلم فيقول: نعم، المادة سامة. لكن دعنا نعرف كم منها، وكيف دخلت إلى الجسم، وكم مرة، ومن تعرض لها، وما حجم الخطر الفعلي. هذه الجملة أطول. لكنها أكثر أمانا.
وربما يكون الدرس الأكبر أنّ المكرونة التي نظرنا إليها فجأة بعين الشك ليست هي العدو. العدو الحقيقي هو وهم السيطرة المطلقة. ذلك الوهم الذي يجعلنا نعتقد أننا نستطيع أن نضمن لأنفسنا حياة خالية من كل خطر إذا اشترينا المنتج الصحيح. لا. الحياة أكثر تعقيدا. لكن التعقيد لا يعني العجز. يمكننا، قبل كل ذلك، أن نتعلم كيف نفرق بين الخطر الحقيقي والضجيج الذي يحيط به. لأن أخطر شيء في عصر المعلومات ليس أننا لا نعرف. بل أننا نعرف أشياء كثيرة، دفعة واحدة، ومن دون أن نعرف كيف نضعها في أحجامها الصحيحة. ربما لا تكون المعركة الحقيقية ضد الكادميوم وحده. ربما تكون ضد الجهل به. وضد المبالغة فيه. وضد إنكاره. وضد تحويله إلى وحش أسطوري. نحن بحاجة إلى شيء نادر في زمن العناوين الصادمة: عقل هادئ. العقل الهادئ لا يقول: لا تقلق. ولا يقول: اهرب. بل يقول: افهم. قيس. قارن. نوع. راقب. ثم عش. فالمائدة ليست مختبرا للسموم فقط. إنها أيضا واحدة من آخر المساحات التي يمكن للإنسان أن يتصالح فيها مع جسده ومع الطبيعة ومع الآخرين. ولا ينبغي أن نسمح لوسواس الخناس أن يدخل إليها مرتديا معطف العلم. فهو حين يأتيك من باب الخرافة تستطيع أن تطرده بسهولة. لكن حين يأتيك من باب «المعلومة»، يصبح أكثر دهاء.
لهذا لا نحتاج إلى إغلاق باب المطبخ. نحتاج فقط إلى فتح نافذة العقل. أن نعرف أن الكادميوم موجود، وأن تقليل التعرض له هدف صحي حقيقي، وأن الجهات العلمية تراقبه، وأن الغذاء المتنوع أكثر حكمة من الغذاء الأحادي، وأن المسؤولية ليست كلها على المستهلك. ثم نعود إلى المائدة. لا ببراءة الجاهل. ولا برعب المهووس. بل بوعي الإنسان الذي يعرف أن الطبيعة ليست معقمة، وأن الحضارة ليست بريئة تماما، وأن الجسد ليس آلة من زجاج، وأن الصحة ليست غياب كل خطر، بل القدرة على إدارة المخاطر بعقل. وفي النهاية، ربما تكون الحكمة كلها مختبئة في تلك المسافة الصغيرة بين لقمة وأخرى: أن نأكل… لكن أن نفكر. أن نعرف… لكن ألا نرتعب. أن نحذر… لكن ألا نعبد الخوف. فالإنسان لا يستطيع أن يعيش داخل مختبر. ولا يستطيع أن يحول المائدة إلى غرفة طوارئ.
وإذا كان الكادميوم قد تسلل إلى غذائنا عبر مسارات معقدة من الأرض والزراعة والبيئة والصناعة، فإن الوسواس يستطيع أن يتسلل إلينا عبر مسار أبسط بكثير: خبر مخيف، ثم بحث طويل، ثم خوف، ثم خوف من الخوف. وهنا بالذات يجب أن يتدخل العقل. ليس لكي ينكر الخطر. بل لكي يمنع الخطر من أن يتحول إلى إله. فالصحة ليست أن نعيش خائفين من كل شيء. الصحة أن نعرف ما الذي يستحق الخوف فعلا، وما الذي يستحق الحذر، وما الذي يستحق المراقبة، وما الذي ينبغي أن نتركه ببساطة يمر. وفي طبق المعكرونة، كما في الحياة كلها، ليست الحكمة أن نسأل: «هل هذا الطعام خال من الخطر؟» بل السؤال الأكثر نضجا: «كيف أبني حياة يكون فيها الخطر أقل، والصحة أكثر، والعقل حرا من الخوف؟» وهنا فقط… يعود الطعام طعاما. ويعود العلم علما. ويعود الخوف إلى حجمه الطبيعي. وتعود المائدة، مرة أخرى، مكانا للحياة لا لمحاكمة الحياة.
📲 Partager sur WhatsApp