حين يُعتقل الراب في الجزائر: «زوج بغال»

بقلم د. عبد الرحمن مكاوي-باريس
مذكرة عاجلة حول حرية التعبير الفني


ليست القضية هنا أغنية فحسب، ولا مغني راب وجد نفسه خلف القضبان بسبب كلمات صادمة. القضية أعمق من ذلك بكثير: إنها تتعلق بالحد الفاصل بين إهانة السلطة وانتقادها، بين التعبير الفني والجريمة، وبين حماية الدولة من خطاب خطير وحماية السلطة من خطاب مزعج. وبحسب المعطيات التي أوردتها منظمة SHOAA for Human Rights ومصادر متداولة حول القضية، فقد أدانت محكمة تلمسان، في 29 أغسطس/آب 2026، مغني الراب الجزائري زكريا قارة سليمان، المعروف فنيا باسم ZD4، وحكمت عليه بسنة حبس نافذ مع الإيداع الفوري، على خلفية أغنية حملت عنوان «ZOJ BGHAL» — «زوج بغال»، مع نسبة تهمة إهانة رئيس الجمهورية إليه. وقبل ذلك بيوم، في 28 أغسطس، كان الفنان قد اعتُقل في تلمسان، قبل أن يُقدَّم إلى النيابة ويُحاكم في إطار المثول الفوري. إذا صحت هذه الوقائع كما أُعلن عنها، فإن السؤال الذي ينبغي أن يتجاوز حدود الجزائر هو: هل يجوز للدولة أن تحوّل استعارة فنية، مهما كانت قاسية أو مستفزة، إلى سنة من الحرمان من الحرية عندما تتناول رئيس الدولة والسياسة العامة؟ هذا السؤال ليس جزائريًا فقط. إنه سؤال عن معنى حرية التعبير في زمن تتقلص فيه المسافة بين الفن والسياسة، ويصبح المغني، أحيانا، أكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور من السياسي والصحفي.

«زوج بغال»: عندما يصبح اسم الحدود عنوانا للأغنية

عنوان الأغنية ليس تفصيلا عابرا. «زوج بغال» هو اسم المركز الحدودي بين مغنية الجزائرية ووجدة المغربية، ذلك المعبر الذي تحول، منذ إغلاق الحدود البرية الجزائرية ـ المغربية عام 1994، إلى أحد أكثر الرموز كثافةً في علاقة البلدين المضطربة. حدود مغلقة منذ عقود، وشعبان تجمعهما الجغرافيا والتاريخ واللغة والروابط الاجتماعية، فيما تفصل بينهما حسابات الدولة والسياسة. من هنا تبدو الاستعارة التي اختارها ZD4 ذات دلالة سياسية واضحة: الحدود ليست مجرد خط على الخريطة؛ إنها صورة للقطيعة نفسها. وبحسب الرواية التي قدمتها SHOAA، فإن الرسالة الأساسية للأغنية ليست التحريض على الشعب المغربي أو الجزائري، وإنما نقد منطق العداء الذي يفصل الشعبين، والتنديد بأنظمة سياسية تجعل من الخصومة بين الدولتين واقعًا دائما، بينما يظل المواطن العادي في الضفتين يدفع ثمن هذا الانقسام. وهنا تكمن المفارقة الكبرى. إذا كان الفنان ينتقد السلطة لأنه يرى أنها تغذي القطيعة، وإذا كان خطابه يدعو إلى التقارب بين الشعبين، فإن تجريم هذا الخطاب باسم حماية الوحدة الوطنية يطرح سؤالًا شديد القسوة: أي وحدة يجري الدفاع عنها؟ وحدة السلطة مع خطابها السياسي؟ أم وحدة الشعب مع مصالحه وذاكرته وروابطه العابرة للحدود؟

الفنان لا يتحدث بلغة وزارة الخارجية

الفن لا يكتب مذكرات دبلوماسية. الراب، تحديدًا، وُلد في جزء كبير من روحه من الاحتجاج، ومن اللغة الحادة، ومن السخرية، ومن قلب المفردات المألوفة ضد أصحاب القوة. إنه جنس فني لا يطلب الإذن كي يكون صادمًا. وهنا ينبغي الانتباه إلى أمر جوهري: قيمة التعبير السياسي لا تقاس بمدى تهذيبه. لو كانت حرية التعبير لا تحمي إلا العبارات التي توافق عليها السلطة، لما كانت حرية أصلا؛ ولكانت مجرد امتياز ممنوح للكلام المقبول. لقد أكدت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، في تعليقها العام رقم 34 بشأن المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، أن حرية التعبير تشمل الخطاب السياسي، والتعليق على الشؤون العامة، والصحافة، وكذلك التعبير الثقافي والفني. بل إن الحماية قد تمتد إلى التعبيرات التي يعتبرها البعض شديدة الإساءة، مع خضوع القيود، في الحالات المشروعة، لشروط الضرورة والتناسب. والأكثر وضوحًا أن اللجنة تؤكد أن مجرد اعتبار التعبير مهينا لشخصية عامة لا يكفي بذاته لتبرير العقوبة، وأن كبار المسؤولين، بمن فيهم رؤساء الدول والحكومات، يظلون خاضعين بصورة مشروعة للنقد والمعارضة السياسية. كما حذرت من القوانين التي تجرّم إهانة رئيس الدولة أو عدم احترام السلطة، ومن فرض عقوبات أشد لمجرد أن الشخص المستهدف شخصية عامة. هذه ليست وجهة نظر شاعر. إنها واحدة من أهم القواعد التفسيرية الدولية لحرية التعبير.

المشكلة ليست في الشتيمة وحدها

قد تكون بعض عبارات الأغنية جارحة. قد تكون صادمة. وقد يرى كثيرون أنها تتجاوز حدود الذوق العام. لكن الذوق العام ليس معيارا كافيا لتحديد الجريمة السياسية. الديمقراطية الحقيقية لا تختبر حرية التعبير عندما يمتدح الفنان رئيس الدولة؛ بل تختبرها عندما يسخر منه. ولا تختبر عندما يكتب الشاعر قصيدة وطنية ترضي الجميع؛ بل عندما يستخدم الرمز والكناية والغضب ليقول إن شيئا ما في الدولة يسير في الاتجاه الخطأ. والسؤال القانوني ليس: هل أغضبت الأغنية السلطة؟ بل: هل شكلت الأغنية تهديدا محددا ومباشرًا يبرر سلب الحرية؟ فالقيود على حرية التعبير، وفق المعايير الدولية، يجب أن تستند إلى أساس قانوني وأن تخدم غرضا مشروعا، وأن تكون ضرورية ومتناسبة معه، مع ضرورة إثبات طبيعة التهديد بصورة محددة وفردية، لا بمجرد الاستناد إلى عبارات عامة عن الأمن أو النظام العام أو هيبة الدولة. وهنا تحديدا تصبح عقوبة سنة من السجن مسألة تستحق التدقيق.

من «زوج بغال» إلى سؤال أكبر: هل أصبح الفن منطقة أمنية؟

تقول منظمة SHOAA إن قضية ZD4 تأتي في سياق أوسع من التضييق على أصوات فنية وناشطة، وتربطها بقضايا أخرى، من بينها اعتقال مغني الراب أمين بوكندورة وقضية الفنانة والناشطة جميلة بنتويس. وإذا صح هذا السياق، فإن القضية لا تعود مجرد نزاع قضائي منفرد حول كلمات أغنية. إنها تصبح مؤشرًا على علاقة الدولة الجزائرية بالثقافة الاحتجاجية. فحين يبدأ الفنان في الاقتراب من الملفات السياسية الحساسة، يصبح السؤال: هل ما زال فنانا، أم يتحول في نظر السلطة إلى فاعل سياسي؟ هذه المنطقة الرمادية هي التي ينبغي أن تقلق المدافعين عن حرية التعبير. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للفن ليس أن يُنتقد. بل أن يبدأ الفنان بمراقبة نفسه قبل أن تراقبه السلطة. عندها يصبح السجن حاضرًا حتى عندما لا يكون في قاعة المحكمة. يصبح الرقيب داخل رأس الشاعر. ويصبح السؤال قبل كتابة كل بيت: هل يمكن أن يأخذني هذا الكلام إلى السجن؟ وهذه هي الرقابة الذاتية؛ وهي في كثير من الأحيان أكثر فعالية من الرقابة المباشرة.

«الوحدة الوطنية» ليست شيكا على بياض

في الدول التي عاشت تاريخا طويلا من الصراعات، تصبح مفردات مثل «الوحدة الوطنية»، و«أمن الدولة»، و«المصلحة العليا» شديدة القوة. لكن قوتها الرمزية لا تعني أنها مستثناة من الاختبار القانوني. يمكن للدولة أن تحمي أمنها. ويمكنها أن تواجه التحريض الحقيقي على العنف. ويمكنها أن تتدخل عندما يتحول الكلام إلى دعوة محددة ومباشرة إلى الكراهية أو الاعتداء. لكن الفرق هائل بين التحريض على الكراهية وبين انتقاد النظام الذي يُعتقد أنه ينتج الكراهية. إذا كان مضمون «زوج بغال»، وفق الرواية الحقوقية المقدمة عنها، يدعو الجزائريين والمغاربة إلى تجاوز العداء، ويصور معاناتهم المشتركة من الفقر والتهميش والحرمان من الآفاق، فإن وضع هذا الخطاب في خانة المساس بالوحدة الوطنية سيكون مفارقة سياسية وأخلاقية لا يمكن تجاهلها. لأن المصالحة بين الشعوب ليست خيانة. والدعوة إلى إنهاء الخصومة بين شعبين شقيقين ليست بالضرورة تهديدا للأمن. بل قد تكون، من زاوية أخرى، شكلا من أشكال المواطنة النقدية.

الجزائر والمغرب: حين تصبح الحدود أقوى من الذاكرة

لا يمكن فهم «زوج بغال» خارج التاريخ الثقيل للعلاقات الجزائرية ـ المغربية. فمنذ إغلاق الحدود البرية بين البلدين عام 1994، أصبحت المنطقة الحدودية أكثر من نقطة عبور ممنوعة. تحولت إلى استعارة سياسية عن مغرب عربي عاجز عن الحركة، وعن جغرافيا مفتوحة نظريا ومغلقة عمليا. وفي مدن الشرق الجزائري وغرب المغرب، لا يحتاج المواطن إلى درس في العلاقات الدولية كي يفهم معنى الحدود. هناك عائلات. ولهجات مشتركة. وأسماء متشابهة. وذاكرة اجتماعية تتجاوز ما تكتبه البيانات الرسمية. لهذا فإن «زوج بغال» عنوان ذكي، حتى لو كان مستفزا: إنه يأخذ اسم مكان جغرافي ويحوّله إلى مرآة سياسية. إنه يقول، بلغة الراب، ما قد تعجز عنه لغة البيانات: كيف يمكن لشعبين متجاورين أن يظلا أسرى خلاف سياسي عمره عقود؟ ومن هنا، فإن محاكمة أغنية كهذه لا تتعلق فقط بمغن وكلمات. إنها، رمزيا، محاكمة للسؤال نفسه: هل يحق للمواطن أن يتخيل علاقة أخرى بين بلده وجاره؟

الخطر الحقيقي على الدولة ليس الأغنية

الدول القوية لا تخاف من أغنية. الدولة الواثقة من شرعيتها تستطيع أن تسمع الشتيمة، وترد عليها بالحجة، وتترك الجمهور يحكم. أما عندما تصبح الأغنية سببًا كافيًا للسجن، فإن المشكلة لا تعود في قوة الفنان، بل في هشاشة المجال العام. ليس لأن الفنان أقوى من الدولة. بل لأن الدولة، عندما ترد على استعارة فنية بأداة السجن، تمنح تلك الاستعارة قوة لم تكن لتحصل عليها وحدها. كان يمكن لـ«زوج بغال» أن تكون أغنية عابرة. لكن حين يدخل صاحبها السجن بسببها، يتحول العنوان إلى قضية حقوقية. ويتحول المغني إلى رمز. وتتحول الكلمات إلى وثيقة سياسية. وتنتقل الأغنية من منصات الموسيقى إلى سجلات المنظمات الحقوقية والصحافة الدولية. وهنا ترتكب السلطة، إن صحت الوقائع المنسوبة إليها، خطأ استراتيجيا: إنها تجعل من الفن الذي أرادت إسكاتَه أكثر حضورا مما كان عليه قبل العقوبة.

السجن ليس نقدا فنيا

من حق المجتمع أن يرفض الأغنية. ومن حق الجمهور أن يعتبرها مبتذلة أو جارحة أو سيئة سياسيا. ومن حق صحفي أن ينتقدها. ومن حق سياسي أن يرد عليها. بل من حق الدولة، إذا رأت فيها مخالفة قانونية حقيقية، أن تحقق وتعرض أدلتها أمام قضاء مستقل. لكن الانتقال من كل ذلك إلى سلب الحرية يحتاج إلى عتبة قانونية وأخلاقية أعلى بكثير. المعيار الدولي واضح في هذه النقطة: حرية التعبير لا تحمي الكلام المريح فقط، والتعبير السياسي بشأن الشخصيات والمؤسسات العامة يحظى بحماية قوية، كما أن القيود يجب ألا تكون مفرطة في الاتساع وأن تحترم مبدأ التناسب. وفي ما يتعلق بالتشهير تحديدا، يدعو تعليق اللجنة إلى الحذر من العقوبات المفرطة، ويشير إلى أن السجن ليس عقوبة مناسبة في قضايا التشهير. فكيف إذا كان الأمر يتعلق بعمل فني ذي مضمون سياسي، وكانت الرسالة الأساسية المنسوبة إليه هي الدعوة إلى التقارب بين شعبين؟

القضية التي ينبغي أن تصل إلى الخارج

من السهل اختزال قضية ZD4 في عنوان مثير: مغني راب يسجن بسبب أغنية عن المغرب. لكن هذا الاختزال يضيّع جوهر المسألة. المسألة الحقيقية هي حدود السلطة على الخيال السياسي للمواطن. هل يمكن للفنان أن يتخيل السلام؟ هل يمكنه أن يسخر من الرئيس؟ هل يمكنه أن ينتقد سياسة خارجية؟ هل يمكنه أن يقول إن العداء بين دولتين لا يعني بالضرورة عداء الشعبين؟ هل يمكنه أن يستخدم لغة صادمة لكي يصل إلى جمهور لا تقرأ غالبيته البيانات الرسمية؟ هذه الأسئلة هي جوهر حرية التعبير في القرن الحادي والعشرين. وفي عالم أصبحت فيه الموسيقى والـ«راب» والمنصات الرقمية أدوات سياسية واجتماعية حقيقية، فإن محاولة إخضاع الثقافة لمنطق أمني صرف لن تؤدي إلى اختفاء الخطاب. ستدفعه فقط إلى أماكن أكثر غضبا وأقل قابلية للحوار.

المطلوب ليس حصانة للفنان، بل حصانة للمبدأ

الدفاع عن ZD4 لا يعني القول إن الفنان فوق القانون. ولا يعني أن كل ما يقوله الفنان يجب أن يكون مقبولا. ولا يعني منح الراب رخصة لإهانة الناس أو التحريض عليهم. المبدأ أبسط وأصعب في الوقت نفسه: إذا كان الفنان قد ارتكب جريمة حقيقية، فليُثبت ذلك أمام محكمة مستقلة وبمعايير قانونية واضحة. أما إذا كانت جريمته الوحيدة أنه انتقد رأس الدولة بلغة فنية صادمة، فإن السجن يصبح مسألة تتجاوز شخصه إلى حرية المجال العام كله. هذه هي النقطة التي ينبغي ألا تضيع وسط الضجيج. فالدولةليست فقط بقدرتها على معاقبة خصومها. بل بقدرتها على تحمّل النقد الذي لا تحبه. والرئيس الذي يحتاج إلى سجن مغن كي يحمي صورته ليس أقوى بسبب ذلك. والدولة التي تخشى أغنية لا تصبح أكثر أمنا بإسكاتها. والحدود التي تحتاج إلى تجريم أغنية كي تظل مغلقة ليست أكثر رسوخا.

«زوج بغال» أكبر من أغنية

ربما لهذا السبب تحديدا أصبحت قضية ZD4 تستحق أن تُقرأ خارج حدود تلمسان. إنها قصة فنان شاب، بحسب الرواية المتداولة، أراد أن يتحدث عن شعبين يراهما ضحيتين للخصومة، فاستخدم اسم معبر حدودي مغلق عنوانا لأغنيته، وانتقد النظام السياسي من خلال السخرية والرمز. ثم وجد نفسه في السجن. وهنا ينقلب السؤال. لم تعد القضية: ماذا قال ZD4؟ بل: ماذا تستطيع دولة حديثة أن تحتمل من الكلام؟ في المجتمعات الحرة، لا تكون قوة النظام في ألا يُنتقد. بل في أن يبقى قائما رغم النقد. ولا تكون قوة الدولة في أن تصمت الأغاني. بل في أن تستطيع الاستماع إليها، الرد عليها، تفنيدها، والسماح للمجتمع بأن يقرر بنفسه. أما حين يصبح السجن هو الجواب على الأغنية، فإن الأغنية لم تعد وحدها المتهمة. إن حرية التعبير نفسها أصبحت في قفص الاتهام. وإذا كانت أغنية «زوج بغال» قد أرادت، كما تقول الرواية الحقوقية عنها، أن تفتح الحدود بين شعبين، فإن المفارقة المأساوية هي أن مغنيها وجد نفسه خلف حدود أخرى: حدود السجن. وهنا تحديدا ينبغي أن يتوقف الضمير الحقوقي الدولي. لأن حرية التعبير الفني لا تُختبر عندما يقول الفنان ما نريد سماعه. إنها تُختبر عندما يقول ما يزعجنا، وما يحرجنا، وما يجعل السلطة تنظر في المرآة. وفي تلك اللحظة بالذات، لا ينبغي أن تكون الإجابة أغلالا. ينبغي أن تكون حجة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *