مذكرة استراتيجية بقلم د. عبد الرحمن مكاوي
هناك لحظات في التاريخ لا تسقط فيها المدن وحدها، بل تسقط معها قواعد اللعبة. وسقوط المخا، وما تلاه من تمدد حوثي نحو المواقع والجزر المشرفة على باب المندب، ينتمي إلى هذا النوع من اللحظات. فالمسألة لم تعد متصلة فقط بخريطة الحرب اليمنية، ولا بموازين القوى بين الحوثيين وخصومهم، بل أصبحت متصلة بالسؤال الأكبر: من يملك القدرة على التحكم في واحد من أهم مفاتيح الحركة بين المحيط الهندي والبحر المتوسط؟ باب المندب ليس مجرد مضيق. إنه عقدة جغرافية تلتقي عندها التجارة والطاقة والأمن والسياسة. ومن يقترب من السيطرة على هذه العقدة لا يحتاج إلى امتلاك البحر كله حتى يفرض كلفة على العالم. يكفي أن يستطيع تهديد السفن، أو رفع مستوى المخاطر، أو فرض شروط سياسية على المرور، حتى تتحول الجغرافيا إلى سلاح. وهنا تبدأ خطورة التحول الجديد.
من السيطرة على الساحل إلى امتلاك ورقة البحر
كان الحوثيون، طوال سنوات، قوة قادرة على تهديد الملاحة في البحر الأحمر. أما التطور الأخطر فهو انتقالهم من مجرد القدرة على التهديد إلى محاولة بناء واقع جغرافي وسياسي جديد حول باب المندب.فالسيطرة على المخا ومناطق الساحل الغربي والجزر القريبة من المضيق لا تمنحهم مجرد مكاسب عسكرية. إنها تمنحهم ما هو أكثر أهمية: موقعا يمكن تحويله إلى ورقة تفاوض.في الحروب التقليدية، تكون قيمة الأرض في المساحة التي تسيطر عليها. أما في الحروب البحرية، فقد تكون قيمة قطعة صغيرة من الأرض أكبر من مساحتها بعشرات المرات. جزيرة صغيرة، مرتفع ساحلي، بطارية مدفعية، مركز رصد، أو منصة إطلاق، يمكن أن تغير حسابات سفينة تجارية تعبر ممرا دوليا.ولهذا فإن المعركة حول باب المندب ليست معركة على الكيلومترات، بل على القدرة على جعل الآخرين يعيدون حساباتهم. وإذا اضطرت شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، وارتفعت أقساط التأمين، وازدادت تكلفة حماية السفن، فإن القوة التي تفرض هذه الكلفة تكون قد حققت جزءا من أهدافها حتى من دون إغلاق المضيق رسميا.
السعودية: بين ضرورة الاستعادة وخطر الحرب
في الرياض، تبدو المعادلة أكثر تعقيدا مما توحي به لغة التصعيد. السعودية لا تستطيع ببساطة قبول تحول باب المندب إلى نقطة ضغط استراتيجية عليها. فالمملكة لا تواجه فقط تهديدا عسكريا على حدودها، بل تجد نفسها أمام احتمال فقدان عمق بحري استراتيجي في الوقت الذي يتعرض فيه الخليج نفسه لضغط متزايد. لكن استعادة باب المندب بالقوة ليست عملية محدودة. إنها تعني الدخول في حرب برية جديدة على الساحل الغربي لليمن، في بيئة شديدة التعقيد، وبمشاركة قوات يمنية متعددة الولاءات، وفي مواجهة خصم اعتاد الحرب غير المتناظرة. ولهذا فإن السؤال الذي يواجه صانع القرار السعودي ليس ما إذا كانت القوة متوافرة. القوة متوافرة.السؤال هو: ما تكلفة استخدامها، وما الذي سيحدث في اليوم التالي؟ فقد تستطيع الرياض استعادة مدينة أو موقع.لكن هل تستطيع منع عودة الهجمات؟هل تستطيع حماية الطرق والموانئ؟ هل تستطيع تأمين الساحل؟ وهل تستطيع تحمل حرب طويلة إذا قرر الحوثيون تحويل كل انتصار سعودي إلى بداية لمعركة استنزاف جديدة؟ هذه هي المعضلة الحقيقية.
الحرب الجوية لا تستعيد المضائق
يمكن للطائرات أن تضرب المطارات ومخازن السلاح ومراكز القيادة. يمكنها تعطيل خطوط الإمداد وتدمير البنية اللوجستية. لكنها لا تستطيع رفع العلم فوق الأرض.وهذه الحقيقة القديمة هي التي تعود اليوم في باب المندبفالسيطرة على المضيق تبدأ من السيطرة على الأرض المحيطة به، واستعادة الأرض تحتاج إلى قوات برية قادرة على البقاء، لا مجرد التقدم. وهنا تبرز أهمية القوات اليمنية المناهضة للحوثيين، وفي مقدمتها القوات الموجودة في الساحل الغربي. لكن هذه القوات تواجه مشكلة مزمنة: القدرة العسكرية لا تكفي إذا لم تترافق مع وحدة القرار السياسي والعسكري. لقد أثبتت الحرب اليمنية أن تعدد القوى المناهضة للحوثيين يمكن أن يكون نقطة ضعف بقدر ما يكون نقطة قوة. وكلما طال الصراع، ازدادت قدرة الخصم على استغلال التباينات بين هذه القوى.لذلك فإن أي هجوم لاستعادة باب المندب سيكون اختبارا ليس فقط للحوثيين، بل أيضا لمدى قدرة خصومهم على العمل كقوة واحدة.
واشنطن لا تريد حربا أخرى
في هذه اللحظة، تدخل الولايات المتحدة الحسابات بطريقة مختلفة. واشنطن لا تستطيع تجاهل باب المندب لكنها لا تريد بالضرورة أن تصبح هي الطرف الذي يخوض الحرب.هذا الفارق جوهري. فالدخول العسكري الأمريكي المباشر ضد الحوثيين قد يمنح المعركة بعدا جديدا تماما. وقد يدفع إيران إلى توسيع دائرة الرد، ويحول اليمن من ساحة صراع إقليمي إلى جبهة مباشرة في المواجهة الأمريكية الإيرانية. ولهذا تبدو السياسة الأمريكية أقرب إلى صيغة:
الدعم من الخلف، لا الحرب من الأمام-
معلومات استخباراتية-
مراقبة بحرية-
دعم للاستهداف-
تنسيق عسكري-
لكن من دون تحمل كلفة الحرب البرية أو الجوية المباشرة على نطاق واسع-
وهي صيغة تسمح لواشنطن بمساعدة حليفها من دون فتح باب حرب لا تعرف كيف ستغلقه-
لكن المشكلة أن هذه السياسة قد تكون فعالة في منع الانهيار، لا في استعادة الأرض-
إيران لا تحتاج إلى السيطرة على باب المندب
من الخطأ اختزال المسألة في سؤال: هل تتحكم إيران مباشرة في الحوثيين؟ السؤال الأكثر أهمية هو: هل تستفيد إيران من النتيجة؟ والجواب واضح. كلما ازدادت الضغوط على السعودية، وكلما ارتفعت كلفة الملاحة في البحر الأحمر، وكلما انشغل الغرب بحماية ممراته البحرية، ازدادت قيمة الورقة اليمنية في الحساب الإيراني. إيران لا تحتاج إلى رفع علمها فوق باب المندب. يكفي أن تكون هناك قوة حليفة لها تملك القدرة على تهديده. وهذه واحدة من أهم قواعد النفوذ في الشرق الأوسط الحديث: ليس ضروريا أن تملك الموقع حتى تستفيد من السيطرة عليه. يكفي أن يكون الخصم مضطرا إلى أخذ مصالحك في الحسبان كلما حاول الاقتراب منه. وهكذا يصبح باب المندب امتدادا غير مباشر للصراع حول هرمز. في الشرق، هرمز. وفي الغرب، باب المندب. وبينهما اقتصاد عالمي يعتمد على حرية الحركة.
الحوثيون والانتقال من السلاح إلى السياسة
المفارقة الأكثر أهمية في المشهد الحالي أن الحوثيين لا يحاولون فقط استخدام القوة إنهم يحاولون أيضا صياغة خطاب سياسي يبرر استخدام القوة. حين تقول جماعة مسلحة إن سفنا معينة يمكنها المرور بينما تمنع سفنا أخرى، فإنها لا تتحدث فقط بلغة الصاروخ والمدفع. إنها تتحدث بلغة السلطة. وهنا تكمن الخطورة.فالمشكلة ليست فقط في أن جماعة مسلحة تملك القدرة على ضرب السفن، بل في أن تبدأ هذه الجماعة في تقديم نفسها بوصفها الجهة التي تملك حق تحديد شروط المرور. ذلك يعني الانتقال من: تهديد الملاحة إلى: ادعاء سلطة على الملاحة. والفارق بين الاثنين هائل. الأول مشكلة أمنية. أما الثاني فهو تحد سياسي وقانوني للنظام الدولي.
المعركة الحقيقية قد تكون مع الزمن
في الظاهر، تبدو المعركة حول الأرض. لكن في العمق، المعركة حول الزمن. كل يوم يبقى فيه الحوثيون في مواقعهم يمنحهم فرصة لتحصينها. كل أسبوع يمر يتيح لهم إعادة ترتيب شبكات الإمداد. كل شهر يستمر فيه اضطراب الملاحة يجعل شركات النقل أكثر اعتيادا على المسارات البديلة. وهنا يمكن أن يتحول المؤقت إلى دائم.وهذا هو الخطر الذي ينبغي أن يقلق منه خصوم الحوثيين. فاستعادة الأرض بعد أشهر قد تكون ممكنة. لكن استعادة الثقة في الممر البحري قد تحتاج سنوات. شركات التأمين لا تنسى بسرعة. وشركات النقل لا تعود إلى طريق خطر لمجرد أن الخريطة العسكرية تغيرت. والمستثمرون لا يبنون قراراتهم على الأمل، بل على المخاطر. لذلك فإن كل يوم من بقاء الأزمة يحمل كلفة استراتيجية تتجاوز ساحات القتال.
باب المندب والاقتصاد العالمي
قد يبدو الصراع بعيدا عن أوروبا وشرق آسيا وأمريكا الشمالية. لكنه ليس كذلك. كل حاوية تمر بين آسيا وأوروبا تتأثر بمسار السفن. كل ناقلة نفط تمر في البحر الأحمر تتأثر بالتأمين. كل شركة شحن تواجه خيارا بين طريق قصير عالي المخاطر وطريق طويل عالي التكلفة. وهكذا تنتقل الحرب من الجغرافيا إلى الاقتصاد. إذا اضطرت السفن إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح، فإن الرحلة تصبح أطول. وإذا ارتفعت تكلفة الوقود، ترتفع تكلفة النقل. وإذا ارتفع التأمين، ترتفع أسعار السلع. وإذا طالت الأزمة، تدخل تكاليفها في الحسابات العالمية. لهذا فإن باب المندب ليس شأنا سعوديا ولا يمنيا فقط. إنه جزء من البنية التحتية غير المرئية للاقتصاد العالمي. وعندما تتعرض هذه البنية للخطر، يشعر بها المستهلك في مكان قد يبعد آلاف الكيلومترات عن اليمن.
هل تذهب السعودية إلى الهجوم الكبير؟
حتى الآن، لا يبدو أن الخيار الأكثر ترجيحا هو اندفاع بري سعودي واسع ومباشر. الأقرب هو مزيج من الضربات الجوية، والدعم الاستخباراتي، والضغط الاقتصادي، وبناء قدرة يمنية محلية، والتحرك الدبلوماسي الإقليمي. لكن هذا الخيار يحمل مشكلة واضحة: إنه يمنح الحوثيين الوقت. وإذا كان الوقت في صالح من يملك الأرض، فإن الانتظار ليس محايدا. كل تأخير يرفع كلفة الاستعادة. وكلما زادت التحصينات، أصبحت المعركة أكثر تعقيدا. وكلما طال اضطراب الملاحة، ازدادت احتمالات تحول الواقع الجديد إلى وضع مقبول بحكم الأمر الواقع. وهنا قد تضطر السعودية في النهاية إلى الاختيار بين حرب مكلفة الآن، وحرب أكثر كلفة في المستقبل.
باكستان وتركيا: محاولة كسر دائرة الحرب
في هذه البيئة، تصبح الدبلوماسية جزءا من استراتيجية الأمن. باكستان تملك ميزة لا تملكها كثير من الدول: علاقة وثيقة مع الرياض، وقنوات اتصال مع طهران. وتركيا تستطيع أن تضيف وزنا سياسيا وعسكريا إلى أي ترتيبات إقليمية أوسع. لكن لا ينبغي المبالغة في الدور الذي تستطيعان القيام به. لا يمكن للدبلوماسية أن تستعيد باب المندب وحدها. لكنها تستطيع أن تمنع تحول المعركة إلى حرب إقليمية شاملة. وهذا ربما يكون هدفها الأكثر واقعية. فالانتصار في مثل هذه الأزمات لا يعني دائما هزيمة الخصم. أحيانا يعني منع الخصم من توسيع ساحة الحرب.
السيناريوهات الثلاثة
يمكن اختصار المرحلة المقبلة في ثلاثة سيناريوهات.
السيناريو الأول: الاستعادة السريعة
تنجح القوات اليمنية المدعومة إقليميا في شن هجوم فعال، وتتمكن من استعادة المواقع الساحلية قبل أن ينجح الحوثيون في تحويل سيطرتهم إلى واقع دائم. في هذه الحالة، تتراجع قيمة الورقة الحوثية، وتعود أزمة باب المندب إلى كونها جبهة عسكرية محدودة.
السيناريو الثاني: حرب الاستنزاف
يتعذر الحسم. تبقى الضربات الجوية مستمرة، بينما يحافظ الحوثيون على مواقعهم. تتراجع الملاحة. ترتفع كلفة التأمين. ويصبح باب المندب منطقة نزاع مزمنة. وهذا هو السيناريو الذي قد يكون الأكثر إيلاما للسعودية والاقتصاد العالمي في الوقت نفسه.
السيناريو الثالث: التسوية الكبرى
تتحول السيطرة على باب المندب إلى ورقة في مفاوضات إقليمية أوسع. وفي هذه الحالة قد لا تكون المعركة العسكرية هي التي تحسم مصير المضيق، بل صفقة تشمل اليمن وإيران والسعودية والولايات المتحدة، وربما ترتيبات دولية لحماية الملاحة. وهذا السيناريو يبدو بعيدا، لكنه ليس مستحيلا. ففي الشرق الأوسط، كثيرا ما تصبح الأزمات العسكرية مقدمة لتسويات سياسية لم تكن ممكنة قبل اندلاعها.
الخطر الأكبر: تطبيع الاستثناء
الخطر الحقيقي ليس أن تغلق السفن طريقها لمدة أسبوع أو شهر. الخطر أن يصبح تغيير الطريق عادة. وأن تصبح المخاطر جزءا من تسعير النقل. وأن تتحول السيطرة العسكرية إلى عرف سياسي. وأن يتعامل العالم مع باب المندب بوصفه منطقة لا يمكن الوثوق بها. عندها تكون المعركة قد تجاوزت الجغرافيا. لقد أصبحت قاعدة جديدة. وهذا ما يجب أن تدركه الرياض وواشنطن وكل القوى المعنية بأمن البحر الأحمر. لأن استعادة الأرض أسهل من استعادة النظام الذي كان قائما قبل انهياره.
البحر الذي لا يملكه أحد
في النهاية، لا تكمن أهمية باب المندب في كونه مضيقا ضيقا بين سواحل متقابلة. تكمن أهميته في أنه بوابة لا تستطيع التجارة العالمية تجاهلها بسهولة. ومن يسيطر على محيط هذه البوابة لا يملك البحر بالضرورة، لكنه يستطيع أن يجعل الآخرين يدفعون ثمنا لاستخدامه. وهذه هي القوة الحقيقية في القرن الحادي والعشرين: ليست دائما في امتلاك الأرض. وليست دائما في امتلاك الصواريخ. بل في القدرة على التحكم في حركة الآخرين. السعودية تريد كسر هذه المعادلة قبل أن تستقر. والحوثيون يريدون تحويلها إلى ورقة تفاوض دائمة. وإيران تستفيد من اتساع مساحة الضغط على خصومها. وواشنطن تريد حماية الممرات من دون الانجرار إلى حرب جديدة. أما العالم، فينظر إلى البحر الأحمر من زاوية مختلفة تماما: هل سيبقى ممرا مفتوحا، أم يتحول إلى مسرح دائم للمساومات والحروب غير المباشرة؟ الإجابة لن تحدد مستقبل اليمن وحده. قد تحدد أيضا مستقبل واحدة من أهم طرق التجارة في العالم. ولهذا فإن معركة باب المندب ليست معركة على مضيق. إنها معركة على من يملك حق فرض الكلفة على العالم. وفي هذه المعركة، قد يكون أخطر سلاح ليس الصاروخ الذي يصيب سفينة، بل الخوف الذي يجعل مئات السفن تغير طريقها قبل أن تصل إلى مرماه. المعركة بدأت في اليمن، لكنها لم تعد يمنية. فإذا طال أمد السيطرة، فقد يتحول باب المندب من بوابة جغرافية إلى ورقة استراتيجية دائمة، ومن نقطة على الخريطة إلى واحد من أخطر مفاتيح الصراع على النظام الإقليمي والدولي.

في هذا الزمن الذي اكتسحت القوة والتقنية عالمه، يعتبر التحكم في المعابر والمضايق البحرية ، سلاح التفوق على مستوى حركة التجارة العالمية.، ووضع اليد على الاقتصاد العالمي. ما يسوغ الصراع الدولي الآن….