بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير وممثلة فرع باريس لرابطة كاتبات المغرب
في الثامن عشر من نونبر، لا نحتفل بتاريخ مضى، بل بذاكرة يجب ألا تموت
هناك تواريخ لا تمر على الأمم كما تمر الأيام العادية. تستقر في وجدانها، وتتحول مع الزمن إلى جزء من هويتها، وتصبح مسؤولية تتوارثها الأجيال. والثامن عشر من نونبر، ذكرى استقلال المغرب، واحد من هذه التواريخ التي لا يجوز أن نختزلها في احتفال سنوي أو خطاب رسمي أو صور تلتقط في قاعة ثم تنتهي بانتهاء المناسبة. إنه يوم يستعيد فيه المغرب لحظة استعادة كرامته وسيادته، لكنه يستعيد أيضا رحلة طويلة من الصمود والمقاومة والتضحيات. يوم يذكرنا بأن الاستقلال لم يكن هبة من أحد، ولا نتيجة عابرة لتبدل الظروف الدولية، بل كان ثمرة إرادة شعب رفض أن يتخلى عن حقه في تقرير مصيره، وتمسك بهويته وملكيته الوطنية ووحدته، ودفع في سبيل ذلك أثمانا لا يمكن اختزالها في صفحات قليلة من كتاب مدرسي.
الوطن، في معناه العميق، ليس مجرد مساحة تحددها الحدود، ولا أرضا نحمل جواز سفرها. الوطن ذاكرة، ووجوه لا تغيب، ولغة تحمل أصوات الأجداد، وحكايات تنتقل من جيل إلى آخر، وكرامة لا يستطيع الإنسان أن يتخلى عنها دون أن يفقد شيئا من نفسه. ولذلك فإن الحديث عن استقلال المغرب ليس حديثا عن الماضي وحده، بل عن معنى وجودنا اليوم، وعن واجبنا تجاه الذين صنعوا هذا الاستقلال، وعن مسؤوليتنا في أن لا نسمح لذاكرته بأن تتراجع أو تتلاشى، خصوصا لدى الأجيال المغربية التي ولدت ونشأت خارج أرض الوطن.

محمد الخامس: ملك عرف المنافي ولم يتخل عن وطنه
في قلب هذه الذاكرة يقف المغفور له محمد الخامس، بما يمثله من لحظة تاريخية التقت فيها رمزية العرش بإرادة الشعب المغربي. لم يكن نفيه مجرد إجراء اتخذته سلطات الحماية لإبعاد سلطان عن بلاده. لقد كان محاولة لفصل المغرب عن أحد رموزه التاريخية، وفصل الشعب عن مؤسسته الوطنية، وإضعاف الروابط التي حافظت على استمرارية الدولة المغربية في أحلك المراحل. لكن المنفى لم يطفئ حضور محمد الخامس في وجدان المغاربة. لقد تحول غيابه إلى حضور أكبر، وتحولت المحنة إلى قوة تعبئة وطنية، وأصبح ارتباط الشعب بملكه أحد التعبيرات العميقة عن رفض الخضوع وفقدان السيادة.
لقد عرفت رجلا محمد الخامس المنافي، وعرفت أسرته مرارة الإبعاد، وعرف المغاربة معنى أن يصبح غياب السلطان قضية وطنية جامعة. وحين عاد إلى أرض الوطن، لم تكن عودته مجرد رجوع شخص من المنفى، بل كانت لحظة رمزية كبرى في طريق استعادة الاستقلال. إننا حين نستحضر محمد الخامس لا نريد أن نحصره في صورة تاريخية معلقة على الجدران، ولا أن نكتفي بترديد اسمه في المناسبات. نريد أن نفهم الأجيال لماذا أصبح رمزا وطنيا، وما الذي عاناه، وما الذي مثله في تلك المرحلة، وكيف ارتبطت عودته باستعادة المغرب لسيادته. فالتاريخ لا يحيا بتكرار الأسماء، بل بفهم التجارب التي جعلت تلك الأسماء جزءا من ذاكرة الأمة. ومن واجبنا أن نذكر أيضا أن الاستقلال لم يكن من صنع شخص واحد، مهما بلغت رمزيته. فقد كان ثمرة تضحيات شعب بأكمله، ومقاومين وطنيين، وحركة سياسية وثقافية، ورجال ونساء حملوا القضية الوطنية في المدن والقرى والجبال، وفي البيوت والسجون والمنافي.
نساء المقاومة: نصف التاريخ الذي لم يأخذ مكانه كاملا
وهنا لا بد من التوقف عند حقيقة تاريخية وأخلاقية لا ينبغي أن نتجاوزها: لقد تحدثنا طويلا عن رجال المقاومة، واحتفينا بأسمائهم، وأقمنا حول سيرهم صورا وذاكرة ورموزا، بينما ظلت نساء كثيرات من صانعات الاستقلال في الظل، أو حضرت أسماؤهن على نحو متفرق، دون أن تنال ما تستحقه من دراسة وتوثيق وإنصاف. إن المرأة المغربية لم تكن متفرجة على تاريخ وطنها، ولم تكن مجرد امتداد عاطفي للرجل المقاوم. كانت في قلب المقاومة، وفي قلب الحياة اليومية التي جعلت استمرارها ممكنا. حملت الرسائل، ونقلت الأخبار، وأسهمت في إيواء المقاومين، وحفظت الأسر في ظروف الخوف والملاحقة، وساندت المعتقلين والمنفيين، وشاركت في الاحتجاجات والعمل الوطني، وتحملت أعباء غياب الزوج والأب والابن، وفي أحيان كثيرة دفعت ثمن مواقفها من أمنها وحريتها وحياتها.
وكانت هناك نساء شاركن بصورة مباشرة في العمل الوطني والمقاومة، ونساء واجهن القمع والاعتقال، ونساء حولن بيوتهن إلى فضاءات للتضامن والإسناد، وأمهات وزوجات وأخوات حافظن على تماسك العائلات في زمن كان فيه مجرد إظهار الانتماء الوطني قد يعرض الإنسان للخطر. ومن الظلم أن نختزل كل هذه الأدوار في عبارات عامة عن صبر المرأة أو تضحيتها. فالمطلوب ليس تمجيد المرأة بالكلمات فقط، بل إعادة النساء إلى مكانهن الحقيقي في كتابة التاريخ المغربي. إننا نحتاج إلى أسماء موثقة، وشهادات مسجلة، وأبحاث جامعية، وأرشيفات عائلية، وأفلام وثائقية تعرف الأجيال بنساء المقاومة في مختلف مناطق المغرب. نحتاج إلى أن نبحث في تاريخ المدن والقرى، وأن نستمع إلى شهادات الأحفاد، وأن نعيد قراءة الوثائق، وأن نخرج من النظرة التي جعلت البطولة الوطنية حكرا على الرجال.
وليس المقصود أن نستبدل رواية ناقصة برواية ناقصة أخرى، أو أن نقيم مواجهة بين الرجل والمرأة. فالمقاومة لم تكن منافسة بين الجنسين. كانت ملحمة وطنية اشترك فيها الجميع، كل من موقعه، وكل وفق ما أتاحته له ظروفه وقدراته وموقعه الاجتماعي. لكن الإنصاف يقتضي أن نعترف بأن حضور النساء كان أعمق وأوسع مما عكسته الروايات المتداولة. إن المرأة التي أخفت رسالة في ثيابها، أو فتحت باب بيتها لمقاوم مطارد، أو واجهت الخوف كي لا ينقطع طريق الإسناد، أو ربّت أبناءها على حب الوطن في غياب الأب المنفي أو المعتقل، لم تكن خارج التاريخ. كانت تصنع شروط استمراره. ولذلك لا ينبغي أن يظل حضور المرأة في تاريخ الاستقلال مجرد مناسبة عابرة في يوم المرأة، ولا أن ينحصر في خطاب عام عن تمكين النساء. إن المطلوب هو إعادة الاعتبار للمرأة باعتبارها فاعلة تاريخية، لها اسمها وتجربتها ومواقفها وشهادتها ومكانتها في ذاكرة الوطن. فلا يمكن أن نحتفي بالاستقلال وننصف تاريخه إذا ظل نصف المجتمع حاضرا في التضحيات وغائبا في كثير من صفحات التوثيق.

المغرب والجزائر: حين تجاوز نبل الموقف حدود الجغرافيا
ومن القيم التي تستحق أن نستعيدها في هذه المناسبة أن المغرب لم يكن ينظر إلى محيطه بمنطق الانغلاق أو الخوف من حرية الجار. فقد كان الوعي بالانتماء المغاربي، وبالتاريخ المشترك، وبقيمة التحرر من الاستعمار، حاضرا في عدد من المواقف المغربية التي تستحق أن تروى للأجيال. ويبرز موقف المغفور له محمد الخامس من الثورة الجزائرية شاهدا مهما على ذلك. فالمغرب الذي خاض معركته من أجل استعادة استقلاله لم يتعامل مع تطلع الشعب الجزائري إلى الحرية باعتباره خطرا ينبغي احتواؤه، بل ساند قضيته سياسيا ومعنويا، واحتضنت أراضيه مجاهدين ولاجئين، وشكلت فضاء للإسناد والاتصال والعمل المرتبط بالثورة الجزائرية.
والوثيقة الصحفية التي نستحضرها في هذا السياق، بما تحمله من إشارة إلى رسالة محمد الخامس إلى فرحات عباس بمناسبة ذكرى اندلاع الثورة الجزائرية، ليست مجرد قصاصة من أرشيف قديم. إنها شاهد يستحق الحفظ والتحقيق والتعريف، لأنها تكشف عن تصور للجوار يقوم على احترام تطلعات الشعوب، وعلى إدراك أن حرية الجزائر لا تنتقص من سيادة المغرب. إن حريتك لا تنتقص من حريتي، واستقلالك لا يهدد استقلالي. هذه ليست عبارة عاطفية فحسب، بل مبدأ سياسي وأخلاقي يليق بالدول الواثقة من تاريخها. ومن حق المغرب أن يروي هذه الصفحة من تاريخه، وأن يعتز بما قدمه في مرحلة كانت فيها مساندة حركات التحرر تحمل كلفة سياسية وإنسانية. كما أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بتضحيات الجزائريين أنفسهم وبحقهم في استقلالهم وتقرير مصيرهم. إن النبل المغربي لا يحتاج إلى إنكار تاريخ الآخرين كي يظهر، ولا إلى تحويل الذاكرة المشتركة إلى خصومة. بل إن قوة المغرب التاريخية والحضارية تظهر حين يستطيع أن يدافع عن مواقفه بثقة، وأن يروي تاريخه دون مبالغة، وأن يحترم في الوقت نفسه حق الشعوب الأخرى في رواية تاريخها.

من تلمسان ومغنية إلى فاس ووجدة: فضاء مغاربي من العلم والروح
إن العلاقة بين المغرب والجزائر أعمق من حدود السياسة الحديثة. ففي المجال الممتد بين فاس ووجدة ومغنية وتلمسان، نشأت عبر قرون مسالك للتجارة والرحلة والعلم والتصوف، وانتقل العلماء والطلبة، وتبادلت المدن الكتب والإجازات، وتشابكت الروابط الاجتماعية والروحية. وكانت تلمسان من الحواضر الكبرى في تاريخ المغرب الأوسط، وارتبطت في مراحل مبكرة بامتدادات إدريسية وسليمانية، قبل أن تعرف تاريخها السياسي الخاص، ومن أبرز محطاته الدولة الزيانية. كما شكلت الزوايا والطرق الصوفية وشبكات العلماء جسورا للتواصل بين الحواضر المغربية والجزائرية، وأسهمت في تشكيل مجال حضاري مغاربي متداخل.
ولا يعني استحضار هذه الروابط إنكار الخصوصيات السياسية أو التاريخية للبلدان، ولا تحويل التأثير الثقافي إلى ادعاء بالسيادة. بل يعني الاعتراف بأن المغرب كان فاعلا في فضاء حضاري واسع، وأن أثره العلمي والروحي امتد عبر علاقات التبادل والتعلم والرحلة. ومن حق المغرب أن يعتز بإرثه الإدريسي والعلمي والصوفي، وبمكانة علمائه وزواياه، وبالدور الذي أداه في تاريخ المنطقة. فالاعتزاز بالتاريخ لا يستلزم الانتقاص من تاريخ الجار، كما أن احترام الآخر لا يفرض على المغرب أن يتخلى عن حقه في الاعتزاز بمساهمته الحضارية.

نبل الدولة المغربية: استمرارية التاريخ كمسؤولية
إن الحديث عن نبل الموقف المغربي لا يتوقف عند شخصية محمد الخامس، وإن كان موقفه من الثورة الجزائرية من أبرز شواهده الحديثة. فالمغرب يمتلك تاريخا طويلا من الاستمرارية، ومؤسسة ملكية تعاقبت عليها أجيال من السلاطين والملوك، وظلت أحد أعمدة وحدة البلاد ورمز سيادتها. وقد عرفت هذه المسيرة مراحل من القوة والضعف، ومن التوافق والتوتر، كما عرف تاريخ كل الدول. لكن ما يستحق أن نعتز به هو ما أظهرته الدولة المغربية في محطات مفصلية من قدرة على الحفاظ على كيانها التاريخي، وعلى ربط الشرعية الوطنية بالاستمرارية، وعلى جعل السيادة والكرامة جزءا من تصورها لوجودها.
إن الدفاع عن المغرب ليس دفاعا عن صورة مثالية لا تعرف الاختلاف أو الخطأ، بل دفاع عن تاريخ يستحق أن يقرأ بإنصاف، وعن دولة لها جذور عميقة، وعن مؤسسة ملكية أدت أدوارا مركزية في مراحل بناء الوطن واستعادة استقلاله وصيانة وحدته. والنبل السياسي لا يعني الضعف، ولا التنازل عن الحقوق، ولا تجاهل المصالح. إنه القدرة على صيانة السيادة مع احترام سيادة الآخرين، وعلى الجمع بين قوة الدولة وسعة أفقها، وبين الاعتزاز بالذات وعدم الاستعلاء على الجوار. وهذه الروح هي ما ينبغي أن ننقله إلى الأجيال: أن يكون المغربي معتزا بوطنه، واثقا من تاريخه، مدركا لما قدمه أجداده، دون أن يتحول الاعتزاز إلى خصومة مع الآخرين.

المهجر: حين يصبح البعد الجغرافي اختبارا للذاكرة
لكننا إذا أردنا أن نكون أوفياء لهذه الذاكرة، فلا يجوز أن نتوقف عند الاحتفال بالماضي. علينا أن نطرح سؤالا أكثر إلحاحا: ماذا فعلنا بتاريخ الاستقلال في المهجر؟ ومن يحمل هذه الذاكرة اليوم إلى أبناء المغاربة وبناتهم الذين ولدوا في باريس وبروكسيل ومدريد وأمستردام ولندن وغيرها من العواصم؟
إن أبناء الجيل الثالث والرابع ليسوا أقل انتماء إلى المغرب لأنهم ولدوا بعيدا عن أرضه. لكنهم يحتاجون إلى أدوات مختلفة للتعرف إلى تاريخ بلد آبائهم وأجدادهم. فلا يمكن أن ننتظر منهم أن يحملوا ذاكرة لم نضعها بين أيديهم، أو أن يعرفوا شخصيات لم نقدمها لهم، أو أن يشعروا بقيمة عيد الاستقلال إذا لم نشرح لهم لماذا كان هذا اليوم لحظة فارقة في تاريخ المغرب. إن الحكاية العائلية عظيمة، لكنها لا تكفي وحدها. قد يرحل الجد الذي عاش سنوات الاستعمار، وقد تغيب الجدة التي حفظت تفاصيل المقاومة، وقد تنقطع سلسلة الرواية بين جيل وآخر. وإذا لم تتحول الشهادات إلى وثائق وأرشيف وبرامج تربوية ومؤسسات ثقافية، فإن جزءا من الذاكرة سيظل معرضا للضياع.
وأستحضر هنا واقعة شخصية لا تزال عالقة في ذهني. كنت في نقاش مع أحد الأشخاص داخل مؤسسة من مؤسساتنا، وجاء الحديث على المغفور له محمد الخامس. فإذا به يخبرني أنه لم يسبق له أن سمع بهذا الاسم، وأنه سيذهب للبحث عن هذا السلطان وعن التضحيات التي قدمها من أجل استقلال المغرب. توقفت عند هذه الواقعة طويلا. لم أر فيها مجرد نقص في معلومة تاريخية، بل رأيت علامة على فجوة تربوية وثقافية تستحق أن نواجهها بجدية. كيف يمكن أن يكبر شاب من أصول مغربية دون أن يعرف من هو محمد الخامس؟ كيف يمكن أن تمر ذكرى الاستقلال من دون أن يعرف لماذا يحتفل بها المغاربة؟ وكيف ننتظر من الجيل الرابع أن يحمل ذاكرة لم نوفر له فرصة اكتشافها؟ إن هذا السؤال لا ينبغي أن يتحول إلى اتهام للأبناء. فالمسؤولية تقع علينا نحن، وعلى المؤسسات التي يفترض أن تجعل تاريخ المغرب متاحا ومفهوما وجذابا للأجيال الجديدة.
من الاحتفالات الموسمية إلى سياسة وطنية للذاكرة
وهنا أوجه سؤالا صريحا إلى مؤسساتنا في المهجر: هل نملك برامج تربوية وثقافية مستمرة للتعريف بتاريخ المغرب وأعياده الوطنية؟ أم أننا ما زلنا نكتفي، في كثير من الأحيان، بحملات ومناسبات تنشط في أوقات محددة، ثم تخفت بانتهاء الاحتفال؟ لا أقلل من جهود الجمعيات والأشخاص الذين يعملون بإخلاص، ولا أنكر قيمة المبادرات التي تنظم هنا وهناك. لكن الجهود المتفرقة لا تعوض وجود رؤية مؤسساتية واضحة. فالاحتفال الذي لا يترك أثرا معرفيا لدى الطفل، ولا يثير فضولا لدى الشاب، ولا يضيف وثيقة إلى الأرشيف، يظل محدود الأثر مهما كان عدد الحاضرين فيه.
وهناك مسألة أخرى ينبغي أن نناقشها بشجاعة: لا يجوز أن تختزل مناسباتنا الوطنية في دائرة ضيقة من الوجوه المدعوة، أو أن تصبح المشاركة فيها محكومة بالاعتبارات الشخصية والعلاقات المؤسسية. إن التاريخ المغربي ليس ملكا لجمعية أو مجموعة أو فئة، وليس امتيازا يمنح لمن يحضر في الصف الأول. إنه ملك جميع المغاربة، بمن فيهم الذين لا يعرفون أبواب المؤسسات، والذين لم تتح لهم فرصة المشاركة في أنشطتها، وأبناء الجيل الرابع الذين يحتاجون إلى أن يشعروا بأن لهم مكانا في ذاكرة وطنهم. لا ينبغي أن يكون السؤال: من سينظم الحفل؟ ومن سيحضر؟ ومن سيلقي الكلمة؟ بل يجب أن يكون السؤال: ماذا سيتعلم الطفل؟ ماذا سيكتشف الشاب؟ ما الوثيقة التي سنحفظها؟ وما الأثر الذي سيبقى بعد انطفاء الأضواء وإغلاق أبواب القاعة؟ إننا بحاجة إلى الانتقال من منطق الاحتفال إلى منطق التربية على الذاكرة، ومن منطق المناسبة العابرة إلى منطق المشروع المستمر.

باريس: مشروع مركز ثقافي للذاكرة المغربية
وفي باريس وضواحيها، حيث تعيش أجيال متعاقبة من المغاربة، تبرز هذه المسؤولية بصورة واضحة. فهنا توجد أسر تحمل ذاكرة الهجرة والعمل والتضحية، وأبناء يعيشون بين لغتين وثقافتين، وشباب يحتاجون إلى أن يفهموا أن الانتماء إلى المغرب ليس نقيضا للاندماج في المجتمع الذي ولدوا أو نشأوا فيه. إن باريس يمكن أن تكون فضاء نموذجيا لصناعة ذاكرة مغربية حديثة في المهجر، إذا انتقلنا من الأنشطة المتفرقة إلى مشروع ثقافي وتربوي دائم.
ومن هنا أعود إلى الفكرة التي أؤمن بأهميتها: ضرورة إنشاء مركز ثقافي مغربي للذاكرة الوطنية والتربية على المواطنة، أو شبكة مراكز تتعاون فيما بينها، وتكون مهمتها الاحتفاء بالأعياد الوطنية وتوثيق تاريخ المغرب وتعريف الأجيال به. أريد لهذا المركز أن يكون بيتا للذاكرة، لا قاعة مغلقة للاجتماعات. فضاء مفتوحا أمام الطفل والمثقف، والباحث والفنان، والأم والجدة، والشاب الذي ولد في فرنسا، والمهاجر الذي عاش سنواته الأولى في المغرب. مكانا يلتقي فيه الجيل الأول بالجيل الرابع، لا بوصف أحدهما صاحب الحكاية والآخر مستمعا صامتا، بل بوصفهما شريكين في حفظ الذاكرة ونقلها. ويجب أن يكون للمركز برنامج سنوي واضح، يتضمن:
– دروسا وورشات مبسطة حول تاريخ الاستقلال والمقاومة ونفي محمد الخامس وعودته.
– برامج خاصة بتاريخ النساء المغربيات في المقاومة، وجمع شهاداتهن وشهادات أسرهن.
– أرشيفا رقميا مفتوحا يضم الوثائق والصور والرسائل والتسجيلات والشهادات العائلية.
– عروض أفلام وثائقية ومسرحيات ولقاءات مع الباحثين والمؤرخين.
– مسابقات للكتابة والبحث والرسم والتصوير موجهة إلى الأطفال والشباب.
– لقاءات بين أبناء المهجر وأبناء الوطن، وزيارات تربوية إلى المواقع التاريخية والمتاحف في المغرب.
– برامج متعددة اللغات تراعي واقع أبناء الجيل الثالث والرابع، وتساعدهم على اكتشاف تاريخ بلدهم بلغة يفهمونها ويتفاعلون معها.
ولا ينبغي أن يكون هذا المركز ملكا لفئة أو مؤسسة بعينها، بل فضاء وطنيا جامعا، مفتوحا أمام جميع المغاربة، مهما اختلفت مساراتهم الاجتماعية والثقافية.
مسؤولية الوزارات والمؤسسات: من يضع الذاكرة في البرنامج؟
إن هذه المهمة لا يمكن أن تترك للمبادرات الفردية وحدها. إنها مسؤولية مشتركة تحتاج إلى تنسيق بين وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، ووزارة الشباب والثقافة والتواصل، والقطاعات المكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج، والبعثات الدبلوماسية والقنصلية، والمؤسسات الثقافية والتعليمية والجمعوية. ومن حقنا أن نسأل: ما البرامج الدائمة التي يمكن أن تضعها هذه الجهات لتقريب تاريخ المغرب من أبناء المهجر؟ وكيف يمكن أن يصبح الثامن عشر من نونبر حاضرا في المؤسسات التعليمية والثقافية المغربية بالخارج؟ وكيف يمكن ربط الأجيال الجديدة بالمؤرخين والأرشيفات والمتاحف والشهادات الحية؟
إن إعداد مواد تربوية متعددة اللغات، وتنظيم أيام مدرسية حول الاستقلال، وإنتاج أفلام وثائقية قصيرة، وتكوين مؤطرين ثقافيين، وإطلاق مسابقات بحثية، وتوثيق شهادات المقاومين وأسرهم، كلها خطوات ممكنة وقابلة للتنفيذ. كما ينبغي أن نعمل على ربط المدارس والجمعيات والمراكز الثقافية في المهجر بنظيراتها في المغرب، حتى لا يعيش أبناء الجالية تاريخا منفصلا عن تاريخ بلدهم. فحين يزور طفل مغربي من باريس متحفا أو موقعا تاريخيا في وطن أجداده، أو يستمع إلى شهادة امرأة شاركت في المقاومة، يتحول التاريخ من معلومة إلى تجربة شخصية. ولا بد من أن يكون هناك تقييم حقيقي لهذه البرامج: كم مدرسة شاركت؟ كم شابا استفاد؟ كم شهادة وثقت؟ كم وثيقة حفظت؟ وكم مبادرة استمرت بعد انتهاء المناسبة؟ فالمؤسسات تقاس بما تتركه من أثر، لا بعدد الصور التي تنشرها بعد كل احتفال.

قبل أن ترحل الشهادات: ذاكرة النساء والرجال معا
هناك جيل من المغاربة عاش سنوات الاستعمار، أو سمع تفاصيلها مباشرة من الذين عاشوها. وهناك جيل من المهاجرين حمل معه إلى فرنسا وغيرها من البلدان ذاكرة الوطن ولهجته وأغانيه وصوره وأسماء قراه ومدنه. هؤلاء خزائن حية لتاريخنا، ولا يجوز أن نترك شهاداتهم تضيع. علينا أن نسجل أصواتهم، وأن نحفظ رسائلهم وصورهم ووثائقهم، وأن نسألهم عن معنى الاستقلال في حياتهم، وعن أثر نفي محمد الخامس في أسرهم، وعن أخبار المقاومة التي وصلت إليهم، وعن النساء والرجال الذين شاركوا في تلك المرحلة.
وينبغي أن تكون النساء في صميم هذا المشروع التوثيقي. علينا أن نبحث عن أسماء المقاومات اللواتي لم تنصفهن الروايات المتداولة، وأن نستمع إلى بناتهن وأحفادهن، وأن نعيد الاعتبار إلى دور المرأة في نقل الرسائل والإيواء والتعبئة والعمل الوطني ومواجهة القمع. فلا يكفي أن نقول إن المرأة شاركت، بل يجب أن نعرف من هي، وماذا فعلت، وأين عاشت، وما الذي تحملته، ولماذا لم يصل صوتها إلينا بالقدر الكافي. إن إنصاف نساء المقاومة ليس مسألة رمزية أو مطلبا مناسباتيا، بل هو تصحيح لجزء من تاريخنا الوطني. فالأمة التي تنسى نساءها تنسى جزءا من نفسها، والأجيال التي لا تعرف بطولات أمهاتها وجداتها ترث صورة ناقصة عن وطنها.

الاستقلال مسؤولية تتجدد
إن الاستقلال لا يكتمل بمجرد الاحتفال به. فالدولة التي نالت حريتها مطالبة بأن تجعل من تلك الحرية عدلا وفرصا وكرامة للمواطنين. والوطن الذي قاوم الاستعمار دفاعا عن كرامة أبنائه لا يجوز أن ينسى أن الكرامة يجب أن تكون أساس العلاقة بين الدولة والمجتمع. والوفاء لجيل الاستقلال لا يكون بتكرار أسماء رجاله ونسائه في المناسبات وحدها، بل ببناء وطن يليق بتضحياتهم، وبمؤسسات تصون ذاكرته، وبثقافة تعترف بكل من أسهم في صنع تاريخه.
إن أبناء المهجر ليسوا خارج هذه المسؤولية. فهم ليسوا مجرد امتداد عاطفي للمغرب، بل جزء من مستقبله الثقافي والإنساني. ومن حقهم أن يعرفوا تاريخ بلدهم، ومن واجبنا أن نفتح أمامهم أبواب المعرفة، وأن نمنحهم الوسائل التي تجعلهم يكتشفون هذا التاريخ ويعتزون به. لا نريد أن نورث أبناءنا حنينا إلى المغرب فحسب، بل نريد أن نورثهم معرفة المغرب. فالحنين قد يضعف مع المسافة، أما المعرفة فتبني الانتماء، والذاكرة التي لا تسندها مؤسسة قد تضيع برحيل أصحابها.
المغرب الذي يسكننا
في الثامن عشر من نونبر، نستعيد استقلال المغرب، ونستعيد معه سيرة ملك عرف المنافي، وشعب رفض الخضوع، ورجالا ونساء صنعوا المقاومة، ودولة حافظت على استمراريتها، ومواقف جسدت أن النبل لا يتعارض مع القوة، وأن احترام حرية الجار لا ينتقص من السيادة الوطنية. لكننا نستعيد أيضا مسؤوليتنا تجاه المستقبل. فلا يجوز أن نحتفل بالاستقلال ثم نترك أبناءنا لا يعرفون من صنعه، ولا أن نرفع العلم ثم نترك ذاكرته خارج المدارس والمراكز الثقافية، ولا أن نمجد المقاومة ثم ننسى نساءها، ولا أن نتحدث عن المهجر باعتباره امتدادا للوطن من دون أن نوفر لهذا الامتداد مؤسسات تحفظ روحه.
إن المغرب لا يغيب عن أبنائه حين يغادرون أرضه، لكنه قد يغيب عن ذاكرتهم إذا لم نجد من يحفظ حكايته. والمهجر لا يكون امتدادا روحيا للوطن إلا حين تصبح الذاكرة الوطنية فيه عملا مؤسساتيا، وتربية يومية، وحقا مفتوحا لكل الأجيال. إننا نريد مغربا يعتز بتاريخه دون أن يخاف من تاريخ الآخرين، ويدافع عن سيادته دون أن ينكر حق الشعوب في الحرية، ويكرم رجاله ونساءه الذين صنعوا استقلاله، ويمنح أبناءه في الداخل والخارج حق معرفة هذا التاريخ. ذلك هو المغرب الذي يسكننا: مغرب الجذور العميقة، ومغرب النبل والكرامة، ومغرب الذاكرة التي لا تقبل النسيان. فالاستقلال ليس يوما نحتفل به ثم نطوي صفحته، بل عهد نحمله من جيل إلى جيل. وإذا كان أجدادنا قد حرروا الأرض من الاستعمار، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نحرر الذاكرة من النسيان، وأن نجعل من تاريخ المغرب وطنا آخر يسكن أبناءه، أينما كانوا.

بالفعل ، لم تكن المسيرة الخضراء حدثا عابرا بل هي ملحمة مستمرة في اذهان المغاربة اجمعين ، لأنها قدمت نموذجاً حيا لتوظيف التعبئة الشعبية السلمية في خدمة هدف سياسي واستراتيجي، بدل اللجوء إلى المواجهة العسكرية.
و عليه ، وجب اليوم اكثر من أي وقت مضى مواصلة تبني نفس الفلسفة وتجنب التصعيد.
فالتخطيط الاستراتيجي والرؤية المتبصرة
المتأنية ، تبقى أساس التدبير الحكيم لمرحلة مابعد انتهاء مهام البعثة الأممية التي تتزامن مع ذكرى هذه الملحمة ….
الدكتورة ماجدة كريمي
مقال رائع حول ملحمة المغرب التاريخية ، اتمنى ان تجد فكرة مركز الذاكرة المغربية بباريس اذانا صاغية ، فما أحوج شاباتنا وشبابنا في المهجر لالية ثقافية تربوية متعددة ومتنوعة اشكال إشاعة الثقافة المغربية في كل ابعادها التاريخية والفنية لتنمية روح الانتماء والتربية على المواطنة .
شكرا العلامية المتميزة على هذا المقال/ الوثيقة وعلى هذا المقترح الهاءل .