بين موسكو ونيويورك: حين يتحول الهوس الجزائري إلى عبء دبلوماسي

بقلم الإعلامي البشير حميري,كوبنهاغن – الدنمارك


لم تعد قضية الصحراء المغربية مجرد خلاف إقليمي ظل حبيس الحسابات السياسية والدبلوماسية بين الرباط والجزائر، بل أصبحت مرآة كاشفة لطبيعة الاختيارات الاستراتيجية التي تحكم سلوك كل طرف، ولمدى قدرة الدول على قراءة التحولات الدولية واستثمارها في خدمة مصالح شعوبها. وبينما يمضي المغرب في بناء علاقاته الدولية على قاعدة المصالح المتبادلة والشراكات الاقتصادية والانفتاح الاستراتيجي، يبدو أن النظام الجزائري ما زال أسير معركة استنزاف سياسي ودبلوماسي جعل من قضية الصحراء المغربية محورا شبه دائم لخطابه وتحركاته، حتى باتت هذه القضية تطغى على أولويات كان الأجدر أن تتصدر اهتمامات دولة تملك من الإمكانات الطبيعية والطاقات البشرية ما يؤهلها للعب دور إقليمي وازن.

لقد جاءت قمة روسيا وإفريقيا الثالثة، المنعقدة بموسكو يومي 28 و29 أكتوبر 2026، لتقدم صورة جديدة عن الحضور المغربي في الفضاء الإفريقي، وعن طبيعة المقاربة التي يعتمدها المغرب في علاقاته مع القوى الدولية. فقد مثلت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري جلالة الملك محمد السادس في هذه القمة، مرفوقة بوزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، وسفير المملكة بموسكو لطفي بوشعرة. ولم يكن هذا الحضور مجرد مشاركة بروتوكولية في اجتماع دولي، بل حمل دلالة سياسية واستراتيجية واضحة: المغرب حاضر في إفريقيا، حاضر في دوائر القرار الدولي، وحاضر في صياغة مستقبل الشراكات الاقتصادية والأمنية والتنموية للقارة.

إن اختيار مستوى تمثيلي رفيع للمشاركة في هذا الموعد يعكس المكانة التي تحتلها إفريقيا في الرؤية الملكية، ويؤكد أن الدبلوماسية المغربية لا تنظر إلى القارة باعتبارها مجالاً للمنافسة على الاعترافات السياسية فحسب، بل باعتبارها فضاءً للتنمية المشتركة، والاستثمار، والأمن الغذائي والطاقي، والربط الاقتصادي، والتعاون جنوب-جنوب. وهي رؤية تجسدت في المبادرات الملكية الكبرى، من المبادرة الأطلسية لدول الساحل إلى مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، فضلاً عن مشاريع الربط والتكامل التي تستهدف جعل إفريقيا شريكاً فاعلاً في الاقتصاد العالمي، لا مجرد ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المتنافسة. وقد أكدت رئيسة الحكومة المغربية، خلال مشاركتها في أشغال القمة، أن إفريقيا تحتاج إلى جميع شركائها الدوليين، شريطة أن تقوم العلاقات على الاحترام المتبادل والتكامل والتعاون العملي. وهذه الرسالة ليست تفصيلا خطابيا؛ إنها تعبير عن فلسفة دبلوماسية مغربية ترى أن قوة الدولة لا تقاس بقدرتها على افتعال الخصومات، وإنما بقدرتها على تحويل الاختلافات إلى فرص، وعلى بناء مصالح تجعل حضورها ضرورياً في المعادلات الدولية.

موسكو: غياب البوليساريو ودلالة الإطار المؤسسي

ومن بين العناصر التي أثارت الانتباه في قمة موسكو غياب جبهة البوليساريو عن قائمة المشاركين. وقد حاولت بعض القراءات السياسية تقديم هذا الغياب باعتباره صفعة روسية مباشرة للجزائر وللجبهة التي تدعمها. غير أن التحليل الرصين يقتضي التمييز بين ما تثبته الوقائع وما يمكن استخلاصه منها سياسيا. فقد أعلنت الجهات الروسية المنظمة مشاركة وفود من 48 دولة إفريقية من أصل 54، وأوضحت السلطات المغربية أن القمة عرفت حضور ممثلي الدول الإفريقية الأعضاء في الأمم المتحدة. وهذا الإطار يفسر طبيعة التمثيل في هذا المنتدى، الذي تنظمه روسيا باعتباره منصة للتعاون مع الدول الإفريقية، وليس اجتماعاً داخلياً للاتحاد الإفريقي تنسحب عليه تلقائياً جميع ترتيبات عضويته.

ومن ثم، فإن غياب البوليساريو يكتسب دلالته من طبيعة الإطار المؤسسي الذي انعقدت فيه القمة، لكنه لا يكفي وحده لإثبات أن موسكو اتخذت قرارا جديدا بشأن موقفها من النزاع أو أنها وجهت صفعة سياسية متعمدة للجزائر. كما لا تتوفر، في المعطيات الرسمية المنشورة، أدلة تثبت أن مشاركة المغرب كانت مشروطة بضمان عدم حضور الجبهة. وهنا تحديدا تكمن أهمية القراءة المغربية الهادئة: ليس ضرورياً تضخيم حدث دبلوماسي أو تحميله أكثر مما يحتمل حتى يكون مكسبا سياسيا. فالمغرب حضر بصفته دولة ذات سيادة، وبوفد رفيع المستوى، وفي إطار دولي واضح. أما غياب الجبهة فيكشف حدود حضورها خارج الأطر التي تمنحها فيها عضويتها داخل الاتحاد الإفريقي تمثيلا خاصا. وهذه حقيقة مؤسسية تستحق التوقف عندها، دون القفز إلى استنتاجات لا تسندها الوثائق. إن الفرق كبير بين أن يكون الكيان موضوعا في قلب اجتماع مؤسسي بحكم عضوية منظمة قارية، وبين أن يحظى بتمثيل مستقل في منتدى دولي تنظمه دولة كبرى وفق ترتيباتها الخاصة. وهذه نقطة ينبغي أن يفهمها النظام الجزائري جيدا، لأن الحضور في بعض المؤسسات لا يعني امتلاك اعتراف دولي شامل، ولا يفرض على جميع الدول التعامل مع الكيانات بالطريقة نفسها.

الهوس الجزائري: حين تتحول قضية خارجية إلى أولوية داخلية دائمة

إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط لماذا غابت البوليساريو عن قمة موسكو، بل لماذا يظل النظام الجزائري منشغلا إلى هذا الحد بقضية الصحراء المغربية، حتى أصبحت جزءاً مركزياً من خطابه السياسي ومن حساباته الخارجية؟ لا يتعلق الأمر هنا بمجرد اختلاف في وجهات النظر حول ملف إقليمي، فمثل هذه الاختلافات موجودة بين دول كثيرة، ويمكن تدبيرها بالحوار والتفاوض واحترام المصالح المتبادلة. إن ما يثير الاستغراب هو استمرار تحويل هذا النزاع إلى محور ثابت في السياسة الجزائرية، واستنزاف موارد سياسية ومالية ودبلوماسية في مسار لم يحقق للمنطقة سوى مزيد من التوتر وتعطيل فرص الاندماج المغاربي.

والأكثر إثارة للتساؤل أن الجزائر، بما تملكه من ثروات طاقية وإمكانات بشرية وموقع جغرافي استراتيجي، كان بإمكانها أن تجعل من نفسها جسرا للتعاون بين إفريقيا وأوروبا، وأن تضطلع بدور محوري في أمن الطاقة والغذاء والاستثمار والتنمية الإقليمية. لكنها، بدلاً من توظيف هذه الإمكانات في بناء فضاء مغاربي متكامل، ظلت تجعل من الخلاف مع المغرب عنوانا متكررا في سياستها الخارجية. إن هذا السلوك لا يضر بالمغرب وحده، ولا بالجزائر وحدها، بل ينعكس على مستقبل منطقة بأكملها. فالمغرب والجزائر دولتان متجاورتان، تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والروابط الاجتماعية والمصالح الاقتصادية، وكان من الممكن أن تشكلا معا قطبا تنمويا قادرا على التأثير في محيطه الإفريقي والمتوسطي. غير أن استمرار القطيعة وإغلاق الحدود وتعطيل الاتحاد المغاربي يحولان دون استثمار هذه الإمكانات.

ومن حق المواطن الجزائري أن يتساءل: إلى متى ستظل قضية الصحراء المغربية تتقدم على قضايا التنمية والتشغيل والصحة والتعليم والاستثمار؟ وإلى متى ستبقى موارد الدولة جزءا من معادلة صراع إقليمي طويل، بدل أن تكون رافعة لتحسين ظروف عيش المواطن الجزائري؟ إن توجيه هذا السؤال ليس تدخلاً في الشؤون الداخلية للجزائر، بل هو تساؤل مشروع حول كلفة السياسات الإقليمية، وحول مسؤولية الأنظمة في ترتيب أولوياتها. فالشعوب لا تقاس قوتها بعدد المعارك الإعلامية التي تخوضها حكوماتها، وإنما بما تحققه من رفاه واستقرار وفرص للأجيال القادمة.

المغرب وروسيا: علاقة مصالح لا تختزلها لحظة تصويت

لقد أظهرت قمة موسكو أن العلاقات المغربية الروسية تتجاوز ملف الصحراء، وأن البلدين يملكان مصالح واسعة في مجالات التجارة والطاقة والفلاحة والتكنولوجيا والاستثمار والأمن الغذائي. والمغرب، بحكم موقعه الجغرافي وبنيته الاقتصادية وانفتاحه على الأسواق الإفريقية والأوروبية والأطلسية، شريك يمكن لروسيا أن تجد معه مجالات متعددة للتعاون. لكن من الضروري هنا عدم الخلط بين الحضور المغربي الرفيع في القمة وبين الموقف الروسي في مجلس الأمن. فروسيا دولة كبرى تدير علاقاتها الدولية وفق حسابات استراتيجية خاصة، ولها مواقفها المستقلة في الملفات الدولية. ولا يجوز اعتبار مجرد مشاركة المغرب في قمة تستضيفها موسكو دليلاً على تحول الموقف الروسي من قضية الصحراء.

بل إن الوقائع الأممية تفرض علينا قراءة أكثر دقة. ففي 31 أكتوبر 2025، امتنعت روسيا عن التصويت على القرار 2797 الذي مدد ولاية بعثة المينورسو حتى 31 أكتوبر 2026، بينما صوّتت الجزائر والصين وباكستان أيضا بالامتناع. وقد أوضحت البعثة الروسية لدى الأمم المتحدة أن موسكو لم تستطع دعم النص بسبب ما اعتبرته اختلالا في التوازن، وشددت على ضرورة التوصل إلى حل سياسي مقبول من الطرفين، وفق مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، بما فيها حق تقرير المصير. وهذا يعني أن روسيا لم تكن في ذلك التصويت صاحبة موقف مطابق للموقف المغربي، كما أنها لم تكن في الوقت نفسه متبنية للموقف الجزائري بكل تفاصيله. إنها تحاول الاحتفاظ بمساحة دبلوماسية خاصة بها، وتؤكد ضرورة التسوية السياسية والتوافق.

ومن هنا، فإن المصلحة المغربية تقتضي مواصلة الحوار مع موسكو، وتوسيع مجالات التعاون، والعمل على شرح المبادرة المغربية للحكم الذاتي بوصفها تصورا واقعيا قابلا للتفاوض، مع الحفاظ على قنوات الاتصال مع مختلف القوى الدولية. فالدبلوماسية الناجحة لا تقوم على مطالبة الشركاء بالتطابق الكامل في كل المواقف، بل على بناء التفاهمات تدريجياً، وتوسيع المصالح المشتركة، وإقناع الأطراف المترددة بواقعية الحل الذي تقترحه. وهذا ما يميز النهج المغربي: لا يختزل العلاقات الدولية في تصويت واحد، ولا يحول الاختلاف في ملف معين إلى قطيعة شاملة، ولا يتعامل مع الشراكات بمنطق الاصطفاف المطلق. فالدولة التي تسعى إلى تثبيت موقعها الدولي تحتاج إلى نفس طويل، وإلى قدرة على الجمع بين الثبات على المبادئ والمرونة في إدارة المصالح.

نيويورك: الفيتو الروسي يكشف تعقيد المرحلة

وفي اليوم الذي تزامن مع اختتام قمة موسكو، شهد مجلس الأمن الدولي تطوراً بالغ الأهمية في ملف الصحراء المغربية. ففي 30 أكتوبر 2026، استخدمت روسيا حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي المتعلق بتمديد ولاية بعثة المينورسو، رغم حصول المشروع على تأييد أحد عشر عضوا من أعضاء المجلس، مقابل صوت واحد معارض وثلاثة امتناعات. وكان المشروع الأمريكي يتضمن تمديد ولاية البعثة إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع إدخال تعديلات على تسميتها ومهامها، والتوجه نحو إعادة النظر في طبيعة حضورها الميداني، فضلا عن جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا لمواصلة المناقشات، ووصف الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية بأنه الحل الأكثر قابلية للتطبيق.

وقد صوتت لصالح المشروع الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة والدنمارك واليونان وبنما والبحرين وكولومبيا ولاتفيا وليبيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، فيما صوتت روسيا ضده، وامتنعت الصين وباكستان والصومال. إن دلالة هذا التصويت لا تكمن فقط في عدد الأصوات المؤيدة، بل في اتساع دائرة الدول التي رأت أن المبادرة المغربية تشكل مدخلا واقعيا لتجاوز حالة الجمود. ومع ذلك، لا ينبغي تقديم المشروع الأمريكي باعتباره قراراً أممياً معتمداً، لأنه سقط بفعل الفيتو الروسي، ولا يجوز الخلط بين تأييد نص مشروع وبين صدور قرار ملزم عن مجلس الأمن. وفي المقابل، طرحت روسيا مشروعا بديلا يقضي بتمديد ولاية المينورسو لمدة سنة مع الإبقاء على تسميتها ومهامها القائمة. غير أن المشروع لم يحصل إلا على ثلاثة أصوات مؤيدة، وصوت واحد معارض، وأحد عشر امتناعا، ولذلك لم يبلغ عتبة الأصوات التسعة اللازمة لاعتماده.

ومن الناحية الإجرائية، فإن الولايات المتحدة صوتت ضد المشروع الروسي، لكن سقوطه لم يكن نتيجة فيتو أمريكي؛ بل نتيجة عدم حصوله على الحد الأدنى المطلوب من الأصوات. وهذا تفصيل قانوني وسياسي لا يجوز إغفاله في أي تحليل موجه إلى الرأي العام الدولي. وهكذا فشل المشروعان، ولم يتمكن مجلس الأمن من التوصل إلى اتفاق بشأن تمديد ولاية المينورسو قبل انتهاء ولايتها في 31أكتوبر 2026. وهي نتيجة تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية كبيرة، لأن غياب التوافق داخل المجلس لا يعني أن النزاع انتهى، ولا يعني أن مخاطر التصعيد قد زالت.

المينورسو: بين ضرورة الاستقرار ومخاطر الفراغ الأمني

إن انتهاء ولاية بعثة المينورسو دون اتفاق جديد يطرح أسئلة تتجاوز الجدل السياسي حول اسم البعثة واختصاصاتها. فهذه البعثة أنشئت سنة 1991 في سياق اتفاق وقف إطلاق النار، وكان من بين الأهداف المرتبطة بها مراقبة الوضع الميداني والمساهمة في تنفيذ ترتيبات التسوية الأممية. وبالتالي، فإن غياب تمديد الولاية يثير مخاوف حقيقية بشأن مستقبل آليات المراقبة والاتصال والتهدئة. ولا ينبغي التعامل مع هذا التطور باعتباره مناسبة للاحتفال بزوال مؤسسة أممية، لأن الاستقرار في المنطقة مصلحة مغربية وإفريقية ودولية في آن واحد. لقد شهدت المنطقة توترات ميدانية منذ انهيار وقف إطلاق النار سنة 2020، ولذلك فإن أي فراغ في آليات المراقبة قد يزيد من صعوبة احتواء الحوادث والتطورات الأمنية. ومن مصلحة المغرب أن تظل المنطقة بعيدة عن أي مواجهة جديدة، وأن تستمر الجهود الرامية إلى منع التصعيد، مع التشبث بحقه المشروع في الدفاع عن أمنه ووحدته الترابية.

وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد أن الدفاع عن الصحراء المغربية ليس مجرد شعار سياسي أو مناسبة لاستعراض المواقف، بل هو التزام وطني راسخ لدى المغاربة. غير أن التعبير عن هذا الالتزام يجب أن يظل منسجماً مع القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وأن يضع حماية الأرواح والاستقرار في مقدمة الأولويات. إن المغرب لا يحتاج إلى حرب جديدة حتى يؤكد تشبثه بأرضه، ولا يحتاج إلى خطاب انفعالي حتى يثبت قوة موقفه. ما يحتاج إليه هو استمرار اليقظة، وتماسك الجبهة الداخلية، وفعالية الدبلوماسية، والاستعداد لمواجهة كل الاحتمالات بما تتيحه القوانين والمواثيق الدولية من وسائل مشروعة.

الجزائر بين وهم الانتصار وكلفة الاستنزاف

إن المعضلة الكبرى في السياسة الجزائرية تجاه المغرب تتمثل في أن النظام يبدو وكأنه جعل من استمرار النزاع غاية قائمة بذاتها، بدلا من اعتباره مشكلة إقليمية ينبغي العمل على حلها. فكلما تحرك المغرب في اتجاه تعزيز علاقاته الدولية، ظهر خطاب جزائري يسعى إلى إعادة القضية إلى واجهة المشهد، وكأن نجاح المغرب الدبلوماسي أو الاقتصادي يمثل تهديدا مباشرا للمصالح الجزائرية. وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: كيف يمكن لدولتين جارتين تمتلكان من الإمكانات ما يؤهلهما لقيادة نهضة مغاربية حقيقية أن تظلا أسيرتين لخصومة سياسية طويلة؟ وكيف يمكن أن تتحول الحدود المغلقة إلى وضع شبه دائم، في الوقت الذي تتجه فيه التكتلات الدولية إلى إزالة الحواجز الاقتصادية وتوسيع مجالات التعاون؟

إن الهوس السياسي لا يُقاس بحدة التصريحات وحدها، بل بمدى تأثير قضية واحدة في ترتيب الأولويات الوطنية. وعندما يصبح ملف خارجي حاضراً في كل مناسبة دبلوماسية تقريباً، وتُستدعى قضية الصحراء المغربية حتى في المحافل التي يفترض أن تناقش التجارة والاستثمار والطاقة والتنمية الإفريقية، يصبح من المشروع التساؤل عن حدود هذا الانشغال وعن تكلفته السياسية والاقتصادية. ولا يتعلق الأمر هنا بالشعب الجزائري، الذي تربطه بالمغاربة روابط التاريخ والجوار والمصير المشترك، بل بسياسة رسمية ينبغي أن تخضع للمساءلة والتحليل. فالشعب الجزائري ليس خصماً للمغرب، ولا ينبغي أن يتحمل تبعات خلاف سياسي لا يخدم مصالحه التنموية. ولعل أكثر ما يحتاج إليه المغرب والجزائر اليوم هو تحرير العلاقات الثنائية من منطق الخصومة الدائمة. فالمغرب لا يهدد مستقبل الجزائر، كما أن الجزائر لا ينبغي أن تنظر إلى تطور المغرب باعتباره انتقاصاً من مكانتها. إن قوة كل بلد يمكن أن تكون إضافة لقوة الآخر، إذا توفرت الإرادة السياسية لتجاوز الحسابات الضيقة. أما استمرار ضخ الأموال والطاقات في صراع لا يفتح آفاقاً جديدة، فإنه لا يصنع مستقبلاً آمناً لأي من الشعبين.

المغرب لا ينتظر شهادة من أحد

لقد أثبتت التجربة أن المغرب استطاع، على امتداد سنوات، بناء علاقات استراتيجية مع شركاء دوليين من مختلف القارات، مستنداً إلى الاستقرار المؤسساتي، والوضوح في اختياراته السيادية، وتعدد روافد دبلوماسيته. فقد عزز حضوره في إفريقيا من خلال الاستثمار في البنية التحتية والقطاع المصرفي والاتصالات والأسمدة والفلاحة، وفتح مجالات للتعاون مع دول الساحل وغرب إفريقيا، كما طور علاقاته مع أوروبا والولايات المتحدة ودول الخليج وآسيا. وتأتي المبادرات الملكية المرتبطة بالواجهة الأطلسية الإفريقية لتؤكد أن المغرب يفكر في المستقبل بمنطق جيوسياسي وتنموي بعيد المدى. فإتاحة المجال لدول الساحل غير المطلة على البحر للاستفادة من البنية التحتية الأطلسية ليست مجرد مبادرة ظرفية، وإنما تصور لإعادة تشكيل فرص التنمية والاندماج الاقتصادي في منطقة تعاني تحديات أمنية واجتماعية كبيرة.

كما أن مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي يجسد طموحاً استراتيجياً لربط الموارد والأسواق وتعزيز الأمن الطاقي، وهو مشروع يحتاج إلى استثمارات ضخمة وتنسيق بين عدد من الدول، لكنه يعكس فلسفة تقوم على التعاون بدلاً من الاستنزاف. ومن هذا المنطلق، فإن حضور المغرب في قمة موسكو ينبغي أن يُقرأ ضمن هذا المسار المتكامل. فالمملكة لا تتجه إلى روسيا من أجل مناكفة الجزائر، ولا تشارك في القمم الدولية لمجرد الرد على خصومها، وإنما لأنها دولة لها مصالحها وشراكاتها وأولوياتها. وهذه هي الرسالة الأهم: المغرب يبني موقعه الدولي من خلال ما يقدمه من فرص وما ينسجه من علاقات، وليس من خلال عدد التصريحات التي يصدرها ضد الآخرين.

الدبلوماسية المغربية مطالبة باليقظة لا بالاطمئنان

ومع ذلك، فإن التطورات الأخيرة في مجلس الأمن تفرض على الدبلوماسية المغربية مواصلة العمل بكثير من الحنكة واليقظة. فالفيتو الروسي يؤكد أن مسار تثبيت الحكم الذاتي باعتباره الإطار العملي للتفاوض لا يزال يواجه اعتراضات داخل مجلس الأمن، وأن مواقف القوى الكبرى لا يمكن اختزالها في علاقاتها الثنائية مع المغرب. كما أن امتناع بعض الدول عن التصويت على المشروع الأمريكي يعكس وجود تحفظات بشأن الصياغة المقترحة، وبشأن كيفية الموازنة بين دعم الحكم الذاتي ومبدأ تقرير المصير ودور الأمم المتحدة. وهذا يستدعي من المغرب تكثيف الحوار مع هذه الدول، وتقديم تصوراته بشأن الحكم الذاتي بصورة أكثر تفصيلاً ووضوحا، وشرح الضمانات المؤسساتية والسياسية والاقتصادية التي يمكن أن تجعل هذا الحل قابلا للتنفيذ، مع احترام الحقوق والمصالح المشروعة للسكان المعنيين.

إن الرهان الحقيقي هو تحويل التأييد السياسي الذي تحظى به المبادرة المغربية إلى دعم دبلوماسي مستقر، وإلى مواقف عملية داخل المؤسسات الدولية. فالمكاسب الدبلوماسية لا تُقاس فقط بعدد البيانات المؤيدة، وإنما بمدى قدرتها على التأثير في القرارات الدولية وعلى فتح الطريق أمام تسوية نهائية. وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا تتحول الخلافات بين القوى الكبرى إلى مجال تستغله الأطراف الإقليمية لتأجيج التوتر. فالمغرب مطالب بالحفاظ على علاقاته مع واشنطن وباريس ولندن وموسكو وبكين، وبإقناع الجميع بأن الاستقرار الإقليمي لا يتحقق من خلال استمرار النزاع، وإنما من خلال حل سياسي واقعي يحظى بالقبول ويضع حداً لحالة الجمود.

الفرق بين دولة تصنع المستقبل ونظام يطارد خصومه

إن قمة روسيا وإفريقيا، وما رافقها من غياب جبهة البوليساريو عن إطار المشاركة المعلن، ثم التطورات المتلاحقة في مجلس الأمن، تقدم مناسبة جديدة لفهم طبيعة التحولات التي يعرفها ملف الصحراء المغربية. لقد ظهر المغرب في موسكو بوفد رفيع المستوى، يحمل رسالة ملكية واضحة بشأن الشراكة الإفريقية والدولية. وفي نيويورك، حصل المشروع الأمريكي على تأييد أحد عشر عضواً، لكنه لم يعتمد بسبب الفيتو الروسي. وفي المقابل، لم ينجح المشروع الروسي البديل في الحصول على الأصوات اللازمة. وبين الحدثين تتضح حقيقة لا ينبغي تجاهلها: الملف دخل مرحلة أكثر تعقيداً، تتطلب من المغرب مواصلة الدفاع عن مصالحه الوطنية بأدوات دبلوماسية وقانونية واستراتيجية متطورة.

أما النظام الجزائري، فإن استمرار اختزال علاقاته الإقليمية في الخصومة مع المغرب لن يغير من الحقائق الجيوسياسية، ولن يوقف مسار المملكة في بناء شراكاتها الإفريقية والدولية. بل إن الرهان على إنهاك المغرب من خلال استمرار النزاع قد يتحول إلى عبء على الجزائر نفسها، ويعمق عزلتها عن فرص التعاون المغاربي. إن المغرب لا يعادي الشعب الجزائري، ولا يتمنى له إلا الاستقرار والازدهار. لكنه في الوقت نفسه لن يقبل أن تكون وحدته الترابية موضوعاً للمساومة أو أداة لتصفية الحسابات السياسية. فالوحدة الوطنية ليست ورقة في مفاوضات عابرة، بل قضية سيادية تتجاوز الحكومات والأجيال. والدرس الذي ينبغي أن تستوعبه المنطقة بأسرها هو أن المستقبل لا تصنعه الشعارات ولا المؤتمرات ولا الحملات الإعلامية، بل تصنعه الدول التي تمتلك رؤية واضحة، وتستثمر في الإنسان والاقتصاد، وتعرف كيف تدير خلافاتها دون أن تحرق جسور التعاون.

لقد اختار المغرب أن ينفتح على العالم، وأن يجعل من إفريقيا عمقا استراتيجيا، وأن يمد يده لشركائه من موقع الثقة والندية والاحترام المتبادل. وهذا المسار لن يتوقف بسبب فيتو هنا أو خلاف هناك، كما لن يتغير بفعل حملات سياسية عابرة. أما الجزائر، فإن أمامها فرصة تاريخية لمراجعة حساباتها، والتخلص من عبء الخصومة، والعودة إلى منطق المصالح المشتركة. فالتاريخ لا يرحم الأنظمة التي تضيع فرص التنمية في مطاردة أوهام الصراع. المغرب لا يحتاج إلى إضعاف جاره حتى يقوى، ولا إلى انتصار على الجزائر حتى يثبت مكانته. قوته في وحدته، وفي مؤسساته، وفي تلاحم شعبه، وفي قدرته على بناء المستقبل. أما الصحراء المغربية، فستظل قضية وطنية جامعة، يدافع عنها المغاربة بالوعي والعمل والدبلوماسية، وبكل الوسائل المشروعة التي يكفلها القانون الدولي. إنها معركة النفس الطويل، ومعركة بناء الدولة، ومعركة الرؤية الاستراتيجية. وفي هذه المعركة، يبقى الرابح الحقيقي هو الوطن الذي يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه، دون أن يسمح لخصومات الآخرين بأن تحدد له وجهته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *