هل نعيش على حافة نهاية العالم؟

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

هناك أزمنة لا يتغير فيها العالم ومعنى أن نعرف ما الذي يحدث فيه . وربما نعيش واحدة من هذه الأزمنة. فيديو قصير على تيك توك، شاهده مئات الآلاف، يزعم أن فرنسا شرعت في السماح بالزواج بين الإخوة والأخوات، وأن قانونا جديدا فتح باب الزواج بين أفراد العائلة باسم الحرية الفردية. خبر لم يحدث، وقانون غير موجود، وواقعة لم تقع، ومع ذلك استطاعت الكذبة أن تتحرك في الفضاء العام كما لو أنها حقيقة تبحث فقط عن ختم رسمي. وهنا يكمن الرعب: الكذبة لم تعد تنتظر أن يصدقها الناس. يكفيها أن تنتشر. في الماضي، كان الخبر الكاذب يحتاج إلى صحفي فاسد، أو شاهد مختلق، أو منشور مجهول، أو شائعة تتناقلها المقاهي. أما اليوم، فقد صار الخبر الكاذب كائنا أسرع من صاحبه. يولد في هاتف، ثم يخرج إلى مئات الشاشات، ثم يدخل إلى الوعي الجمعي قبل أن يصل إليه التصحيح. الحقيقة تمشي. الكذبة تركض. وفي بعض الأيام، يبدو كأن الكذبة تملك حذاء الريح، بينما الحقيقة ما تزال تبحث عن وثائقها. لكن قصة الزواج المزعوم بين الإخوة والأخوات ليست هي القضية في ذاتها. إنها مجرد نافذة صغيرة نطل منها على سؤال أكبر وأشد ظلمة: ماذا يحدث لعالم تصبح فيه القدرة على اختراع الواقع أسرع من القدرة على التحقق منه؟

وهنا يمكن أن نفهم عبارة “نهاية العالم” لا بمعناها الديني الحرفي، ولا بوصفها نبوءة بتاريخ محدد، بل باعتبارها استعارة عن نهاية عالم معرفي قديم: عالم كانت فيه الحقيقة، رغم هشاشتها، تمتلك فرصة معقولة للوصول قبل أن تلتهمها الفوضى.ربّما لا يكون العالم على وشك أن ينتهي. ربّما الذي يقترب من نهايته هو العالم الذي كنا نعرف كيف نتحقق منه. فالمجتمع الحديث لم يكن يحتاج إلى القوانين وحدها، بل كان يحتاج أيضا إلى أرضية مشتركة من الوقائع. كان يمكن للناس أن يختلفوا في تفسير الحقيقة، لكنهم كانوا يتفقون، في الحد الأدنى، على وجودها. أما اليوم، فقد بدأ هذا الأساس يتشقق. شخص يقول: القانون صدر. آخر يقول: لم يصدر. ثالث يقدم فيديو. رابع يعرض لقطة شاشة. خامس يتهم وسائل الإعلام بإخفاء الحقيقة. سادس يرد بأن الجميع يكذب. وفجأة لا يعود النقاش يدور حول القانون. بل حول إمكانية معرفة القانون أصلا. وهنا يبدأ الخطر السياسي الحقيقي.

الديمقراطية تحتاج إلى الاختلاف. لكنها لا تستطيع البقاء إذا تحول الاختلاف في الرأي إلى اختلاف في الواقع نفسه. يمكن للمواطنين أن يختلفوا حول عدالة قانون ما. لكن ماذا يحدث عندما يختلفون حول وجود القانون؟ يمكنهم أن يختلفوا حول أداء حكومة. لكن ماذا يحدث عندما لا يعودون متفقين على الوقائع التي يقيسون بها ذلك الأداء؟ عندها لا تنهار الديمقراطية بالضرورة بانفجار. قد تنهار بهدوء. مثل بيت يأكل الملح أعمدته من الداخل. الشائعة الحديثة ليست مجرد معلومة خاطئة. إنها تجربة صغيرة في هندسة المجتمع. إنها تختبر سرعة الغضب، وقابلية التصديق، وقدرة الخوارزميات على تحويل الانفعال إلى حركة جماعية. والأخطر أن المحتوى المثير يمتلك غالبا ميزة نفسية على الحقيقة. الحقيقة تقول: انتظر. تحقق. اقرأ. راجع المصدر. أما الكذبة فتقول: انظر ماذا فعلوا بك! الحقيقة تطلب من العقل أن يجلس. الكذبة تطلب من الغضب أن يركض. ولهذا تنتشر القصص الصادمة بسرعة أكبر من القصص الدقيقة. ليس لأن البشر أغبياء بالضرورة، بل لأن العقل البشري مهيأ للانتباه إلى الخطر والفضيحة والتهديد والممنوع. إنها غرائز قديمة تعيش الآن داخل أجهزة حديثة. أسلافنا كانوا يخافون من صوت غريب في الغابة. نحن نخاف من عنوان غريب على الهاتف. لكن الغابة كانت محدودة. أما الهاتف فلا نهاية له. وهكذا تحولت الخوارزمية إلى غابة ليلية لا تنام. كل ثانية فيها صوت. كل دقيقة فيها وحش. وكل وحش يبحث عن عين تخاف.

من المهم هنا ألا نضع المسؤولية كلها على منصة واحدة. فالمشكلة أوسع من تيك توك أو غيره. إنها نتاج منظومة كاملة تتداخل فيها خوارزميات اقتصاد الانتباه مع الاستقطاب السياسي، وضعف التربية الإعلامية، والرغبة البشرية في تصديق ما ينسجم مع مخاوفنا ومواقفنا السابقة. الكذبة لا تنتصر دائما لأنها مقنعة. أحيانا تنتصر لأنها مناسبة. مناسبة لغضب موجود مسبقا. مناسبة لخوف قديم. مناسبة لصورة نمطية. مناسبة لرغبة دفينة في رؤية العالم وهو ينهار. وهنا تصبح الإشاعة مثل مفتاح لا يفتح بابا، بل يفتح ذاكرة الخوف. لهذا تكشف قصة الزواج المزعوم بين الإخوة أكثر مما يبدو. إنها تكشف كيف يمكن لخبر صادم يمس الأسرة والأخلاق والقانون أن يتحول خلال لحظات إلى وقود اجتماعي وسياسي. فالكذبة تعرف اقتصاد الانتباه. تعرف أن الحقيقة الهادئة لا تملك دائما صوتا مرتفعا. وتعرف أن الإنسان قد لا يشارك ما يصدقه، لكنه يشارك ما يخيفه.

وهنا تظهر إحدى مفارقات عصرنا الكبرى: كلما ازدادت قدرتنا على الوصول إلى المعلومات، ازدادت حاجتنا إلى القدرة على التمييز بينها. نحن نعيش في أحد أكثر العصور وفرة في المعلومات، وربما في أحد أكثر العصور فقرا في اليقين. وهذا ليس تناقضا. إنه نتيجة طبيعية حين يتحول تدفق المعلومات إلى فيضان. في البحر، الماء ينقذ. لكن حين يغمر الماء البيت، يصبح الماء نفسه خطرا. والمعلومة كذلك. حين تصبح كل شاشة نافذة على ملايين الادعاءات، لا يعود السؤال: كيف نحصل على المعلومات؟ بل: كيف نعرف أي معلومة تستحق أن تدخل عقولنا؟ وهنا يبدأ دور التربية الإعلامية، والصحافة المهنية، ومؤسسات التحقق، والتعليم الذي يجعل الشك المنهجي عادة لا مرضا. لكن المعركة غير متكافئة. الكذبة تحتاج إلى ثانية. التصحيح يحتاج إلى تحقيق. الكذبة تحتاج إلى جملة. التصحيح يحتاج إلى وثائق. الكذبة تحتاج إلى غضب. التصحيح يحتاج إلى عقل هادئ. ولهذا تبدو معركة الحقيقة أحيانا كأنها رجل يركض خلف حريق بينما الريح توزع الشرر في كل اتجاه. ومع ذلك، لا ينبغي أن نستسلم لفكرة أن الحقيقة ماتت. الحقيقة لا تموت، لكنها أصبحت أكثر كلفة.

وهذه هي المعضلة التي ستحدد شكل المجال العام في السنوات المقبلة. أن يصبح التحقق عادة يومية، لا رد فعل بعد الكارثة. أن يتعلم المواطن أن السؤال: “من قال ذلك؟” ليس تشكيكا، بل بداية المعرفة. أن يفهم أن لقطة الشاشة ليست مصدرا، وأن كثرة المشاركات ليست دليلا، وأن الغضب الجماعي ليس برهانا، وأن الفيديو ليس دائما شاهدا على الحقيقة. ومن هنا يمكن أن نفهم صور نهاية العالم في المخيال البشري بطريقة أخرى. ليست نهاية العالم دائما سقوط السماء، أو انطفاء الشمس، أو خروج الوحوش من باطن الأرض. أحيانا تبدأ النهاية حين يفقد الناس القدرة على التمييز بين ما وقع وما لم يقع. حين يصبح الواقع نفسه موضع تصويت. حين يستطيع الوهم أن يسبق الحقيقة في كل مرة. حين يصبح الناس قادرين على رؤية آلاف الصور، لكن عاجزين عن معرفة أي منها يستحق التصديق. في هذا المعنى، قد لا تكون نهاية العالم حدثا واحدا. قد تكون تآكلا بطيئا للواقع المشترك. أما صورة يأجوج ومأجوج، إذا استحضرناها أدبيا ورمزيا لا تفسيريا، فيمكن أن تصبح استعارة مذهلة عن قوة الانفلات حين تتحرر الجموع من حواجز التحقق والمسؤولية. فالجحافل الرقمية لا تأتي هذه المرة من وراء سد حجري. إنها تأتي من وراء شاشة. ولا تحمل فؤوسا ولا سيوفا. تحمل أصابع. وملايين الأصابع قادرة، في لحظة واحدة، على فتح أبواب لم يكن لها وجود.

لكن الفارق الحاسم أن السد هذه المرة ليس من حجر. السد هو الوعي. هو التعليم. هو الصحافة. هو القانون. وهو تلك اللحظة الصغيرة التي يقرر فيها الإنسان ألا يشارك قبل أن يتحقق. قد يبدو هذا الفعل متواضعا. لكنه في عصر السرعة فعل مقاومة. حين لا نعيد نشر الكذبة، فإنّنا لا نفعل شيئا سلبيا. إنّنا نغلق بوابة. وحين نطلب مصدرا، فإنّنا لا نعطل الحوار. إنّنا تحرس الواقع. وحين نقول “لا نعرف” وسط بحر من اليقين الزائف، فإنّنا نمارس واحدة من أشجع الفضائل الفكرية. لذلك، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل اقتربت نهاية العالم؟ بل: هل أصبحنا نملك آلات المستقبل بعقل لم يتعلم بعد كيف يحمي نفسه من أوهام الماضي؟ إذا كان الخطر الحقيقي هو أن تصبح الكذبة أسرع من الحقيقة، فإن نهاية العالم التي ينبغي أن نخاف منها ليست بالضرورة نهاية الكوكب. إنها نهاية قدرتنا على الاتفاق على ما هو حقيقي. فحين ينهار الواقع المشترك، يصبح كل شيء قابلا للاختراع: القانون، والعدو، والفضيحة، والضحية، وحتى التاريخ. وعندها لا نحتاج إلى يأجوج ومأجوج كي يفتحوا السد. قد يكون السد قد أصبح في جيوبنا منذ البداية. وقد لا تكون أخطر لحظة في هذا العصر هي اللحظة التي نصدق فيها الكذبة. بل اللحظة التي نشاركها، ونحن نعرف في أعماقنا أنّنا لم نتحقق منها.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *