بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس
من 4.5 مليارات فرنك في عهد ميتران إلى احتجاجات أكتوبر 2026: هل تعالج فرنسا أزمة مدرستها العمومية، أم تنتظر حتى يتحول الغضب إلى أزمة سياسية؟ في فرنسا، أحيانا لا يحتاج التاريخ إلى أن يتكرر حرفيا كي يكشف أن بعض الأسئلة لم تجد جوابها بعد. في خريف 1990، خرج التلاميذ إلى الشوارع احتجاجاً على واقع مدرسي وصفته المؤسسات السياسية نفسها بأنه أزمة عميقة. مدارس متدهورة، تجهيزات غير كافية، وظروف تعليمية دفعت الشباب إلى المطالبة بما يفترض أن يكون من أبسط حقوقهم: أن يتعلموا في ظروف تحفظ كرامتهم وتمنحهم فرصة حقيقية للنجاح. كان فرانسوا ميتران في قصر الإليزيه، وميشال روكار على رأس الحكومة، وليونيل جوسبان وزيرا للتعليم. وانتهت موجة الاحتجاجات بإعلان خطة طوارئ للثانويات بلغت قيمتها 4.5 مليارات فرنك، في اعتراف رسمي بأن الأزمة لم تكن مجرد مبالغة من تلاميذ غاضبين، بل مشكلة تستدعي تدخلا حكوميا واسعا.
واليوم، في أكتوبر 2026، تعود المدرسة الفرنسية إلى واجهة الاحتجاجات. ففي 8 أكتوبر، شارك نحو 71,500 شخص في المظاهرات عبر البلاد، بينهم 24,500 في باريس، وفق الأرقام التي نقلتها صحيفة «لوموند» عن وزارة الداخلية. وطالب المحتجون بتحسين ظروف الدراسة ومعالجة أوجه القصور في المؤسسات التعليمية، فيما امتزجت بعض الاحتجاجات بمواجهات مع الشرطة. المصدر هنا ليس مجرد تشابه تاريخي؛ بل عودة السؤال نفسه: لماذا يحتاج التلاميذ إلى النزول إلى الشارع كي تصبح ظروف تعلمهم قضية سياسية عاجلة؟

من 4.5 مليارات فرنك إلى ميزانيات اليوم
في عام 1990، لم تكن خطة الطوارئ رقما فقط. فقد تضمنت برنامجا لتجديد الثانويات وتحسين ظروف التعليم، مع توزيع المسؤوليات والتمويل بين الدولة والمناطق. وتوضح وثائق مجلس الشيوخ الفرنسي أن الخطة استهدفت احتياجات فعلية تتعلق بالمباني والتجهيزات وبيئة الدراسة. لكن الإعلان عن التمويل ليس هو النتيجة النهائية. فالمعيار الحقيقي لأي خطة تعليمية هو ما إذا كانت قد حسّنت حياة التلاميذ، وقلّصت الفوارق بين المؤسسات، ووفّرت للمدرسين الوسائل الضرورية لأداء عملهم. وهنا ينبغي الحذر من استنتاج أن خطة 1990 كانت مجرد خدعة سياسية أو أن أموالها لم تحقق أي نتائج. هذه أحكام تحتاج إلى تقييم تاريخي ومالي مفصل. لكن من المشروع تماما أن نسأل لماذا بقيت قضايا جودة التعليم والعدالة بين المدارس حاضرة في النقاش الفرنسي بعد كل هذه العقود.
أكتوبر 2026: حين تصبح المدرسة ساحة مواجهة
في الاحتجاجات الحالية، لا يتعلق الأمر بالمباني وحدها. فالتلاميذ يرفعون أيضا مطالب تتصل بنقص المدرسين، وصعوبة تعويض الغائبين، وضغط الدراسة، ومستقبل المدرسة العمومية. وقد أعلنت الحكومة عن إجراءات تتعلق بتوفير مدرسين بدلاء في المؤسسات الأكثر تضررا، بينما رأى المحتجون أن الوعود لا تكفي ما لم تتحول إلى نتائج ملموسة. وفي الوقت نفسه، أعادت المواجهات مع الشرطة طرح سؤال حساس: كيف تحمي الدولة النظام العام من دون أن تتحول حماية المؤسسات إلى سبب إضافي لفقدان الشباب ثقتهم بها؟ ينبغي هنا الفصل بين حق التظاهر وأعمال التخريب، كما ينبغي مساءلة أي تجاوزات وفق الأدلة والقانون. فلا التخريب يلغي مشروعية المطالب الاجتماعية، ولا مشروعية الاحتجاج تمنح أحدا حصانة من المساءلة.
ما وراء الأزمة: هل ما زالت المدرسة أداة للمساواة؟
تتمثل إحدى أهم وعود الجمهورية الفرنسية في أن التعليم يمكن أن يفتح أبواب المستقبل أمام أبناء مختلف الطبقات الاجتماعية. لكن هذا الوعد يصبح موضع اختبار عندما تتفاوت ظروف الدراسة بين المؤسسات، أو تتباين قدرتها على استقطاب المدرسين، أو تؤثر الظروف الاقتصادية والاجتماعية في فرص التلاميذ. وهنا تنتقل القضية من حدود وزارة التعليم إلى سؤال سياسي أوسع: هل توزع الدولة مواردها بما يضمن فرصا تعليمية عادلة، أم أن أبناء بعض المناطق يواجهون صعوبات أكبر في الحصول على الشروط الأساسية للنجاح؟ لا يكفي أن نقارن الميزانيات أو نحصي الوظائف المعلنة. يجب أن نعرف أين ذهبت الأموال، وما الذي تغير في الأقسام، وهل تقلصت الفوارق، وما إذا كانت المدارس الأكثر احتياجا قد حصلت فعلا على الدعم الذي تحتاجه.
هل التاريخ يعيد نفسه؟
ليس من الدقة القول إن فرنسا عام 1990 هي فرنسا عام 2026. فقد تغيرت الحكومات، والظروف الاقتصادية، وأشكال الاحتجاج، والتحديات التي تواجه المدرسة. لكن المقارنة تكشف مفارقة تستحق التأمل: في المرتين، أصبحت المدرسة العمومية في قلب نقاش يتجاوز التعليم إلى العلاقة بين الدولة والشباب، وبين المساواة المعلنة والواقع المعيش. في 1990، جاءت خطة الطوارئ بعد احتجاجات واسعة. وفي 2026، تواجه الحكومة مطالب جديدة في ظل ضغوط مالية وسياسية واجتماعية متشابكة. والسؤال ليس ما إذا كانت كل أزمة ستنتهي بالطريقة نفسها، بل ما إذا كانت السلطات ستكتفي بإطفاء الحريق، أم ستعالج الظروف التي تجعل الحريق ممكنا في المقام الأول.
المدرسة ليست بندا في الميزانية فقط
حين يحتج التلاميذ، لا ينبغي أن يكون أول سؤال هو كيف نعيدهم إلى الأقسام، بل لماذا شعروا أن الشارع هو الوسيلة التي ستجعل أصواتهم مسموعة. وحين تعلن الحكومة عن أموال إضافية، لا ينبغي أن ينتهي النقاش بالتصفيق للرقم، بل أن يبدأ بمراقبة التنفيذ وقياس النتائج. من 1990 إلى 2026، لا تكمن المفارقة في أن فرنسا أنفقت الأموال ثم شهدت احتجاجات جديدة؛ بل في أن كل جيل يضطر إلى إعادة طرح السؤال عن حقه في مدرسة عمومية تمنحه فرصة عادلة للمستقبل. فالمدرسة ليست مجرد مبان أو مقاعد أو جداول دراسية. إنها أحد الاختبارات الأساسية لصدقية الجمهورية. وإذا كانت الدولة لا تستطيع أن تضمن لكل طفل ظروفا تعليمية لائقة، فإن المشكلة لا تعود مشكلة تلميذ أو مدرسة وحدها؛ بل تصبح سؤالا عن العدالة الاجتماعية، وعن الأولويات السياسية، وعن معنى تكافؤ الفرص. السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحا أمام فرنسا اليوم ليس كم مليارا ستعلن الحكومة، بل: كيف سنعرف، بعد سنوات، أن هذه الأموال غيّرت فعلا حياة التلاميذ؟
المصادر والمراجع
مجلس الشيوخ الفرنسي: وثائق خطة الطوارئ للثانويات لعام-1990-
صحيفة «لوموند»، 9 أكتوبر 2026: تغطية احتجاجات التلاميذ في فرنسا-
صحيفة «الغارديان»، 8 أكتوبر 2026: مطالب المحتجين ورد الحكومة الفرنسية-
