بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس
تخيل, قارئي العزيز, مشهدا كهذا: في صالة سوبر ماركت كبيرة، يسير شاب على حافة الخامسة عشرة نحوه، يضع علبة Red Bull على المنضدة، ووجهه يحمل نضجا أعمق من عمره الحقيقي. النقرة تدق على المنضدة، عينا أمين الصندوق تمسحان وجهه، ذلك التردد الذي يستمر أقل من نصف ثانية: هل يطلب بطاقة هويته أم لا؟ خلف المنضدة في صندوق زجاجي، كان قد سأل ذلك السؤال نفسه مسبقا، الفرق هو أنه في حالة السوبرماركت، كان عليه أن يحدق في عيني شخص غريب ويقول كلمة “لا”، وهو موقف يمكن أن يتطور في أي لحظة إلى مشادة، إلى منشور، إلى استياء عام. بينما في آلة البيع، لا توجد عيون، ولا أسئلة، ولا بطاقات هوية. فقط زر، وقطعة نقود معدنية، وحفيف علبة تسقط. القانون يمكنه أن يطارد كل أمين صندوق في سوبرماركت فرنسا، لكنه لا يستطيع أن يسأل آلة بيع أبدا: كم عمرك هذا العام؟
في 7 أكتوبر 2026، أصدرت الجمعية الوطنية الفرنسية تقريرا برلمانيا، أوصى صراحة بحظر بيع المشروبات التي تحتوي على الكافيين للأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 16 عاما، وطالب بإزالتها من آلات البيع. التقرير الذي شارك في إعداده النائب الاشتراكي ساندرين رونيل والنائب الجمهوري يانيك نودير يشير إلى أن المخاطر الصحية لهذه المشروبات على المراهقين “أعلى بكثير”، وأن الاستهلاك المفرط للكافيين يمكن أن يسبب أعراضا مثل تسرع القلب والخفقان والقلق واضطرابات النوم. يبلغ حجم سوق المشروبات التي تحتوي على الكافيين في فرنسا نحو 7.8 مليار يورو في 2025، بزيادة تقارب 15% عن العام السابق.
لكن المشكلة هي أن التوصية المكتوبة على الورق، عندما تصل إلى نقطة البيع، تصبح مواجهة بين جسدين بشريين. القانون لا يمكنه تغيير بنية عظام وجه المراهق البالغ من العمر 15 عاما. طفل بعض الناس في الثانية عشرة يبدو وكأنه في السابعة عشرة، وبعض البالغين في الخامسة والعشرين لا يزالون يبدون طلابا في الثانوية. هذا النوع من سوء التقدير في العمر، هو خطأ لا يمكن للقانون أن يمنعه مباشرة. هذا التقرير نفسه يحمل تناقضا داخليا أكثر عمقا: هل المشكلة فعلا “من يمكنه الشراء”؟ المراهقون الذين شملهم الاستطلاع قالوا بصراحة إنه إذا لم يتمكنوا من الشراء، سيطلبون من أخيهم الأكبر أن يساعدهم. قالت إحدى الفتيات بصراحة: “من الصعب أن أتخيل أمين صندوق يطلب مني إظهار بطاقة الهوية من أجل علبة Red Bull”. ذكاء هذه الجملة يكمن في أنها تكشف حقيقة: الناس لا يعارضون “هل هذه الأشياء ضارة”، بل يسألون “هل الطريقة التي تستخدمها فعالة”. عندما لا تكون أدوات التنفيذ في متناول اليد، يتحول القانون إلى بيان أخلاقي.
هذا ما يميز مشكلة آلات البيع. هي بحد ذاتها استعارة: مجتمع التقنين، يُجبر أحيانا على مواجهة تقنيات لا تستطيع التقنين. مسألة إزالة آلات البيع، يمكن للسلطات أن تنقر بزر الماوس وتحلها، لكن حظر بيعها في السوبرماركت وطلب من الموظف أن يقرر فورا في ظل غياب أي سلطة كاملة، هو إشكالية أعمق. عندما يقف القانون عند المنضدة، يصبح مسألة مزاج وحدس. ربما يجب أن نتوقف ونفكر: هل هذه السياسة تهدف فعلا إلى “منع” أم “تذكير”؟ في الأيام التي لم تكن فيها الهواتف الذكية موجودة، كان اعتماد الناس على البطاقة الخضراء في المحفظة. الآن البطاقة الخضراء في الهاتف، وحدس أمين الصندوق نفسه قد تم محوه بواسطة التكنولوجيا ذاتها. الآلة لا تسأل عن العمر، لأن الآلة لا تنظر إلى وجوه الناس. لكن ماذا عن البشر الذين لا يزالون يقفون خلف المنضدة؟ لا تزال عيونهم، في بعض الأحيان، تحدق.
