بقلم زكية لعروسي زكية, رئيسة التحرير
هناك نساء قد تعبرن التاريخ كما تعبر العاصفة غابة يابسة، وأخريات لا تكتفين بعبور التاريخ، بل تتركن في جدار الزمن شقوقا يتسرب منها الضوء إلى العصور المعتمة. ونافي بيلاي واحدة من أولئك اللواتي لم ترضين أن تكن شهودا على المأساة، فقررن أن تقتحمن مسرحها، وأن تنتزعن من فم الوحش اعترافا لم يكن يريد النطق به: إن للضحية اسما، وللجريمة حقيقة، وللإنسان كرامة لا تسقط بالتقادم. في سيرة هذه المرأة، المولودة في ديربان، لا نقرأ تاريخ قاضية فحسب؛ بل نقرأ، في صورة سيرة بشرية كثيفة، تاريخ الصراع بين القانون حين يكون ضميرا، والقانون حين يتحول إلى قناع ترتديه السلطة لتخفي أنيابها. نقرأ حكاية امرأة خرجت من مجتمع جعل لون البشرة بطاقة عبور إلى الامتياز، أو حكما مؤبدا بالإقصاء، ثم مضت لتسأل العالم سؤالا يضيق به صدر الطغاة: من يحاكم القانون حين يصبح شريكا في الجريمة؟ إنها الحكاية التي تبدأ في جنوب إفريقيا، لكنّها لا تنتهي عند حدودها؛ حكاية تتجاوز الجغرافيا لتبلغ تلك المنطقة المظلمة من النفس البشرية التي يتواطأ فيها الخوف مع المصلحة، ويستعير فيها الظلم لغة النظام، وتعلق فيها العدالة على مشجب الضرورات السياسية، كما تعلق مصابيح ميتة في سقف بيت احترق أهله.
من ديربان إلى محكمة التاريخ
في جنوب إفريقيا زمن الفصل العنصري، لم يكن الظلم يحتاج دائما إلى قناع أسود؛ كان يرتدي ربطة عنق، ويحمل ملفا مختوما، ويجلس خلف مكتب رسمي، ثم يطلب من الضحية أن تشكره على احترام الإجراءات. هناك، حيث تحول اللون إلى قدر مفروض، والهوية إلى تهمة معلقة في رقبة الإنسان، اختارت نافي بيلاي أن تدخل من الباب الذي أراد النظام إغلاقه في وجهها. وفي عام 1967، فتحت مكتبها للمحاماة في إقليم ناتال، لتشق طريقها في مهنة كانت المرأة، فضلا عن المرأة غير البيضاء، تواجه فيها جدارين: جدار التمييز وجدار الامتياز الذكوري. لم يكن فتح المكتب مجرد خطوة مهنية في سجل محامية طموحة؛ كان أشبه بزرع شجرة زيتون في ساحة أعدت لشنق أشجار الزيتون. كانت تقول، من دون أن تحتاج إلى رفع صوتها، إن الإنسان يستطيع أن يسترد شيئا من حريته حين يتعلم كيف يحاصر الظلم بلغته، ويجبر السلطة على المثول أمام قواعدها المعلنة.
دافعت عن سجناء سياسيين ومناهضي الفصل العنصري، وساهمت في تثبيت حقوق المعتقلين في مواجهة منظومة كانت تتقن صناعة الجدران أكثر مما تتقن بناء الجسور. وفي سيرة كهذه، لا يعود الدفاع عن المعتقل مجرد ممارسة قانونية؛ إنه محاولة لإنقاذ اللغة نفسها من التواطؤ، حتى لا يصبح السجين مجرما لمجرد أن السلطة سمته كذلك، ولا يصبح الجلاد حارسا للنظام لمجرد أن النظام منحه المفاتيح. ثم جاء عام 1995، فدخلت نافي بيلاي المحكمة العليا في جنوب إفريقيا بوصفها أول امرأة غير بيضاء تتولى هذا المنصب. لم يكن المشهد انتصارا لشخصها وحده، بل لحقيقة طالما حاولت أنظمة التمييز دفنها تحت ركام القوانين: أن العدالة لا لون لها، وإن كان الذين يحتكرون أبوابها يحاولون دائما صبغها بألوانهم.
لقد تبدلت المقاعد، وتغيرت الوجوه، وانكسر شيء من احتكار السلطة؛ لكن السؤال ظل قائما، مثل مسمار في ذاكرة البلاد: كيف يمكن لمؤسسات شاركت في تنظيم الظلم أن تصبح أدوات للإنصاف؟ وكيف يستعيد القانون شرفه بعد أن أمضى سنوات طويلة يخدم سجانيه؟ لم تكن الإجابة في تطهير الكلمات، بل في تغيير وظيفة المؤسسات؛ في أن يصبح القاضي قادرا على النظر إلى وجه المظلوم دون أن يرى فيه عرقه أو دينه أو موقعه في ميزان القوى، وأن يرى في الإنسان إنسانا قبل أن يراه ملفا في أرشيف الدولة.
حين تعلم القانون لغة المقابر
لكن نافي بيلاي لم تبق في حدود التجربة الوطنية. كأن جغرافيا الظلم، بعد أن أرتها وجهها الجنوب إفريقي، فتحت أمامها أبوابا أخرى؛ فإذا بالعالم كله يتحول إلى خريطة من الجروح، وإذا بالقانون يجد نفسه مدعوا إلى أصعب امتحاناته: امتحان الموت الجماعي. في المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، حيث كانت الذاكرة مثقلة بجريمة الإبادة الجماعية التي شهدها عام 1994، واجهت العدالة سؤالا لا تستطيع البلاغة وحدها الإجابة عنه: كيف يمكن للكلمات أن تستوعب جريمة أريد لها أن تمحو جماعة بشرية من الوجود؟ وكيف يستطيع الحكم القضائي أن يعيد شيئا من الاعتبار إلى أناس لم يقتلوا فحسب، بل استهدف حقهم في أن يكونوا موجودين أصلا؟
إن الإبادة الجماعية ليست مجرد ارتفاع مرعب في عدد الجثث؛ إنها مشروع لتحويل الإنسان إلى خطأ ينبغي محوه، والذاكرة إلى أرض ينبغي تجريفها، والاسم إلى أثر يجب إزالته من سجل العالم. وفي هذا السياق، اكتسب عمل المحكمة أهمية خاصة في تطوير الاجتهاد القضائي المتعلق بالعنف الجنسي، وتأكيد إمكان أن تشكل أفعال من هذا النوع، متى توافرت شروطها القانونية، جرائم إبادة جماعية. لقد ساعد ذلك في كسر جدار من الصمت طالما أحاط بضحايا كانت آلامهن تدفن مرتين: مرة تحت وطأة الجريمة، ومرة تحت وطأة العجز عن تسميتها في لغة القانون.
هنا تكمن إحدى الوظائف النبيلة للقضاء: أن يعيد إلى الجريمة اسمها الحقيقي، وأن يمنع السلطة من إعادة كتابة المقابر باعتبارها ساحات ضرورة، أو تحويل أجساد الضحايا إلى هوامش في تقرير سياسي. لكن المحاكمة، مهما بلغت دقتها، لا تعيد الموتى إلى موائد أسرهم، ولا ترد إلى الأطفال طفولتهم التي افترستها الحرب. إنها لا تصنع معجزة الإحياء، بل تؤسس لشيء أقل قدرة على إبهار العيون، وأكثر ضرورة لاستمرار الحضارة: ألا يكون القتل الجماعي طريقا مضمونا إلى النسيان. وقد تولت بيلاي رئاسة المحكمة الجنائية الدولية لرواندا بين عامي 1999 و2002، قبل أن يمتد مسارها إلى القضاء الجنائي الدولي. وفي تلك المسافة بين قاعات المحاكم وخرائط المقابر، تتجلى مفارقة العدالة الحديثة: إنها تأتي غالبا متأخرة عن الجريمة، لكنها مطالبة بألا تأتي متأخرة عن الحقيقة.
المفوضة التي حملت المرآة إلى وجه العالم
حين تولت نافي بيلاي منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بين عامي 2008 و2014، انتقلت من موقع القاضية التي تفصل في الوقائع ضمن اختصاص قضائي، إلى موقع دولي تتشابك فيه حقوق البشر بحسابات الدول، وتتصادم فيه المبادئ مع المصالح، وتختبر فيه شجاعة المؤسسات تحت أضواء الدبلوماسية الباردة. في أروقة الأمم المتحدة، لا تمشي الكلمات دائما على أقدامها؛ أحيانا تحمل على أكتاف المصالح، وأحيانا تربط إلى مقاعد الانتظار، وأحيانا تمنع من الوصول إلى وجهتها لأن حقيقتها قد تزعج حليفا قويا أو تفسد صفقة محكمة الإغلاق.
هناك تتضح المسافة الهائلة بين الإعلان عن الحق وضمانه. فالعالم الذي صاغ المواثيق والاتفاقيات، وأقام المؤسسات، وأحاط الإنسان بسياج من النصوص، لا يزال عاجزا عن منع انتهاكات تتكرر أمام عدسات الكاميرات. كأن الحضارة شيدت مكتبة هائلة للضمير، ثم تركت أبوابها مفتوحة للغبار والنسيان. ومع ذلك، لا تكون قيمة المؤسسات الدولية في قدرتها على إنهاء الشر بضربة واحدة، فهذه مهمة أقرب إلى الأسطورة منها إلى السياسة؛ بل في قدرتها على مقاومة تحويل الشر إلى قاعدة، والجريمة إلى إجراء، والاستثناء إلى نظام دائم.
لقد كشف مسار بيلاي عن معضلة لا تزال تؤرق القانون الدولي: كيف يمكن الدفاع عن عالمية حقوق الإنسان في عالم توزع فيه الحماية أحيانا وفق موازين القوة؟ وكيف يمكن إقناع الشعوب بأن القانون واحد، بينما يبدو التطبيق في نظر كثيرين متعددا، يتغير بتغير هوية المتهم ومكانة الدولة التي تقف خلفه؟ إن أخطر ما يهدد القانون الدولي ليس أن ينتهكه الأقوياء فحسب، بل أن يعتاد العالم انتهاكه، حتى يصبح الخرق مشهدا مألوفا، والاعتراض طقسا دبلوماسيا، والضحايا أرقاما تتبدد بين نشرات الأخبار ومداولات المجالس المغلقة.
غزة… حين يصبح الدخان سؤالا موجها إلى الضمير
ثم جاءت غزة، أو لعل غزة كانت هناك منذ زمن طويل، تنتظر أن يرفع العالم رأسه من أوراقه ويرى ما يحدث خارج النوافذ. غزة ليست مجرد بقعة محاصرة بين البحر والحدود؛ إنها مساحة ضيقة اختبر فيها اتساع العجز الإنساني. هناك، حيث يتداخل غبار البيوت المنهارة مع أنفاس الناجين، وحيث يبحث الأب عن اسم ابنه في قائمة الضحايا كما يبحث الغريق عن قطعة خشب، يصبح القانون الدولي أمام مرآة لا ترحم: ماذا تعني قواعد حماية المدنيين إذا لم تستطع أن تحميهم؟ وما قيمة التحذيرات إذا استمر الموت في أداء عمله اليومي بلا انقطاع؟
في سياق عملها المتصل بالتحقيق في الانتهاكات المرتكبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ارتبط اسم بيلاي بجهود أممية أثارت جدلا حادا بشأن المسؤولية القانونية عن الجرائم المرتكبة في غزة. وتستوجب أي إشارة إلى تقرير بعينه، أو إلى وصف تلك الوقائع بالإبادة الجماعية، تحديد الجهة التي أصدرته وتاريخه ومضمونه بدقة؛ فهذه التسمية ليست استعارة أدبية، وإنما توصيف قانوني له عناصر وشروط ينبغي فحصها. غير أن التحفظ القانوني لا يعني الصمت الأخلاقي، كما أن التدقيق في الأوصاف لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتعطيل النظر في الوقائع. ثمة فرق بين أن نخضع الادعاء للفحص القضائي، وأن نستخدم الحاجة إلى الفحص ستارا لإرجاء العدالة إلى أجل لا يأتي.
فجريمة الإبادة الجماعية، وفقا للقانون الدولي، تتطلب إثبات عناصر محددة، في مقدمتها القصد الخاص إلى تدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، كليا أو جزئيا، بصفتها تلك. ولا يكفي إطلاق المصطلح لإثباته قضائيا، كما لا يجوز إسقاط خطورة الادعاء لمجرد أن المتهم ينتمي إلى دولة قوية أو يحظى بحماية حلفاء نافذين. إن قوة القانون تكمن في هذا التوازن الصعب: ألا يستبق الحكم، وألا يتهرب من الحقيقة؛ ألا يحول الاتهام إلى إدانة تلقائية، وألا يجعل من قرينة البراءة مقبرة لحقوق الضحايا. أما إسرائيل، فقد رفضت اتهامات خطيرة وقراءات قانونية تتعلق بسلوكها في الحرب على غزة. ويقتضي الإنصاف عرض المواقف المتنازع عليها بدقة، والتمييز بين ما تقرره لجنة تحقيق، وما تنظر فيه المحاكم المختصة، وما يثبت بحكم قضائي نهائي. لكن يبقى السؤال الذي لا تستطيع البيانات الرسمية دفنه: هل يمكن للعالم أن يقبل حماية المدنيين بوصفها مبدأ كونيا، ثم يتعامل معها بوصفها امتيازا سياسيا يتسع لبعض البشر ويضيق عن بعضهم الآخر؟
إن الطفل الذي يخرج من تحت الأنقاض لا يحمل جواز سفر يمنحه حق الحياة، والأم التي تبحث عن جثمان ابنتها لا تحتاج إلى تحالف دولي كي تستحق الحداد. إنهما لا يطلبان من العالم أن يتخلى عن القانون، بل أن يفي بما وعد به القانون. وفي هذه النقطة تحديدا، تتحول غزة من مأساة فلسطينية إلى امتحان كوني: امتحان لمدى قدرة البشرية على منع القوة من كتابة تعريفها الخاص للعدالة، وعلى حماية الإنسان حين يصبح الدفاع عنه مكلفا في سوق المصالح.
نوبل… هل تكفي ميدالية لإيقاظ الضمير؟
إن اقتران اسم نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام، إذا تأكد رسميا في سياق الإعلان المتداول عن جائزة عام 2026، يكتسب دلالة تتجاوز الاحتفاء بسيرة فردية؛ فهو يفتح الباب أمام سؤال أكبر من الجائزة نفسها: ما الذي نكرمه حين نكرم المدافعين عن القانون؟ أهو ما أنجزوه بالفعل، أم ما يعجز العالم عن إنجازه من دونهم؟ فجائزة السلام، في أعمق معانيها، ليست تاجا يوضع على رأس شخص ثم ينتهي الأمر. إنها مرآة ترفع أمام العالم، فيرى فيها الفجوة بين صورته التي يحب أن يراها، وحقيقته التي يحاول أحيانا إخفاءها. وقد تتحول الجائزة إلى لحظة من الاعتراف، لكنها لا تصبح ذات قيمة تاريخية إلا حين تتبعها إرادة سياسية تحول الاعتراف إلى فعل.
إن تكريم امرأة قضت حياتها في الدفاع عن الحقوق يذكرنا بأن السلام ليس مجرد غياب مؤقت لإطلاق النار، بل وجود فعلي للشروط التي تمنع عودة الرصاص: العدالة، والمساءلة، واحترام الكرامة الإنسانية، وامتناع الدول عن استخدام القوة خارج القيود التي يفرضها القانون. فكم من حرب انتهت على الورق وظلت مشتعلة في ذاكرة الناجين؟ وكم من اتفاق وقع تحت الأضواء بينما كانت جذور الصراع تنمو في الظل؟ وكم من سلام أعلن باسم الاستقرار، فيما كان الاستقرار نفسه اسما مهذبا لإسكات المظلوم؟
إن السلام الذي لا يسمع أنين ضحاياه ليس سلاما؛ إنه صمت مفروض بقوة السلاح. والعدالة التي تختار خصومها وفقا لموازين النفوذ ليست عدالة مكتملة، بل ظل يتبع الشمس حيثما مالت. لهذا لا ينبغي أن يكون الاحتفاء بنافي بيلاي احتفاء ببطولة فردية فحسب، بل مناسبة لإعادة التفكير في النظام الدولي نفسه: في ازدواجية المعايير، وفي عجز آليات المساءلة، وفي الهوة التي تفصل النص القانوني عن إرادة تنفيذه. إن الرجل أو المرأة اللذين يقفان في وجه الظلم قد ينجحان في كسر حلقة من حلقاته، لكنهما لا يستطيعان وحدهما إعادة بناء العالم. تلك مهمة تتطلب مؤسسات مستقلة، ودولا تقبل الخضوع للقواعد التي تطالب الآخرين باحترامها، ومجتمعات لا تتنازل عن حقها في مساءلة السلطة.
المرأة التي تضع القوة أمام المرآة
لعل أكثر ما يستوقفني في سيرة نافي بيلاي ليس عدد المناصب التي تولتها، ولا اتساع المجال الجغرافي الذي تحركت فيه، بل ذلك الخيط الرفيع الذي ظل يصل بدايتها بنهايتها: رفضها أن يكون الضعف الإنساني مبررا إضافيا لممارسة الظلم. بدأت محامية في مجتمع رتب البشر في طبقات من الامتياز والإقصاء، ثم أصبحت قاضية في زمن كان العالم يتعلم، ببطء شديد، أن الجرائم الكبرى لا يجوز أن تختبئ وراء حدود الدول. وانتقلت إلى مؤسسات دولية يفترض أنها تجسد الضمير المشترك للبشرية، فوجدت أن هذا الضمير نفسه يحتاج إلى من يحرسه من النسيان والتسييس. في كل محطة من محطات رحلتها، كانت ثمة قوة تحاول أن تبدو أكبر من القانون: دولة عنصرية، أو سلطة متهمة بانتهاكات، أو بنية دولية تثقلها المصالح المتعارضة. وفي كل مرة يعود السؤال ذاته: هل القانون قاعدة يخضع لها الجميع، أم لغة تستعملها القوة حين تخدمها وتتخلى عنها حين تقيد حركتها؟
قد لا تمتلك القاضية مفاتيح الجيوش، ولا يملك المحامي سلطة وقف الطائرات، ولا تستطيع المفوضية الدولية وحدها أن تنتزع السلاح من يد الحرب. لكن لهذه الأدوار جميعا قدرة أخرى: أن تمنع القوة من احتكار تعريف الحقيقة، وأن تحفظ للضحايا حقهم في أن تروى حكايتهم خارج الرواية التي يكتبها المنتصر. وهذه ليست قدرة صغيرة. فحين ينجح الظلم في السيطرة على الوقائع، ثم على اللغة التي تصفها، يصبح الإنسان مرتين ضحية: مرة حين يسلب حقه، ومرة حين يسلب اسمه من سجل العالم. إن العدالة، في جوهرها، مقاومة لهذا المحو المزدوج. إنها إصرار على أن ما حدث قد حدث، وأن الضحية ليست وهما في خطاب الخصوم، وأن الجريمة لا تفقد حقيقتها لأن الاعتراف بها يزعج أصحاب النفوذ.
حين يقف العالم في قفص الاتهام
إن التاريخ لا يبرئ الأمم لمجرد أنها صاغت دساتير جميلة، ولا يمنح المؤسسات صك النزاهة لأنها رفعت رايات الحقوق. التاريخ يسأل عما فعلته هذه الأمم حين كان الأبرياء يستغيثون، وعما فعلته تلك المؤسسات حين اصطدمت المبادئ بالمصالح، وعما إذا كان القانون قد بقي قانونا عندما صار تطبيقه عبئا على الأقوياء. ومن هذه الزاوية، تبدو سيرة نافي بيلاي أكثر من مسار مهني استثنائي؛ إنها حكاية مقاومة طويلة لفكرة أن القوة تستطيع أن تكتب الجريمة ثم تتولى بنفسها تفسيرها، وأن الدولة تستطيع أن تكون الخصم والحكم، وأن الضحية مطالبة بإثبات إنسانيتها قبل أن تستحق الحماية. إن العالم لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الكلمات التي تمدح العدالة، بقدر ما يحتاج إلى مؤسسات تجرؤ على ممارستها. لا يحتاج إلى مواثيق جديدة بقدر حاجته إلى احترام المواثيق القائمة. ولا يحتاج إلى الاحتفال بضمير حي كلما ظهر، ثم تركه وحيدا أمام جدار المصالح؛ بل يحتاج إلى تحويل هذا الضمير إلى قاعدة تحكم العلاقات بين الدول، لا إلى استثناء أخلاقي يستدعى في المناسبات.
فإذا كان للسلام من معنى يتجاوز الهدنة، وللقانون من وظيفة تتجاوز الزينة، وللحضارة من تعريف يتجاوز وفرة السلاح والتكنولوجيا، فإن ذلك المعنى يبدأ من لحظة واحدة: حين يقرر العالم أن حياة الإنسان ليست بندا قابلا للتفاوض، وأن الكرامة ليست امتيازا جغرافيا، وأن العدالة لا ينبغي أن تسأل الضحية عن هويتها قبل أن تفتح لها الباب. قد يعجز القانون عن إعادة الموتى، لكنه يستطيع أن يمنع القتلة من احتكار التاريخ. وقد لا يستطيع القاضي أن يوقف الحرب بقرار واحد، لكنه يستطيع أن يحرم الحرب من حقها المزعوم في تبرئة نفسها. وهنا، في المسافة الفاصلة بين الجريمة والحكم، وبين الضحية والاعتراف، وبين النص والإرادة، تقف نافي بيلاي بوصفها إحدى الشخصيات التي جعلت من القانون سؤالا مفتوحا في وجه السلطة. ليس السؤال: هل انتصر القانون نهائيا؟ بل السؤال الأشد إيلاما، والأكثر إلحاحا: كم من الأبرياء ينبغي أن يسقطوا قبل أن يقرر العالم أن القانون وجد لكي يحميهم، لا لكي يشرح، بعد موتهم، لماذا عجز عن إنقاذهم؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي للسلام. وذلك هو الموضع الذي تتوقف فيه قيمة الجوائز عند حدود الرمز، ويبدأ امتحان التاريخ. فالتاريخ، في نهاية المطاف، لا يكتفي بتدوين أسماء الذين رفعوا راية العدالة؛ إنه يسأل أيضا عن الذين رأوا الراية تسقط، وكان في وسعهم أن يمنعوا سقوطها، لكنهم آثروا أن يظلوا متفرجين. وفي قاعة هذا التاريخ، لا يقف الضحايا وحدهم في انتظار الحكم. إن العالم بأسره هو الذي يقف في قفص الاتهام.
