يناير 2027: هل يصبح الموت آخر حقوق الإنسان أم آخر امتحانات الحضارة؟

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

قد لا تفتح بعض الأبواب على الحياة، بل على أكثر أسرارها غموضا. أبواب لا تقف خلفها حدائق ولا شوارع ولا نوافذ تطل على الصباح، بل سؤال واحد، عار، ثقيل، يرتجف في عتمة الوجود: من يملك الحق في تقرير اللحظة التي ينبغي فيها للإنسان أن يغادر العالم؟

في يناير 2027، تستعد فرنسا لدخول منطقة أخلاقية شديدة الحساسية، مع بدء تطبيق القانون الذي ينشئ حقا في المساعدة على الموت، وفق شروط وضوابط قانونية، كما أعلنت وزيرة الصحة ستيفاني ريست. القانون الذي أقره البرلمان نهائيا في منتصف يوليو لن يكون مجرد نص إضافي في دفاتر التشريع، بل تحولا يمس واحدة من أعمق المناطق التي ظل الإنسان يتردد عند حدودها: العلاقة بين الحياة والألم، وبين الحرية والموت، وبين سلطة الدولة وحرمة الجسد.

هنا لا نتحدث عن قانون عادي يمكن قياس نجاحه بعدد الملفات التي عولجت أو القرارات التي نفذت. نحن أمام تشريع يقترب من المنطقة التي تتوقف فيها اللغة عن كونها أداة للتواصل، وتصبح محاولة يائسة لتسمية ما لا يمكن اختزاله في الكلمات. فالموت، مهما أحاطت به النصوص القانونية، يظل تجربة لا يستطيع أحد أن يعيشها نيابة عن أحد، ولا أن يختبر حقيقتها قبل وقوعها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: هل يحق للإنسان أن يختار نهاية معاناته؟ بل: هل يظل الاختيار حرا حين يصبح الألم مقيما في الجسد، وحين تتآكل الاستقلالية، وحين يتحول الاعتماد على الآخرين الى جرح صامت في كرامة المريض؟

إن الدفاع عن الحق في المساعدة على الموت ينطلق من فكرة فلسفية عميقة، مفادها أن الإنسان ليس مجرد جسد ينبغي إبقاؤه حيا بأي ثمن، بل كائن يمتلك وعيا وكرامة وحقا في أن تكون لحياته دلالة تتصل بإرادته. ومن هذا المنظور، لا تكون الحياة مجرد استمرار بيولوجي، ولا يكون احترامها مرادفا لإطالة الألم مهما كانت كلفته الإنسانية. فالطب الذي يستطيع تأجيل الموت لا يستطيع دائما أن يعيد للحياة معناها، والتكنولوجيا التي تطيل وظائف الجسد لا تملك بالضرورة القدرة على ترميم ما تهدم في تجربة الإنسان الداخلية. غير أن الوجه الآخر لهذه القضية أكثر تعقيدا وخطورة. فهل يكون الاختيار حرا تماما في مجتمع يشعر فيه بعض المرضى بأنهم عبء اقتصادي أو عائلي؟ ماذا يحدث حين يختلط قرار إنهاء المعاناة بالخوف من إثقال كاهل الأبناء، أو بالإحساس بالعزلة، أو بنقص الرعاية؟ وهل يمكن أن تتحول الحرية، من دون قصد، الى ضغط اجتماعي غير معلن يدفع الإنسان الضعيف الى الاعتقاد بأن رحيله أقل كلفة من بقائه؟

هنا تكمن العقدة الأخلاقية الكبرى. فالحق في اختيار الموت لا ينبغي أن يتحول أبدا الى واجب مستتر بالموت، ولا يجوز أن يشعر مريض بأن المجتمع يمنحه باب الخروج قبل أن يمنحه سريرا للعلاج، أو رعاية كافية، أو يدا تمسك بيده حين يصبح الليل أطول من قدرته على احتماله. ومن ثم، فإن المعركة الحقيقية لا ينبغي أن تكون بين الحياة والموت، بل بين الكرامة والهشاشة، وبين حرية الاختيار والاختيار الذي تصنعه الظروف القاسية. فلا معنى لحرية لا تجد أمامها بدائل حقيقية، ولا قيمة لقرار فردي إذا كان قد تشكل تحت وطأة الإهمال أو الفقر أو الوحدة. ولذلك ستكون مراسيم تطبيق القانون موضع مراقبة دقيقة، لأنها ستكشف الكيفية التي ستترجم بها المبادئ الكبرى إلى إجراءات عملية. فالفارق هائل بين الاعتراف بحق على الورق وضمان ممارسته ضمن شروط تحمي الإنسان من التسرع والضغط والاستغلال. إن الضمانات الطبية والقضائية، واستقلالية القرار، ووضوح المعايير، وإتاحة الرعاية التلطيفية، ليست تفاصيل إدارية هامشية؛ إنها الحواجز الأخلاقية التي تمنع الحرية من السقوط في هاوية الالتباس.

كما أن الرعاية التلطيفية لا ينبغي أن تظهر باعتبارها طريقا منافسا للموت، بل باعتبارها حقا أصيلا في تخفيف الألم وصون الكرامة. فالمجتمع الذي يناقش حق الإنسان في الرحيل، من دون أن يضمن له حقه في الرعاية والاحتضان وتخفيف معاناته، يشبه من يفتح نافذة للخروج وينسى أن يصلح البيت الذي جعل المقيم فيه يتمنى المغادرة. إن فرنسا لا تختبر قانونا فحسب، بل تختبر صورتها عن الإنسان. هل هو صاحب إرادة مستقلة حتى اللحظة الأخيرة؟ أم أن الحياة قيمة تعلو على كل اختيار فردي؟ وأين تنتهي سلطة الطب، وأين تبدأ حرية المريض؟ ثم من يحرس هذا الحد الفاصل حين تصبح المعاناة أكبر من قدرة اللغة على وصفها؟

ربما لا توجد إجابات نهائية عن هذه الأسئلة، لكن المؤكد أن المجتمعات ليست فقط بالطريقة التي تستقبل بها أبناءها عند الولادة، بل أيضا بالطريقة التي ترافقهم بها عندما تقترب أجسادهم من حدودها الأخيرة. في يناير 2027، لن تفتح فرنسا بابا تشريعيا وحسب؛ ستفتح أبوابا ضخمة تقف أمامها الفلسفة والطب والقانون والدين والأخلاق. وسيكون على الجميع أن ينظروا فيها من دون ادعاء امتلاك الحقيقة كاملة. فليس أعظم انتصار للإنسان أن يملك حق الرحيل فحسب، بل أن يعيش في مجتمع لا يجعله يشعر بأن رحيله هو الحل الوحيد المتبقي له. إن الحضارة التي تمنح الإنسان حق اختيار موته مطالبة، قبل كل شيء، بأن تثبت أنّها فعلت كل ما تستطيع كي لا يصبح الموت خلاصا من فشل الحياة في احتضانه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *