بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
توجد بيوت كثيرة في العالم لا تسمع فيها صرخات. ليس لأنها هادئة، بل لأن الجدران تعلّمت الصمت. وثمة رجال يخرجون إلى الجمهور بوجوه مضاءة، يضحكون، يصنعون النكات، يملكون ملايين المتابعين، ويبدون أمام الكاميرا كأنهم يعرفون سرّا صغيرا عن السعادة لا يعرفه الآخرون. ثم تنطفئ الكاميرا. وهنا تبدأ حياة أخرى. في الخامس من سبتمبر، ظهر اسم غريغوري غيوتين، المعروف باسم Greg Guillotin،في قلب قضية عنف أسري وهارَسٍ مزعوم، بعد شكوى تقدمت بها شريكته السابقة في 17 يونيو إلى النيابة العامة لدى المحكمة القضائية في إيفري. ووفق رواية الشاكية، التي تبلغ اليوم 27 عاما، فإنها تعرضت خلال سنوات العلاقة، الممتدة بحسب الشكوى من 2019 إلى 2026، لأفعال تصفها بالعنف الجسدي والنفسي والإهانات والمراقبة والسيطرة. وقد نفت النيابة، في المعلومات المنشورة، أن تكون جهة تحقيق قد أُحيل إليها الملف في تلك المرحلة. لكن وسط كل هذه الوقائع القانونية، خرج الرجل نفسه إلى العلن بجملة أثقل من آلاف الكلمات: «هي عانت منها. لن أنكرها ولن أحاول تبريرها. أشعر بالخجل.» ثم كتب، في جوهر اعترافه، أن الرجل الذي أضحك ملايين الناس والرجل الذي مارس العنف داخل بيته كانا الشخص نفسه.
وهنا لا يعود الأمر مجرد خبر عن يوتيوبر. إنه مشهد أخلاقي. رجل يقف أمام المرآة بعد سنوات من الوقوف أمام الكاميرا. والفرق بين المرآتين هائل. في الأولى، يستطيع الإنسان أن يختار الزاوية. في الثانية، لا توجد زاوية آمنة. لا يوجد مونتاج. لا توجد موسيقى. لا يوجد جمهور يضحك في اللحظة المناسبة. هناك فقط الإنسان أمام ما فعل. وهذه ربما هي القيمة الأولى لأي اعتراف علني: أنه يرفض أن يستمر الكذب الذي يعيش في المنطقة الأكثر ظلمة بين الشهرة والخصوصية. لكن علينا أن نكون دقيقين. الاعتراف ليس محكمة. والخجل ليس عقوبة قانونية. والعلاج النفسي ليس بديلا عن العدالة. والاعتذار لا يعيد الزمن إلى الوراء. ومع ذلك، فإن الاعتراف يظل مهما. لماذا؟ لأن العنف المنزلي يعيش، قبل أن يعيش في الجسد، داخل اللغة. يبدأ غالبا بجملة صغيرة: «أنت تبالغين.» ثم: «أنت السبب.» ثم: «أنا فعلت ذلك لأنك استفززتني.» ثم: «لا تخبري أحدا.» ثم: «لن يصدقك أحد.» ثم: «من سيقف إلى جانبك؟» وبعد فترة يصبح الضحية محاصرة ليس داخل البيت فقط، بل داخل رواية كاملة كتبها المعتدي عن الواقع. وهنا يصبح الصمت جدارا. والجدار لا يبنى بحجر واحد. تبنيه الخشية. والخجل. والاعتماد الاقتصادي. والشهرة. والعلاقات الاجتماعية. والخوف من الفضيحة. والخوف من ألا يصدق الآخرون. والخوف من أن ينقلب الجمهور على الضحية لأن المعتدي «لطيف» أمام الناس.
وكلما كان الرجل مشهورا، ناجحا، غنيا، محبوبا أو مثقفا، أصبح الجدار أحيانا أكثر سمكا. هذه إحدى أكثر الحقائق إيلاما في العنف الأسري: المجتمع يتصور أحيانا أن العنف يسكن في الأماكن الفقيرة، المعتمة، الهامشية. لكن العنف لا يحتاج إلى حي فقير. يمكنه أن يسكن في شقة فاخرة. يمكنه أن يرتدي بدلة. يمكنه أن يحمل شهادة جامعية. يمكنه أن يتحدث بثلاث لغات. يمكنه أن يعرف الفلسفة. يمكنه أن يقتني لوحات باهظة. يمكنه أن يضحك أمام ملايين الناس. العنف ليس طبقة اجتماعية. إنه مرض في علاقة القوة. ولذلك فإن الاعتراف الذي يصدر عن شخصية عامة قد يساعد، مهما كانت دوافعه، في كسر أسطورة خطيرة: أن العنف المنزلي مشكلة «الآخرين». ليس هناك «آخرون». هناك بشر. والبيت ليس دائما أكثر الأماكن أمانا. أحيانا يكون أخطر مكان لأن الباب يغلق من الداخل.
في الرواية الحديثة، قد يكون المنزل هو مكان المؤامرة . وفي داخله يكفي أن يجعل الطاغية شخصا واحدا يخاف. وهذا ما يجعل السيطرة النفسية من أكثر أشكال العنف غموضا. فالضربة تترك أحيانا علامة. أما الإذلال فيترك شيئا لا تراه العين. الكلمة القاسية لا تظهر في صورة الأشعة. لكنها قد تبقى في الرأس عشر سنوات. المراقبة لا تترك كدمة على الجلد. لكنها تجعل الإنسان يشعر أنه يعيش في غرفة بلا جدران، وأن كل حركة محسوبة، وكل تأخر في الرد على رسالة يمكن أن يتحول إلى استجواب. وفي الرواية المنسوبة إلى الشكوى، تتحدث الضحية عن نظام من المراقبة والإهانات والسيطرة، وعن كاميرات وُضعت في المنزل بحجة مراقبة عامل يقوم بأعمال، لكنها تقول إن استخدامها امتد إلى مراقبة تحركاتها هي. إذا ثبتت هذه الوقائع قضائيا، فإنها تكشف شيئا أعمق من الاعتداء الجسدي: إنها تكشف محاولة تحويل البيت إلى نظام مراقبة. وحين يتحول المنزل إلى كاميرا، تنتهي فكرة المنزل. فالبيت، في المعنى الإنساني القديم، هو المكان الذي يستطيع فيه المرء أن يخلع وجهه. أما إذا أصبحت الكاميرا تلاحقه داخل المكان الذي يفترض أن يكون ملاذه، فإن الملاذ يتحول إلى سجن.
وهنا تظهر إحدى أكثر المفارقات قسوة في العصر الرقمي. لقد اخترعنا الكاميرات لحماية البيوت. ثم أصبح من الممكن أن تتحول الكاميرا نفسها إلى أداة للسيطرة داخل البيت. التكنولوجيا لا تحمل أخلاقها في داخلها. اليد التي تستخدمها هي التي تمنحها معناها. السؤال ليس: هل توجد كاميرا؟ السؤال: من يراقب من؟ ولماذا؟ وبأي حق؟ وإلى أي حد؟ في العنف الأسري، السيطرة ليست دائما قبضة. قد تكون كلمة مرور. أو موقعا جغرافيا. أو هاتفا. أو رسالة لا يأتي الرد عليها في الوقت المناسب. أو حسابا مصرفيا. أو عزلة عن الأصدقاء. أو تهديدا ضمنيا. أو تحويل الضحية إلى شخص يشك في نفسه. وهنا يصبح العنف أشبه بآلة لا تحتاج إلى أن تصرخ. إنها تعمل بصمت. لكن ما يجعل قضية غريغوري غيوتين أكثر إثارة للتأمل هو التناقض بين الشخص العام والشخص الخاص. الرجل الذي صنع الكوميديا من المواقف المحرجة والاختبارات والمقالب أمام الكاميرا، وجد نفسه أمام أكثر مفارقات الشهرة ظلمة: الإنسان الحقيقي أكثر تعقيدا. قد يكون كريما مع صديق وعنيفا مع شريكته. قد يكون لطيفا مع الجمهور وقاسيا داخل البيت. قد يتبرع بالمال ويؤذي شخصا. قد يتحدث عن الاحترام ويهين إنسانا. قد يدافع عن حقوق الآخرين ولا يعرف كيف يحترم حدود أقرب الناس إليه. وهذا لا يجعل العنف أقل خطورة. بل يجعله أكثر خطورة. لأن الشر الواضح يسهل التعرف إليه. أما الشر الذي يبتسم، فيحتاج إلى وعي أكبر. ومن هنا تأتي أهمية عبارة غيوتين: «الاثنان كانا أنا». هذه العبارة، إذا أخذناها بوصفها اعترافًا بالمسؤولية، أكثر أهمية من محاولة بناء شخصية مزدوجة: «ذلك الرجل ليس أنا».لا. الرجل الذي أضحك الناس هو نفسه الرجل الذي يجب أن يتحمل مسؤولية ما فعل في حياته الخاصة. الإنسان ليس شخصيتين منفصلتين لأن الجمهور يعرف واحدة منهما فقط. وهنا تدخل الفلسفة. سقراط جعل معرفة النفس بداية للحكمة. لكن معرفة النفس ليست أن تعرف نقاط قوتك فقط. إنها أن تجرؤ على النظر إلى الجزء الذي لا تريد أن تراه. المرآة الأخلاقية لا تسأل: «هل أنت محبوب؟» بل: «ماذا تفعل عندما لا يراك أحد؟» وهذه ربما أصعب أسئلة الإنسان.
فالشهرة تختبر قدرتنا على احتمال تصفيق الآخرين. لكن السلطة الحقيقية تبدأ عندما نستطيع أن نتحمل الصمت الذي يأتي بعد التصفيق. وفي هذا المعنى، يمكن أن يكون الاعتراف بداية طريق، لا نهاية الطريق. أن تقول «أنا أخطأت» ليس كافيا. السؤال التالي هو: ماذا ستفعل حتى لا يتكرر الخطأ؟ والسؤال الذي بعده: كيف ستتحمل تبعاته؟ والسؤال الأكثر قسوة: هل ستقبل أن العدالة لا تدور حول راحتك النفسية؟ الاعتراف ينبغي أن يعيد مركزية الضحية، لا أن يعيد صناعة صورة المعتدي. لا ينبغي أن يصبح الاعتذار حملة علاقات عامة. ولا أن تتحول عبارة «أنا في العلاج» إلى شهادة براءة. العلاج ضروري عندما يكون ضروريا. والاعتذار قد يكون ضروريا. لكن المسؤولية شيء آخر. والتغيير الحقيقي شيء ثالث. وفي المجتمعات التي تعشق المشاهير، هناك مشكلة إضافية: الجمهور يريد أن يغفر بسرعة للشخص الذي أحبه. وكأن الشهرة تمنح صاحبها رصيدا أخلاقيا. إن الضحك ليس شهادة حسن سلوك. والشهرة ليست تزكية أخلاقية. والثروة ليست دليلا على الرقي. والثقافة ليست لقاحا ضد العنف. وهنا نصل إلى الجدار الأكبر الذي أشرت إليه: جدار الصمت في الأوساط المثقفة والميسورة والمشهورة.
إن كسر هذا الجدار مهم، لأن الفكرة القديمة التي تقول إن العنف الأسري «مشكلة طبقات اجتماعية معينة» كانت دائما كذبة مريحة. العنف قد يكون قد يكون في غرفة فندق. وقد يكون في بيت طبيب. أو محام. أو أستاذ جامعي. أو فنان. أو رجل أعمال. أو سياسي. أو إعلامي. لا توجد شهادة جامعية تمنع الإنسان من إساءة استخدام القوة. ولا يوجد حساب مصرفي يطهر اليد. ولا توجد مكتبة تمنع القسوة. بل إن الثقافة نفسها قد تتحول أحيانا إلى قناع ممتاز. فالشخص المثقف يعرف كيف يصوغ الحجج. ويعرف كيف يقنع الآخرين. وقد يعرف، إذا كان منحرفا أخلاقيا، كيف يعيد تفسير الواقع بحيث يبدو هو الضحية. وهنا يصبح العنف خطابا قبل أن يكون فعلا. «هي حساسة.» «هو سوء تفاهم.» «كانت العلاقة سامة من الطرفين.» «إنها تريد الانتقام.» وهكذا يبدأ المجتمع في محاكمة الضحية بدلًا من الاستماع إليها. لذلك فإن أهم ما يجب أن يفعله الإعلام في مثل هذه القضايا ليس أن يختار طرفا قبل القضاء، ولا أن يحول المأساة إلى فرجة. بل أن يحافظ على توازن صعب: أن يحترم قرينة البراءة. وأن يأخذ ادعاءات الضحية على محمل الجد. وأن يميز بين ما ورد في الشكوى وما ثبت قضائيا. وأن يتذكر أن خلف الكلمات إنسانا حقيقيا. وهذا التوازن ليس ضعفا. إنه نضج.
أما بالنسبة إلى شجاعة الضحية، فربما يكون من السهل جدا علينا أن نقول: «لماذا لم تتحدث من قبل؟» السؤال نفسه قد يكون ظالما. لأننا لا نعرف ماذا يعني أن تعيش سنوات داخل علاقة تخشى فيها رد الفعل، أو أن تخاف فقدان البيت أو المال أو السمعة أو العمل أو المستقبل. الشجاعة لا تعني أن الإنسان لم يخف. الشجاعة قد تعني أنه خاف، ثم تكلم. وهذا فرق هائل. في التاريخ، لم يكن الصمت دائما موافقة. أحيانا كان الصمت وسيلة للبقاء. وهذا ينطبق على كثير من ضحايا العنف. إنهم لا يصمتون لأنهم ضعفاء. قد يصمتون لأنهم يحاولون النجاة. ومن هنا، يصبح خروج الضحية من الصمت حدثا أكبر من مجرد شكوى. إنه استعادة للغة. ومن يملك اللغة يستطيع أن يبدأ في إعادة بناء نفسه. ربما لهذا السبب يجب أن نقرأ هذه القضية بعيدا عن إغراء الفضائح. لا نحتاج إلى معرفة كل تفصيل حميم. لا نحتاج إلى تشريح حياة الضحية. لا نحتاج إلى تحويل الألم إلى مادة استهلاك. ما نحتاجه هو شيء أكثر صعوبة: أن نتعلم كيف نرى العنف عندما يأتي بوجه محبوب. أن نصدق أن الشخص العام قد يكون مختلفا عن الصورة التي صنعها. أن نفهم أن العنف لا يحتاج إلى رجل جاهل. وأن الثراء لا يقتل القسوة. وأن التعليم لا يمنح تلقائيا الأخلاق. وأن الكاميرا قد تكشف كل شيء، لكنها لا تكشف دائما الحقيقة.
فلنتخيل، لا في عالم السياسة بل في عالم الرواية، أن رجلا جاء من بلد عاش سنوات طويلة تحت العنف والصراع، يجلس أمام شاشة الحرب ويرى رجلا فرنسيا مشهورا يقول: «أشعر بالخجل». ماذا يمكن أن يفكر؟ ربما يفكر في المسافة الغريبة بين السلطة والعنف. ربما يدرك أن العنف ليس حكرا على الدول. هناك عنف الدولة. وهناك عنف الحرب. وهناك عنف الشارع. وهناك عنف البيت. الأشكال مختلفة، لكن إحدى آلياتها واحدة: تحويل القوة إلى حق في إخضاع الآخر. وهذا هو الرابط الفلسفي الوحيد الذي يمكن أن يستحق التفكير. لأن السؤال نفسه يفتح بابا أوسع: كيف تتحول القوة إلى عنف عندما تفقد حدودها؟ في الدولة، قد تتحول السلطة إلى استبداد. وفي الحرب، قد تتحول القوة إلى تدمير. وفي العلاقة العاطفية، قد تتحول الغيرة إلى مراقبة. والحب إلى امتلاك. والحماية إلى حصار. والخوف إلى سيطرة.
وهنا، في أعمق نقطة، ليست المشكلة في القوة نفسها. المشكلة في غياب الحدود الأخلاقية التي تمنع القوة من التحول إلى إذلال. قال الفيلسوف هوبز إن الإنسان يعيش في خوف من الإنسان. لكن المجتمعات الحديثة حاولت بناء المؤسسات والقوانين كي لا يبقى الأقوى هو الذي يقرر. ومع ذلك، يبقى البيت آخر حدود القانون. هناك، خلف الباب المغلق، قد تعود القوة إلى شكلها البدائي. من يملك المال أكثر. من يملك المكان. من يملك شبكة العلاقات. من يملك الشهرة. من يملك القدرة على إقناع الآخرين. من يملك المعلومات. ومن يملك الخوف الذي يضعه في قلب الآخر. لذلك فإن مقاومة العنف الأسري ليست قضية نسائية فقط. إنها قضية حضارية. لأن المجتمع الذي يتسامح مع العنف في البيت يربي، من حيث لا يدري، جيلا يتعلم أن القوة أهم من الكرامة. وهذه كارثة تربوية. الأطفال الذين يعيشون في بيئة عنيفة لا يرون مجرد شجار بين شخصين. إنهم يتعلمون تعريفا للعلاقة. يتعلمون أن الحب يمكن أن يكون خوفا. وأن الغيرة يمكن أن تكون سيطرة. وأن الاعتذار يمكن أن يأتي بعد الأذى ثم تعود الدورة من جديد.
ولهذا فإن تفكيك العنف لا يعني فقط معاقبة المعتدي. يعني أيضا تفكيك النموذج الذي يجعل العنف قابلا للتكرار. والاعتراف العلني، إذا كان صادقا ومصحوبا بتحمل حقيقي للمسؤولية، يمكن أن يكون جزءا من هذه العملية. لكن لا ينبغي أن نبالغ. الكلمات جميلة. التحولات أصعب. من السهل أن يقول الإنسان: «لن أكون ذلك الرجل مرة أخرى.» الأصعب أن يبني، يوما بعد يوم، الأدلة على أنه تغيّر. لأن الندم الحقيقي ليس جملة. إنه سلوك طويل. هو قبول الحدود. وقبول الرفض. وقبول استقلال الآخر. وقبول أن الشريك ليس ملكية. وقبول أن الحب لا يعطي حق المراقبة. وقبول أن «لا» تعني «لا». وقبول أن الغضب ليس رخصة. وقبول أن الاعتذار لا يلغي النتيجة. وهنا ربما تكمن أعمق جملة في هذه القصة: الحب الذي يحتاج إلى الخوف كي يستمر ليس حبًا؛ إنه نظام سلطة يرتدي ملابس الحب. وكم من البيوت في العالم لا تزال ترتدي هذه الملابس؟ كثيرة.
لذلك فإن كسر الصمت ليس فضيحة. الفضيحة هي أن يبقى الصمت يحمي العنف. وليس من الشجاعة أن يعتذر الرجل بعد انكشاف كل شيء فقط. الشجاعة الحقيقية أن يواجه نفسه قبل أن تضطر الضحية إلى كشفه. لكن عندما يحدث الاعتراف، يبقى له معنى. قد لا يمحو الماضي. لكنه يمنع الماضي من الاختباء خلف الكذبة. وهذه بداية. بداية صغيرة. لكن الجدران الكبيرة لا تسقط بضربة واحدة. تسقط حين يتوقف الناس عن تدعيمها. حين تتكلم الضحية. حين يستمع المحيط. حين لا تُتهم المرأة لأنّها تكلمت. حين لا يغفر للرجل فقط لأنه مشهور. حين لا تتحول القضية إلى برنامج ترفيهي. حين تقول العدالة كلمتها. وحين يتعلم المجتمع أن البيت ليس منطقة خارج القانون. وربما, لا يكون السؤال الأهم: «هل غريغوري غيوتين شجاع لأنه اعترف؟» بل: «هل نستطيع نحن، كمجتمع، أن نكون شجعانا بما يكفي كي لا نحتاج أصلا إلى اعتراف مشهور حتى نصدق أن العنف موجود؟» ذلك هو الاختبار الحقيقي. فالرجل المشهور قد يعتذر أمام ملايين الناس. لكن هناك نساء كثيرات لا يملكن مليون متابع. لا كاميرا. لا محاميا مشهورا. ولا جمهورا ينتظر بيانا. لديهن فقط باب مغلق. وهاتف صامت. وقلب يعرف الحقيقة.
إذا نجح هذا الاعتراف في جعل امرأة واحدة تشعر بأنها ليست وحدها، أو جعل رجل واحد يدرك أن الغضب ليس حقا في الإيذاء، أو جعل أسرة واحدة تتوقف عن تبرير العنف، فربما يكون للكلمات أثر يتجاوز صاحبها. لكن علينا أن نتذكر دائما: الاعتراف بداية الطريق. لا نهايته. والندم ليس العدالة. والشهرة ليست البراءة. والثقافة ليست أخلاقا. والثروة ليست حصانة. والحب ليس ملكية. والبيت ليس دولة مغلقة. والصمت ليس موافقة. أما الجدار، ذلك الجدار القديم الذي بنته القرون من الخوف والخجل والإنكار، فإنه لا يسقط لأن رجلا مشهورا تكلم مرة. إنه يسقط حين يصبح الكلام ممكنا للجميع. حين لا تحتاج الضحية إلى مليون شاهد كي يُسمع صوتها. حين يصبح المجتمع أكثر اهتماما بالحقيقة من صورة المشهور. حين نكف عن السؤال: «كيف يمكن لرجل يضحك الناس أن يكون عنيفا؟» ونبدأ بالسؤال الصحيح: «لماذا افترضنا أصلا أن الإنسان الذي يضحكنا لا يمكن أن يؤذي أحدا؟» هناك، عند هذه النقطة بالذات، يبدأ الجدار في التشقق. وقد يكون أول صوت نسمعه ليس صوت سقوطه. بل صوت حجر صغير، يتدحرج في الظلام. ثم حجر آخر. ثم آخر. إلى أن يأتي صباح لا يحتاج فيه أحد إلى أن يصرخ كي يعرف العالم أن وراء الباب إنسانا يتألم.
📲 Partager sur WhatsApp