قراءة نقدية في غياب الامتداد الأدبي المغربي عن مهرجان الدخول الأدبي
بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
قد تضاء القاعات، وتفرش الممرات بالكلمات، وتلتقط الصور تحت أضواء الاحتفاء، لكن ثمة مقاعد تظل فارغة، لا لأن أصحابها لم يجدوا طريق الوصول، بل لأن أحدا لم ينتبه إلى أن لهم مكانا أصيلا في قلب الدعوة. في الدورة الثانية من مهرجان «الدخول الأدبي»، المنظم بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والرياضة، ومجلس جهة الدار البيضاء سطات، ومجلس الجالية المغربية بالخارج، احتفى المنظمون بالكتاب والإبداع، وفتحوا أبواب اللقاء أمام الكتّاب والناشرين والفاعلين في الحقل الأدبي، في مبادرة تستحق، من حيث المبدأ، التنويه والتشجيع. غير أن الاحتفاء، مهما تلألأت واجهاته، لا يعفيه من سؤال جوهري: من حضر فعلا في هذا العرس؟ ومن غاب عن صورته الجماعية؟ ومن بقي اسمه معلقا في هواء البلاغات، بينما ظل صوته خارج فضاء المنصة؟
إن الثقافة ليست حفل استقبال، ولا صورة جماعية تتسع للوجوه التي اختيرت بعناية، ولا لائحة أسماء تُقرأ ثم تطوى. الثقافة، في جوهرها، اعتراف متبادل، وعدالة رمزية، وحق في الظهور والمشاركة وصناعة المعنى. وهنا يفرض السؤال نفسه، لا بوصفه اعتراضا، بل باعتباره مساءلة لضمير الفعل الثقافي: أين هو المغرب الآخر؟ أين امتداد المغرب في المهجر؟ أين أولئك الذين ، ويزرعون حروف اللغة في تربة المنافي، ويكتبون مغربا آخر لا تحدّه الجمارك ؟
سيدي وزير الثقافة، أين مغاربة العالم من هذا المشهد؟ وأين أقلامهم من خريطة الاحتفاء؟ هل يكفي أن يُذكر مجلس الجالية المغربية بالخارج ضمن الشركاء حتى يصبح أدب المهجر حاضرا؟ أم أن حضور المؤسسة شيء، وحضور الإنسان الذي تمثله شيء آخر؟ إن الفرق بينهما يشبه الفرق بين أن نعلّق خريطة وطن على جدار، وأن نفتح أبواب ذلك الوطن لكل أبنائه. لقد أصبح الأدب المغربي المكتوب خارج الحدود جزءا لا يتجزأ من التجربة الأدبية الوطنية. إنه ليس ملحقا دبلوماسيا، ولا صوتا مستعارا من لغات أخرى. إنّه امتداد حيّ للذاكرة المغربية، يكتب بلغات متعددة، ويتنفس أسئلة الهوية والانتماء والاقتلاع والعودة، ويعيد تشكيل صورة المغرب في مرايا العالم. فأين هذا الحبر؟ أين حبر المهجر، ذلك الحبر الذي قد يكتب بالأحمر والأخضر، لكنّه لا يحتاج إلى جواز سفر كي يثبت مغربيته؟ أين تلك الأقلام التي تكتب من باريس وبروكسيل ومدريد وأمستردام ومونتريال وغيرها، وتحمل في دواخلها تضاريس المغرب، حتى حين تكتب عن شوارع لا تشبه شوارعه؟
أليس من حق هذه الأقلام أن تكون جزءا من المشهد، لا مجرد أسماء عابرة في خطاب الانفتاح؟ أليس من حقها أن تجلس إلى الطاولة نفسها باعتبارها شريكا في إنتاج ثقافته؟ والأكثر إيلاما أن السؤال لا يتوقف عند أدب المهجر، بل يمتد إلى حضور المرأة المغربية الكاتبة والمبدعة، تلك التي تحمل في حبرها أسئلة المجتمع والذاكرة والجسد والحرية والهوية. أين هي المرأة المغربية التي تكتب من الداخل والخارج؟ أين الأصوات النسائية التي تشق عتمة المسكوت عنه، وتعيد ترتيب العالم بالكلمات؟ وهل يمكن الحديث عن عرس أدبي جامع بينما يظل الحضور النسائي، إن لم يكن غائبا، دون مستوى التنوع الذي ينبغي أن يعكسه المشهد الثقافي المغربي؟
إن المرأة ليست فقرة في برنامج ثقافي، ولا صورة مطلوبة لاستكمال مشهد التنوع. إنّها شريكة في صناعة الوعي، وفاعلة في تشكيل الذائقة الأدبية، وذاكرة لا يجوز أن تُستدعى عند الحاجة إلى تجميل خطاب المؤسسة، ثم تُترك خارج دائرة القرار والاختيار. ولا يتعلق الأمر هنا بالمطالبة بحصة رمزية لهذا الصوت أو ذاك، بل بإعادة النظر في مفهوم التمثيل الثقافي نفسه: من نختار؟ وعلى أيّ أساس؟ ومن يملك حق تعريف الأدب المغربي؟ وهل تتسع معايير الاختيار للتعدد اللغوي والجغرافي والتجريبي الذي صار من سمات الكتابة المغربية المعاصرة؟
إننا لا نريد أن يتحول النقد إلى حجر يلقى في حديقة مبادرة ثقافية، ولا أن يُفهم السؤال باعتباره إنكارا لجهود من اجتهدوا في تنظيم هذا الموعد. على العكس، إن قيمة المهرجان الحقيقية تبدأ حين يصبح قادرا على الإصغاء إلى ما لم يقله برنامجه، وعلى رؤية ما لم تلتقطه عدسته، وعلى الاعتراف بأن نجاح التظاهرة هو بمدى قدرتها على تمثيل التنوع الحقيقي للثقافة التي تحتفي بها. وهنا نصل إلى السؤال الأعمق: هل المغرب جغرافيا أم روح؟
إذا كان المغرب جغرافيا فقط، فلتكن حدوده هي حدود الثقافة، ولتظل الكتابة المغربية أسيرة خطوط الطول والعرض. أما إذا كان المغرب روحا وذاكرة وانتماء، فإن أبناءه لا يفقدون مغربيتهم عند عبور الحدود، ولا تسقط عن أقلامهم صفة الوطنية حين تستقر حقائبهم في مدن بعيدة. المغرب ليس أرضا تنتهي عند آخر نقطة حدودية؛ إنه ذاكرة تسافر، ولسان يتعدد، وحبر يعبر البحار دون أن يغرق. قد تتغير لغة الكاتب، وقد تتبدل المدينة التي يستيقظ فيها، وقد يكتب عن شتاء باريس أو ضباب بروكسيل، لكن شيئا من المغرب يظل مختبئا بين سطور نصوصه، مثل بذرة تعرف جيدا اسم تربتها الأولى. ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجهه القائمون على الشأن الثقافي ليس: كيف نستضيف أدب المهجر؟ بل: كيف نعترف بأنه جزء من أدبنا الوطني، وأن مغاربة العالم ليسوا جمهورا خارج القاعة، بل شركاء في صياغة المشهد؟
إننا بحاجة إلى ثقافة لا تكتفي بفتح الأبواب، بل تعرف لمن تفتحها. إلى مهرجانات لا تستدعي التنوع في الخطب ثم تنساه في قوائم المدعوين. إلى مؤسسات ترى في الأدب المغربي فضاء متعدد الأصوات، لا خريطة ضيقة تمحى منها المدن البعيدة. ولعل أجمل ما يمكن أن يحققه مهرجان «الدخول الأدبي» في دوراته المقبلة هو أن يتحول من مناسبة للاحتفاء بمن حضروا إلى مشروع حقيقي لاستعادة كل من غابوا، وأن يمنح أدب المهجر مكانته المستحقة، وأن يضمن للمرأة الكاتبة حضورا فاعلا وأن يجعل من التعدد الثقافي والجغرافي حقيقة في الممارسة لا مجرد عبارة في الديباجات الرسمية.
فيا سادة الثقافة، لا نريد عرسا تتلألأ فيه الثريات بينما تظل بعض أقلام الوطن تكتب في العتمة. لا نريد أن نرى المغرب كاملا في الشعارات، ومبتورا في قوائم الحضور. لا نريد أن يصبح الحبر المغربي المغترب حاضرا في الخطاب وغائبا مغيبا عن المنصة. إن أخطر ما قد يحدث للثقافة ليس أن يغيب الكاتب عن مهرجان، بل أن تعتاد المؤسسة الثقافية غيابه حتى يصبح خارج حساباتها. فأين الحبر المغربي المغترب؟ أين أصوات المهجر؟ أين المرأة الكاتبة؟ وأين ذلك المغرب الذي لا تسعه الموائد، لكنّه يسكن كل من يكتب اسمه بصدق؟ لأن الثقافة ليست أن نحتفي بمن نراهم فقط ونعتادهم على الموائد، بل أن نتعلم كيف نرى من لم نمنحهم بعد حق الظهور. فالعرس الثقافي الحقيقي لا يكتمل بالمدعوين وحدهم، بل حين لا يشعر أي قلم مغربي بأنه غريب عن مائدة العرس.
